Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قرار بإبعاد القضاة عن الصراعات السياسية في تونس

المجلس الأعلى للقضاء أغلق باب انتدابهم في مناصب بالمؤسسات الحكومية

المجلس الأعلى للقضاء يكف أيدي السياسيين عن الزج بالقضاة في تجاذباتهم (رويترز)

من دون أي مقدمات وبعد أن تحول عدد من القضاة إلى أدوات لتصفية الحسابات بين أطراف الصراع السياسي في تونس، والذي تجسد بقرار إقالة القاضي عماد بوخريص من رئاسة هيئة مكافحة الفساد الذي رفضه رئيس الجمهورية قيس سعيد، وتعيين رئيس الحكومة هشام المشيشي القاضي عماد بن طالب علي مكانه، وما انجر عن القرار من الزج بالقضاة في الصراع السياسي، أصدر "المجلس الأعلى للقضاء" قراراً أغلق فيه باب الانتداب للقضاة في مناصب سياسية، ودعا من يشملهم القرار للعودة للعمل في السلك القضائي وإغلاق الباب الذي تسبب في توجيه اتهامات للقضاة بالتقرب من الأطراف السياسية وخدمة مصالحها.

قرار تاريخي

ووصف القاضي أكرم المنكبي قرار المجلس بـ"التاريخي". 

وتحدث قرار المجلس الأعلى للقضاء عن الحرص على مبادئ الاستقلالية والحياد والنأي بالسلطة القضائية عن جميع التجاذبات السياسية في علاقة إلحاق القضاة العدليين لشغل مناصب في رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والوزارات والهيئات التي لا يفرض القانون وجوب وجود قاض عدلي ضمن تركيبتها. وللمحافظة على سمعة القضاء والقضاة والنأي بهم عن حملات التشكيك والتشويه والزج بهم في الصراعات السياسية فقد قرر إنهاء إلحاق القضاة الشاغلين لمناصب في المؤسسات الحكومية ودعوتهم للالتحاق بمراكز عملهم في المؤسسات القضائية.

القضاة المعنيون 

القرار سينهي إلحاق عدد من القضاة في مناصب حساسة ومهمة في عدد من المؤسسات الحكومية الكبرى في تونس وهم:

بلحسن بن عمر المستشار برئاسة الحكومة
يوسف الزواغي مدير عام الجمارك
إلياس ميلادي: وزارة أملاك الدولة
عماد بوخريص: هيئة مكافحة الفساد
عماد بن طالب علي المكلف العام بنزاعات الدولة.

وخلق القرار أزمة جديدة لحكومة المشيشي بحيث سيكون على القاضي يوسف الزواغي العودة لممارسة مهامه كقاض ومغادرة منصب المدير العام للجمارك، علماً أنه تم تعيينه بداية العام الحالي بمنصب وزير العدل ورفض رئيس الجمهورية أدائه اليمين الدستورية رفقة تسع وزراء صادق مجلس النواب على تعيينهم في مناصب وزارية بحجة أن عدداً منهم عليه شبهات فساد وتضارب مصالح، والأزمة المستمرة بعد ستة أشهر ما زالت ترواح مكانها من دون وجود أي إمكانيات لحلول سياسية في المدى المنظور، بحسب ما قالت الإعلامية سمية الدريدي في تصريح خاص موضحة أن القرار سيعمق من أزمات الحكومة ورئيسها.

من جانبه، اعتبر الإعلامي مصطفى مشاط قرار إنهاء الإلحاق بمثابة الخطوة الأولى الصحيحة لإبعاد القضاة عن الصراعات السياسية والتي صارت عادة منذ سقوط نظام الرئيس بن علي عام 2011، حيث تم الاستنجاد بالعديد منهم للعب أدوار كبيرة وأداروا مؤسسات كبرى مثل الجمارك وهيئة مكافحة الفساد وغيره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف مشاط أن هذه التعيينات جلبت كثيراً من الاتهامات والتشويه للجسم القضائي الذي يفترض أن يكون محل ثقة الجميع لأنه ملاذ المظلومين وهو الحكم في القضايا الخلافية، ووصف قرار المجلس بالصائب والجريء "فالقضاة يجب أن يبقوا فوق كل الخلافات السياسية لأنهم ضمير الشعب وبوصلته في حين لا يخلو الشأن السياسي من الشد والجذب والخصومات". 

تحذر من تبعات القرار 

في خضم الحماس للقرار، أوضح الإعلامي محمد بوغلاب أن المجلس لا يحق له إصدار قرارات إنهاء انتداب القضاة لأن من أصدر قرار الانتداب ومن ينهيه الحكومة أو بطلب من القاضي نفسه، محذراً من تبعات هذه القرارات على القضاة والمؤسسات التي يعملون بها.

وأضاف أن القضاة الذين شملهم القرار سيتقدمون بطعن لدى المحكمة الإدارية لأنه يشكل ما وصفه بـ"اصطفاف من المجلس في موقف سياسي مع طرف ضد آخر في الصراع المكشوف بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة في ظل الأزمة التي تعيشها تونس وسيكون لها تداعيات على مستوى تعامل الجانب القضائي مع السياسي".

إعادة الثقة لعلاقة القضاء بالمواطن 

المحامي حازم القصوري وصف القرار بـ"اليوم المشهود" لأنه "أنهى وإلى الأبد محاولات الأحزاب السياسية السيطرة على القضاة وضرب مصداقيتهم أمام المواطنين والقاضي الذي لا يخضع لسلطة غير سلطة القانون لا يمكن أن يكون موظفاً يتلقى التعليمات وينفذ السياسات التي يقرها أي طرف أو حكومة لأن استقلاليته ذهبت في مهب الريح".

وأضاف القصوري لـ"اندبندنت عربية" أن المجلس انحاز لدولة القانون والمؤسسات وأبعد القضاة عن الخضوع للسلطة التنفيذية.

الحق في الاستقالة 

وبعد إعلان القرار وخروج بعض الأصوات المطالبة باللجوء للمحكمة الإدارية للطعن فيه صرح القاضي وليد المالكي، عضو مجلس القضاء العدلي، بأنه يحق للقضاة العدليين الذين يرغبون في مواصلة مهامهم في صلب المؤسسات الملحقين بها، أن يقدموا استقالاتهم من القضاء، ملاحظ أن القضاة المعنيين بهذا القرار يتمتعون بآجال معقولة لاتخاذ قراراتهم في هذا الشأن".

وجدد القاضي المالكي التأكيد على أن قرار المجلس "قرار قيمي في الأساس ويأتي في إطار توجه معين لمجلس القضاء العدلي يقضي بالقطع مع التداخل بين القضائي والسياسي".

وقال "يجب على السلطة القضائية أن توفر للقضاة كل الآفاق والطموحات والآمال التي يصبو إليها القاضي في داخل المنظومة القضائية، بهدف الاستغناء عن المناصب من خارج السلطة القضائية أولاً وحتى لا يقع القاضي في فخ التجاذبات السياسية والمس من مصداقيته ثانياً".

في انتظار البقية 

وبحسب عدد من المراقبين فإن القرار سيفتح الباب أمام مجلس القضاء الإداري والقطب القضائي المالي من أجل اتخاذ نفس القرار بخصوص إلغاء انتداب قضاة منهم في الوظائف السياسية.

المزيد من تقارير