Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أشرف العشماوي يستعيد تاريخ مصر مستخدماً التشويق البوليسي

"صالة أورفانيللي" تقدم صوراً مختلفة عن يهود مصر من الملكية إلى السبعينيات

الروائي المصري أشرف العشماوي (اندبندنت عربية)

لا تستطيع اختصار رواية "صالة أورفانيللي" (الدار المصرية اللبنانية)  للكاتب المصري أشرف العشماوي في وصفها بأنها رواية "تاريخية" على الرغم من استعراضها لثلاث مراحل زمنية مرت على مصر الحديثة، بتحولاتها الدرامية، المرحلة الملكية ثم الناصرية وأخيراً مرحلة السبعينيات. ولا يمكن وصفها بأنها رواية "بوليسية" على الرغم من اعتمادها على الإثارة والتشويق ووجود جرائم قتل سواء كانت معنوية كما فى حالة "أورفانيللي"، أو حقيقية كما فى حالات "ليلى"، زوجة "أورفانيللي"، و"منصور" التركي"، و"نجاة". وأورفانيللي الابن الذي ظل يسعى للثأر من "التركي"، قاتل أمه والمتسبب فى موت أبيه قهراً، وهى تيمة سردية عالمية وظفها العشماوي بحرفية واضحة، مبدلاً النهاية التقليدية التى يتمكن فيها الابن من الثأر لأبيه بنهاية أخرى، حين يكتشف أن هؤلاء القتلة الذين كان يتجرعهم كدواء مر، كانوا السم الذى تناوله بإرادته أو تحت وهم الثأر منهم.

وليس أدل على ذلك من تماهيه مع "منصور التركي"، الذي كان السبب الأول في موت أبيه كمداً بعد أن أغوى زوجته بالذهاب إلى قصر الملك، كأنها قطعة أثاث نادرة يعرضها للبيع، بعد أن أوحى له أحد أفراد الحاشية الملكية بذلك، حين قال، مشيراً بعينه ناحية "ليلى" وهو يبتسم بخبث صريح، "مولانا بيحب أي حاجة شغل شرقي، خصوصاً لو مصري يا حبيب عيني".

يهود مصر

هكذا تتحول مصر كلها إلى "صالة مزاد كبير، والشاطر اللى يبيع فيها ولا يشتري". ذهاب "ليلى" إلى القصر الملكي بالترغيب والترهيب، كان السبب الرئيسى فى موت "أورفانيللي" الذي يصفه "منصور التركي" بقوله، "سقط أورفانيللي على باب الصالة تحت اللافتة بعدما تدلى فكه السفلي ومال إلى اليمين قليلاً. تحشرجت كلماته وهو يصرخ في وجهي ويسبني". هذا الموت/القتل، يتحول إلى قتل صريح مع "ليلى" حين يزورها "منصور" في المستشفى وينزع عنها الخرطوم الموصل للهواء إلى أنفها حتى سكنت تماماً .

تقوم الرواية، وهذه صفتها الصريحة، على تعدد الأصوات، يروي "أورفانيللي"، وهو شاب يهودي من أصول إيطالية، فصلها الأول الذي يحمل عنوان "البداية". ويروي فصلها الثاني  (الحكاية) "منصور التركي"، ويروي الفصل الثالث (النهاية) أورفانيللي الابن. والحقيقة أن الرواية لم تستسلم للصورة النمطية لليهودي التي شاعت في الرواية العربية، وترسخت مع إنشاء إسرائيل على أرض فلسطين، وإن كانت قد أشارت إلى تأثير نشأة هذا الكيان على يهود مصر.

ثم ما قامت به جماعة حسن البنا من تفجيرات فى حارة اليهود ومحال شيكوريل ومتجر بنزايون عدس، ويعلق "أورفانيللي" على ذلك بقوله متحسراً، "جاليتنا كبيرة تقترب من مئة ألف يهودي، لكن لم يعد مُرَحَباً بنا على أرض النيل، مع أننا لا نريد الهجرة إلى هناك ولم نفكر يوماً فى ترك مصر، وساذج من يتصور فينا ذلك".

نشأة الكيان الصهيونى إذن هى التى أضرت بوضعية اليهود فى مصر، واستدعت البعد الديني في الصراع الذي استغلته جماعة الإخوان وأثرت به على بسطاء المسلمين، بعد أن كان الجميع يعيشون فى ألفة، باعتبارهم مصريين. وهو الزمن الجميل الذي عاشه "أورفانيللي" في طفولته حين كان يذهب إلى "سبيل القاضي بركات" الذي يشرف عليه رجل عجوز اسمه "ييشع"... "يتباهى بأنه يسقي الحارة كلها، مسلمين ويهوداً وأقباطاً".

مصير مأساوي

كان هناك إذن تآلف وطني، يؤكده "منصور التركي" لأورفانيللي الابن بقوله، "أنتم مصريون ودي بلدكم زي ما هي بلدنا. دي غُمة وراحت وحكومة الوفد معاكم دلوقت". وعند دفن "أورفانيللي"، لا يرى "منصور" فارقاً بين المعبد والمسجد حيث "يتشابك الموت مع الحياة عند كل البشر مهما اختلفت دياناتهم. داهمني هذا الشعور منذ صلوا صلاة القاديش على جثمانه بالمعبد اليهودي كأننا في مسجد". ففي ساعة الموت وجلاله يتساوى الجميع وفى حضور الوحدة الوطنية يبتعد التمايز الديني. هذا ما كان يشعر به أورفانيللي الأب ثم الابن الذي يقول، "لم يكن ديني عائقاً لأي شىء في حياتى منذ ولدت".

وبهذا الاعتبار يكون التفاضل بين الناس على مستوى إنسانى أخلاقى لا دخل للدين فيه، فأورفانيللي شخصية مخلصة إلى درجة أنه سمى ابنه اسماً مركبا يجمع بينه وبين صديق عمره "منصور"، فيكون "أورفانيللي منصور أورفانيللي". ولا شك في أن طيبة "أورفانيللي" هذه كانت سبب هلاكه وكان تفسير الأم لمعنى اسمه إرهاصاً بالمصير المأساوي الذي لاحقه حين تحكي له عن أسطورة إيطالية قديمة تقول إن أورفانيللي، "طائر قليل الحظ كان يصدح في الغابة بصوت جميل حتى جاء ذئب ذات يوم وأخبره بأن الأسد يريد سماع صوته وإن أعجبه سيضمن له أن يعيش آمناً من افتراسه. صدقه الطائر ورفرف بجناحيه، هبط فوق ظهره تاركاً أنثاه وفرخه الصغير بالعش، اصطحبه الذئب للأسد وفي الطريق تظاهر بالتعب ثم رقد، ولما نزل الطائر من فوق ظهره التهمه على الفور".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السلطة والدين

يتداخل الأسطوري والحقيقي لتفسير مصير هذه الشخصية التي يرمز لها الطائر الغافل، بينما يرمز الذئب للصديق المخادع "منصور التركي". واللافت حقاً ألا يكون أورفانيللي الابن، امتداداً لأبيه، بل لقاتله الذي تمنى لو كان أباه. يقول، "صرتُ أكره المفاجآت وأحب التأكد من كل التفاصيل بنفسي. تحولتُ نسخة كربونية من المرحوم منصور التركي"، فيما يشبه افتتان التابع بالمتبوع. لكن ذلك لا يعني التخلي عن عدائه ومحاولة الثأر منه، "الحقيقة أنني تمنيتُ أن يكون منصور أبي، لكنه الآن عدوي". وهذا يعني أن شخصية أورفانيللى الأب أحادية الجانب، مسطحة لم تتطور أو تتبدل مع الأحداث، ربما لموتها السريع، بينما الابن شخصية مركبة تجمع بين النقائض وتعيش صراعاً داخلياً لا يهدأ. أما الشخصية اليهودية التي تعد نقيض أورفانيللى الأب، فهي شخصية "عزيز أرقش" الذي زور بطاقته الشخصية ليكتب في خانة الديانة "قبطي"، لخوفه المبالغ فيه من السلطة، ثم أشهر إسلامه ليتزوج من سيدة ثرية، ثم طلقها بعدما استولى على أمولها ليعود الى ديانته اليهودية.

هكذا تتنوع صور اليهود داخل الرواية مبتعدة عن صورتهم النمطية، بل تتعامل معهم بوصفهم طبائع بشرية متعددة حتى أصبح هناك تقاطعات كثيرة بين المسلمين واليهود. ف"منصور التركي" هو الأقرب إلى الانتهازية من "عزيز أرقش"، وقد تجلى ذلك في زواجه من بهيرة بنت الوزير عبد الفتاح باشا الشوادفي، على الرغم من قبحها وعصبيتها، لأنها، كما يقول، "راقدة على خميرة حلوة من ميراث أبيها، وحيدة ومقطوعة من شجرة زي حالاتي. ده بقى غير علاقاتها بالأميرة شويكار والبرنس يوسف كمال وغيرهم".

الزواج عند "منصور" كما عند "أرقش" صفقة لا بد أن تكون رابحة، لكن حسابات الأول تخيب وتصبح "بهيرة" تجسيداً لسوء أطماعه الفاشلة. يقول معبراً عن ذلك، "اخترتُها مثلما نختار قطعة أثاث لا تلفت نظر أحد في مزاد. كان لدي حاسة أخبرتني أن قيمتها ستكبر مع الوقت. سأعرضها مرة ثانية وأكسب من ورائها الكثير. لكننا فيما يبدو نخطىء التقدير أحياناً. بهيرة قطعة فالصو بكل ما تعنيه الكلمة والآن ستنجب لي قطعة أخرى مثلها لترثنى".

سرد استرجاعي

تشير الرواية، على لسان "أورفانيللى"، إلى تعذيب الإنجليز للمصريين على اختلاف دياناتهم، يقول، "كنتُ أسمع وأنا في فراشي أصواتاً غريبة مريبة تفزعني، يعقبها أنين متقطع.ولما تجاوزت العاشرة من عمري عرفتُ من بعض جيرانى أنها صرخات لرجال ضايقوا عساكر الإنجليز فقبضوا عليهم".

 هذا السرد الاسترجاعي الذى يستعيد أيام الطفولة، هو الذى شكل لديه عقدة الخوف الدائم، من تجليات السلطة المختلفة التي تجسدت في وجوه أساتذته وجيرانه الذين يمنعونه مِن اللعب، وفي ملامح البائعين، وأصبح لديه "فوبيا" مِن الكلاب، في دلالة رمزية على كل من تسبب في إيذائه، أو التهيؤات المرضية، حين ظن في صغره أن شبحاً يعيش في خِزانة ملابسه يسمع صوته ويتخيل شكله ويبكي خوفاً منه.

تعدد الأصوات الذي أشرتُ إليه يعني توظيف ضمير المتكلم، وهو ضمير شعري في الأساس، بوصفه الأكثر تعبيراً عن الذات، كأن تبدأ الرواية هكذا على لسان "أورفانيللي"، "يراودني شعور غريب بأنني مثل عربة يصعد إليها وينزل منها من يشاء. أريد شخصاً واحداً يبادلني الثقة التي أعطيها للناس، شخصاً يجلس إلى جواري حتى نهاية الرحلة".

هذا الاستهلال يكشف أعماق الذات ويعد استشرافاً لما ستتعرض له من أحداث. ومن الواضح اعتماد هذا الأسلوب على التشبيه الطريف الذي يجعل الذات مسلوبة الإرادة، مثل عربة يصعد إليها وينزل منها مَن يشاء.

من الواضح أن أسلوب المتكلم لا يتوجه إلى شخصية سردية محايثة، بل إلى القارئ الضمني المتخيل، مما يعني أننا أمام سارد تقريبي يستهدف هذا القارىء ويستميله. ومن الأساليب التي وظفت، المونولوغ الداخلي ما قاله "منصور" مخاطبا "أورفانيللي" بعد موته دفاعاً عن نفسه، "لم أكن قواداً يا صديقي. لم أجبر أحداً على فعل شىء لا يريده. أنا أنير الطريق فقط. أدل الآخرين عليه ثم أترك كلاً منهم يختار سكته". كما تستخدم بعض الأساليب الكنايات التي كانت شائعة في مرحلة الستينيات، فحين يؤدد "صبحي جاد" المثل الشعبي "خيبة الأمل راكبة جمل"، يلكزه "منصور"، ليسكت، "حتى لا نركب جملا آخر يذهب بنا وراء الشمس كما يقال هذه الأيام عمن يُقبض عليهم ويختفون". كما يظهر أثر السينما حين تدور حياة "منصور" أمامه كشريط من مشاهد متلاحقة يلهث وراءها ولا يتبين منها مشهداً بدقة. وهكذا يصبح تعدد الأساليب موازياً لتعدد صور اليهود في هذه الرواية المشوقة، المنتظر تحويلها إلى فيلم سينمائي، بحسب ما أعلن كاتبها.

المزيد من ثقافة