Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التبرع بالدم... إكسير الحياة يجف في زمن كورونا

أسهمت الجائحة في نقص المخزون الاستراتيجي بالمستشفيات وحملات نشر الوعي هي الحل للقضاء على الخوف

أثر كورونا سلباً على التبرع بالدم بسبب خوف المواطنين من العدوى (أ ف ب)

بين هواجس الخوف من التقاط عدوى كورونا وظروف الحجر الصحي وعوامل أخرى، تظهر الأرقام تغييراً في معدلات التبرع بالدم، خصوصاً في أولى مراحل انتشار الفيروس. ولعل هذا ما زاد من التحديات في وجه المواطن الذي ربما يحتاج إلى الدم في أي ظرف كان.

لكن، يبدو أن التغيير لا يرتبط حصراً بوجود الوباء في حياتنا، بل ثمة أمور أخرى لعبت دوراً في ذلك، أبرزها تلك الثقافة الغائبة لدى المواطنين عن أهمية التبرع بالدم، فأي تحديات واجهها المواطنون والقيّمون على المنظمات المعنية بالتبرع بالدم في هذه المرحلة الصعبة؟

التبرع ليس ترفاً

في مصر وعلى مدار 14 شهراً كاملة هي عمر وباء كورونا، ظل مدير عام خدمات نقل الدم القومية في بنك الدم إيهاب سراج الدين، يناشد المصريين التبرع، مع تأكيدات لا يمل من تكرارها بأن إجراءات التبرع "آمنة تماماً"، وتلويح مستمر إلى أن بنوك الدم المصرية وفي ظل أزمة كورونا التي تجعل البعض متخوفاً من التبرع تعتمد على "جدعنة المصريين".

لكن المصريين فوجئوا بوفاة سراج الدين قبل أيام متأثراً بكورونا، وهو ما أدى إلى دعوات عنكبوتية للتبرع بالدم إكراماً لسيرة الراحل وذكراه. وأخذ البعض على عاتقه سواء على منصات التواصل الاجتماعي أو عبر الإعلام التقليدي، دعوة المصريين للتشجع والتبرع، لا سيما أنه ينسب إلى سراج الدين تسليط الضوء على أزمة طبية وإنسانية صارخة، ألا وهي قلة أعداد المتبرعين بالدم طيلة الأشهر الـ 14 الماضية، في ظل تركيز عديد من المستشفيات على استقبال مرضى كورونا فقط، ما أدى إلى قلة أعداد المتبرعين بالدم من أهالي المرضى.

"التبرع بالدم ليس ترفاً، بل وسيلة لإنقاذ نفس بشرية"، كانت آخر الكلمات التي قالها الراحل قبل مرضه، وهي الكلمات التي يجري استحضارها في هذه الأيام الصعبة، بسبب الوباء من جهة، وتأثر منظومة التبرع سلباً من جهة أخرى.

 

إحصاءات التبرع الرسمية الأحدث في مصر (2017)، تشير إلى أن نسبة المتبرعين بالدم "لا تزيد على واحد في المئة من عدد السكان"، وهي نسبة قليلة مقارنة مع النسبة العالمية التي تتراوح بين اثنين وثلاثة في المئة، التي تضمن مخزوناً آمناً للدم في أي دولة. والمعروف أن وفرة أكياس الدم ظلت معضلة في مصر على مدى عقود طويلة.

أستاذ الباثولوجيا الإكلينيكية في كلية الطب جامعة عين شمس، حسام فهمي يقول، إن كميات الدم المتاحة "ظلت تعاني نقصاً حاداً في مصر من قبل ظهور الوباء"، نظراً إلى "عدم تجذر ثقافة التبرع من جهة، وبسبب تداول قصص وحكايات عن حالات عدوى تحدث بسبب دم ملوث سواء من متبرع لمتلق أو أثناء عملية التبرع".

لكن "المأمونية" تتحول من هاجس في زمن ما قبل كورونا إلى رهاب في زمن الوباء. فمن كان يقبل على التبرع صار يفكر مرتين وثلاثاً، ومن كان يعبر على الجانب الآخر من الطريق حتى لا يحرجه ممرضو سيارات التبرع المتنقلة، أصبح يغير مساره إلى شارع آخر كلية. وعلى الرغم من تنظيم فعاليات توعوية بين الوقت والآخر، بالتعاون بين منظمات أهلية وبنوك الدم في المحافظات بغرض تشجيع الممتنعين والمتخوفين على التبرع والتأكيد على مأمونية العملية، وعلى الرغم من حضور أعداد كبيرة من المواطنين، فإن نسبة من يتبرعون بالفعل تظل منخفضة.

المسارعة إلى التبرع هذه الآونة تظل مقتصرة على احتياج قريب أو صديق مقرب إلى أكياس دم، أو وقوع حادث مأسوي كبير ينجم منه إصابات خطيرة تحفز الميول الإنسانية لسرعة الاستجابة بالتبرع.

الاستجابة الآنية لجموع المصريين في زمن كورونا تختلف عن الاستجابة التي تدعو إليها منظمة الصحة العالمية في اليوم العالمي للمتبرعين بالدم هذا العام. المنظمة تتحدث عن "حاجة النظم الصحية إلى المتبرعين بالدم طوعاً ودون مقابل وبانتظام".

"تبرع بدمك واجعل العالم مكاناً أوفر صحة" عنوان يوم المتبرعين هذا العام. مناشدة منظمة الصحة العالمية للتبرع والإسهام في الحفاظ على نبضات قلب العالم تلقى آذاناً مصغية بين أوساط الشباب بشكل أكبر. فهم الأقل خوفاً من الوباء والأكثر حماسة ورغبة في العطاء. تامر سعيد (22 سنة) (طالب) يقول، إنه أحياناً يهاب فكرة التبرع بالدم، لأنه يصاب بدوار عقب التبرع، وهو دوار، كما يقول بسبب رؤية كيس الدم.

يضحك ويقول، "معروف عني أنني مقدام وشجاع، لكن منظر قطرة الدم حتى لو كانت كيس دم تصيبني بدوخة وغثيان. لكني في الوقت نفسه على قناعة تامة بأهمية التبرع، وسبق وتبرعت ثلاث مرات على مدار السنوات الخمس الماضية من خلال سيارات متنقلة، ولكن أصدقائي كانوا معي يشدون من أزري. وأنوي التبرع عند أول سيارة تبرع أقابلها على الطريق. بصراحة لن أذهب إلى مستشفى".

التركيز على الشباب

هذه الروح هي ما تقصده منظمة الصحة العالمية بقرارها التركيز على الشباب هذا العام في اليوم العالمي للمتبرعين بالدم، فهم يشكلون قطاعاً كبيراً من السكان، وعادة يميلون إلى المثالية، ويكونون مفعمين بالحماس والإبداع.

الحماس والإبداع مطلوبان أيضاً على الجانب الآخر من منظومة التبرع بالدم، حيث الحاجة ماسة إلى توجيه رسائل مختلفة تتواءم مع الأوضاع السائدة في ظل انتشار الوباء، لتشجع وتقنع المصريين على التبرع. في عام 1998، واجه "المعهد القومي للأورام" مشكلة عدم توافر الدم الآمن الكافي لمرضاه. وكان يعتمد على شراء الدم من متبرعين محترفين (أي بمقابل) بكلفة ثلاثة ملايين جنيه في العام الواحد. وولدت فكرة مبدعة تقوم على تحفيز المواطنين للتبرع المنتظم بنشر التوعية عبر رسائل ذكية ومختصرة، وإتاحة التبرع في أماكن عدة، وتأسيس إدارة لشؤون المتبرعين للتواصل معهم. وبالفعل نجحت الفكرة في تحقيق الاكتفاء الذاتي للمعهد حتى عام 2019.

لكن بدءاً من عام 2020، أثر الوباء سلباً على التبرع من قبل المواطنين بسبب الخوف، وعلى جهود التشجيع على التبرع من قبل الجهات الصحية لانشغال الجميع في إدارة شؤون كورونا.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائية أو دراسة حديثة توضح أثر الوباء على مخزون الدم الآمن، أو التغيرات التي طرأت على منظومة التبرع على المستوى الوطني، إلا أن أستاذ الباثولوجيا الإكلينيكية في كلية طب القصر العيني ورئيس بنك دم القصر العيني نرمين الدسوقي، ترجح أن تكون أزمة كورونا قد "أدت إلى تراجع التبرع بالدم بنسبة 50 في المئة".

ثقافة التبرع

وفي لبنان لم ترتبط التحديات في تأمين وحدات الدم بالمعدلات المطلوبة، حصراً بوجود الوباء بحسب مديرة خدمات قطاع نقل الدم في منظمة الصليب الأحمر ريتا فغالي. ففي حديثها إلى "اندبندنت عربية"، تؤكد أن التبرع الطوعي، كما في مختلف دول العالم حيث الانتظام في التبرع، شبه غائب في البلاد. فـ 95 في المئة من الحالات من يتبرعون هم من أفراد أسر المرضى، ونادراً ما يحدث التبرع طوعاً، لافتة إلى أن "المشكلة موجودة قبل انتشار الوباء وترتبط بالثقافة. لذلك، أقمنا حملات مكثفة لنشر الوعي حول أهمية التبرع الطوعي بالدم لتغيير الذهنية السائدة، كونها من التحديات التي لطالما واجهتنا".

ومع انتشار الوباء، شكل هاجس التقاط العدوى تحدياً إضافياً، وتراجعت معدلات التبرع وكميات وحدات الدم المتوافرة، ولو لفترة محدودة. واتخذت مختلف مراكز سحب الدم كل الإجراءات الوقائية من تباعد واستخدام كمامات، وحدّت من أعداد المتبرعين.

ولم يعُد هؤلاء يقصدون المراكز إلا عند الضرورة وبناء على طلب أحد المقربين، فيما انعدم تماماً التبرع الطوعي، بسبب الحجر من جهة والهواجس المرتبطة بالتقاط العدوى أثناء التبرع من جهة ثانية، علماً أن فيروس كورونا يرتبط بالجهاز التنفسي، ولا ينتقل بالدم من الناحية العلمية، وما من حالات عدوى بهذه الطريقة في العالم، بحسب الدكتورة فغالي.

 

يضاف إلى ذلك أنه جرى التشدد في الإجراءات في المراكز للحد من الخطر، لكن كانت هناك مخاوف لدى الناس من فكرة التبرع بالدم ومخالطة هذا العدد من الأشخاص خلال سحب الدم، وشكل هذا تحدياً في مختلف دول العالم. كما أن حملات الصليب الأحمر توقفت طوال المرحلة الماضية، وعادت أخيراً بشكل خفيف.

تقول فغالي، "لتلبية الطلبات، اعتمدنا مركز الاتصالات مع متطوعين مدربين في المجال، لتحفيز الناس الذين اعتادوا التبرع بانتظام وفي مختلف الظروف. شعرنا دوماً بأننا أمام تحديات وثمة صعوبات في تأمين حاجات الناس وطلباتهم، وزاد التحدي مع كورونا وحدث شح إضافي في مرحلة أولى إلى أن ارتفعت الأرقام لاحقاً".

ويبقى حب العطاء موجوداً بين اللبنانيين وتدفعهم روح التكافل، ما يسمح بتأمين الحاجات بفضل تبرع المقربين، فاللبنانيون يساعدون بعضهم بعضاً، ويجد كل فرد أصدقاء وأقارب لمساعدته.

أما الواقع الاقتصادي، فأخذ الأمور في اتجاه آخر، بحيث حدث نقص في الكواشف والمستلزمات وأكياس الدم في البلد. لكن بحسب فغالي، لم يواجه الصليب الأحمر هذا النوع من المشكلات حتى اللحظة، نظراً إلى ما لدى المنظمة من مخزون يكفي من 3 أشهر إلى 6. فبقيت قادرة على تلبية الطلبات كونها من أولوياتها، خصوصاً بعد انقطاع المستشفيات عن تأمينها بسبب نقص المستلزمات.

بالتالي، بعد تراجع معدلات التبرع في مرحلة أولى مع انتشار كورونا، سجلت الأرقام ارتفاعاً لدى الصليب الأحمر في 2020، نتيجة تحول عمليات سحب الدم إليه، بحيث لم يحصل نقص لديها في الوحدات، وإن كان التبرع ضمن الحملات تراجع 75 في المئة مقارنةً بالسابق.

عطاء غير محدود

تعود التحديات التي واجهتها جمعية Donnez Sans Compter بحسب رئيسها يورغي تيروز إلى ما قبل الوباء. فمنذ فترة الثورة في لبنان، بدأت الصعوبات فيما بقيت الأرقام ثابتة إلى حد ما، إلى أن انتشر الوباء وفُرض الحجر. عندها كان على الجمعية أن تتأقلم مع الظروف بإقامة مركز اتصالات والعمل عن بعد، والتواصل مع المتبرعين. فانخفضت الأرقام خلال الشهرين الأولين ثم عادت وارتفعت.

ويلفت تيروز إلى تجاوب رائع من قِبل الناس الذين أصروا على التبرع وبذل الذات، "لمسنا ارتفاعاً في أعداد المتبرعين على الرغم من الظروف. وعندما عاودنا الحملات في مختلف المناطق، وكنا ننادي بالوحدة بالدم، كانت ناجحة جداً وفاعلة. حصل تجاوب رائع، خصوصاً من أشخاص لم يملكوا إلا الدم للتبرع به لمساعدة الآخرين، فكانوا يشعرون بأهمية العمل الذي يقومون به وبالرضا والسعادة لفكرة العطاء والتكافل. كما يشعرون بأنهم جزء من المجتمع".

وتؤمّن الجمعية من خلال الحملات، الدم للمستشفيات خارج بيروت مثل البقاع وطرابلس لسد حاجاتها، فأقيمت 18 حملة في شهر واحد، وكان التجاوب ممتازاً. فلم يكن الخوف من العدوى عائقاً، لأن الرغبة بالعطاء والعمل الإنساني أقوى. وسعت الجمعية إلى إعطاء مثال جيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالتشدد في الإجراءات الوقائية لطمأنة من يرغبون بالتبرع.

وعندما جرى التركيز على العلاج بالبلازما لمرضى "كوفيد-19"، يشير تيروز إلى تزايد التبرع بالبلازما. فتهافت كثيرون ممن أصيبوا للتبرع لشعورهم بأن ما يقومون به عمل بطولي فينقذون أرواحاً. وعلى الرغم من ارتفاع الطلب في الأشهر الأولى من العام، عاد وانخفض فجأة.

لا ينكر تيروز أن الشعور بالضغط لتأمين كل الحاجات موجود دائماً، لكن الجمعية استطاعت الحفاظ على أرقامها بنجاح بفضل الجهود المضاعفة التي بُذلت لذلك، مع الإشارة إلى أن طلبات الدم تراجعت في المرحلة الماضية، إلا للحالات الطارئة، وطبعاً في فترة انفجار مرفأ بيروت. وفيما تساعد الحملات على تحفيز المواطنين على التبرع، لا ينكر أن المجتمع اعتاد على التبرع للمقربين بناء على طلب أحد الأصدقاء أو أفراد العائلة. أما التحدي اليوم أمام الجمعية، فناتج من توقف المستشفيات عن سحب الدم.

رسائل طمأنة

وفي السعودية شهدت بنوك الدم خلال الأشهر الأولى من انتشار الفيروس نقصاً شديداً بسبب ظروف كورونا، التي أجبرت الجميع على الالتزام والبقاء في منازلهم ومنع بنوك الدم من فرصة تبرع المواطنين.

وتذكر هند الحميدان، مديرة بنك الدم في مستشفى الملك فيصل التخصصي، عن تأثر بنوك الدم، بخاصة في بداية الأزمة والإغلاق غير المعتاد بشكل كامل، ما أثر على وصول المتبرعين إلى مراكز التبرع.

وتحدثت الحميدان عن أبرز المخاوف التي كانت تواجه المتبرعين، منها الخوف والقلق من الإصابة بكورونا أو نقل العدوى لذويهم، ما اضطرها للخروج في وسائل الإعلام لطمأنة المجتمع وتوضيح الإجراءات الاحترازية والسلامة المتبعة في بنوك الدم للحفاظ على سلامة المتبرعين.

وأوضحت الحميدان الإجراءات الاحترازية المتبعة من جانب المستشفى الذي اتخذ معايير التباعد والتعقيم الكامل، وعدم استقبال عدد كبير من المتبرعين داخل غرف الانتظار، وتنظيم مواعيد للمتبرعين، ومحاولة إعادة نسب التبرع إلى ما كانت عليه قبل الجائحة، فقام مستشفى الملك فيصل التخصصي بعمل زيارة لمنازل المتبرعين حتى يدعم النقص الذي حدث لديه.

وأشارت الحميدان إلى معاناة أخرى بعد عودة الحياة بشكلها الطبيعي وبداية حملات التلقيح ضد فيروس كورونا، لافتة إلى مخاوف جديدة حول التبرع بالدم في المجتمع بعد أخذ جرعات اللقاح، وهل يمكن لشخص التبرع بعد أخذ الجرعة؟ وكان التوضيح الذي قامت به الهيئات الصحية أن "متلقي لقاح "فايزر" يستطيع التبرع بالدم، وكذلك متلقي لقاح "أسترازينيكا" بعد أسبوع"، ما مكن المستشفيات من تجاوز محنتها.

لا يوجد نقص

أما العراق فالأمر لم يكن أحسن حالا، إذ يخشى صائب علي الذي يعمل مهندساً، من الذهاب إلى مصرف الدم الوطني العراقي في مدينة الطب ببغداد للتبرع بالدم. علي الذي يعاني من حالة مرضية، وهي ارتفاع نسبة كريات الدم الحمراء، وتتطلب هذه الحالة أن يتبرع بالدم بين فترة وأخرى، يقول "منذ بداية الجائحة، ترددت للذهاب إلى مصرف الدم خشية الإصابة بكورونا، بالتالي أكون السبب في نقل الإصابة إلى عائلتي. فعلى الرغم من حاجتي الماسة للتبرع بالدم بسبب الحالة الصحية التي أعاني منها، لكنني عزفت عن الذهاب".

وغيرت الجائحة تفاصيل الحياة التي نعيشها، فعزف كثير من الناس عن الذهاب إلى المستشفى أو أي مركز صحي، خشية العدوى والإصابة بكورونا، حتى اضطر كثيرون إلى الاعتماد على الاستشارات الإلكترونية التي يقدمها بعض الأطباء، لكن هناك "المنقذ للحياة"، وهو نقل الدم الذي لا يمكن التعامل معه بالاستشارات الإلكترونية.

 

وفي هذا الشأن، يوضح الناطق باسم وزارة الصحة سيف البدر، أنه خلال الأشهر الأولى من الجائحة كانت المعلومات عن الفيروس غير واضحة، وشابها كثير من الخوف والغموض، فكان الإقبال على التبرع بالدم ضعيفاً، لكن مع اتضاح الرؤية حول فيروس كورونا واتخاذ الإجراءات الوقائية، عاد بشكل تدريجي الإقبال على هذا الفعل الإنساني، كما بدأت مرحلة التبرع ببلازما الدم للمتعافين من كورونا، لمساندة الحالات الحرجة كأحد الإجراءات العلاجية.

وأوضح البدر أن وزارة الصحة تحرص بشكل دائم على وجود الحد الأدنى من الفصائل النادرة في مصارف الدم، كما أن الوزارة تستثمر كل المناسبات الدينية والاجتماعية لتخصيص نشاط ثابث للتبرع، بما يضمن وجود أكياس الدم بشكل دائم في المصارف الرئيسة.

وكشف عن أن "الوزارة تواجه حالات شح في أكياس الدم في بعض المحافظات والمناطق، وفي هذه الحالة تلجأ إلى إعادة التوزيع بين المحافظات التي لديها احتياطي من أكياس الدم للمناطق التي تعاني نقصاً منها".

بنوك دم إلكترونية

وتنامت مع ظروف الجائحة وفرض حظر التجوال وكثرة القيود على التنقل فرصة إقامة "بنوك الدم الإلكترونية" التي تسعى إلى إيجاد متبرعين لفصائل دم معينة لتسهيل النقل والتلقي. كما ظهرت أيضاً تطبيقات على الأجهزة الإلكترونية مخصصة لعمليات التبرع ببلازما الدم للمتعافين من كورونا، كجزء من الإجراء العلاجي الذي اتُّبع لدعم الحالات الحرجة.

وتمكن مطور البرمجيات أمين فارس من تطوير برنامج أطلق عليه "بنك الدم العراقي". ويوضح فارس أن فكرة البرنامج جاءت مع ارتفاع نسبة المصابين بكورونا، وازدياد حالات الطلب على بلازما الدم. البرنامج بدأ بموقع إلكتروني بسيط، والآن أصبح تطبيقاً من الممكن تحميله عبر أجهزة الأندرويد، ويقسّم إلى فئتين، فئة باحث عن متبرع لفصيلة دم معينة، أو متبرع يملأ خانات تتعلق بفئة الدم ومكان وجوده ورقم الهاتف، لغرض تسهيل مهمة الحصول على متبرعين، اختصاراً للإجراءات الروتينية التي تعتمدها مصارف الدم الحكومية.

أما في الأردن، وعلى الرغم من أن الأردنيين من أكثر الشعوب العربية تبرعاً بالدم مقارنةً مع عدد السكان، حيث بلغت نسبة التبرع نحو 4 في المئة. فإن الجائحة أسهمت بشكل كبير في تراجع هذا العمل الإنساني.

ويعيش "بنك الدم" في الأردن صراعاً يومياً لتأمين "إكسير الحياة"، فخلال الأشهر الأولى من انتشار الفيروس، أمكن ملاحظة مناشدات عدة على مواقع التواصل الاجتماعي للتبرع بالدم، بعد تراجع هذا النشاط على نحو لافت لأسباب عدة، أبرزها قلق المتبرعين وخوفهم من الإصابة بكورونا، أو نقل العدوى إليهم ولذويهم.

ووفق مدير "مديرية بنك الدم" في وزارة الصحة الأردنية عدنان الختاتنة، فإن "المخزون الاستراتيجي لدى بنك الدم كان يبلغ 3500 وحدة من جميع الفصائل، لكنه تراجع خلال الجائحة إلى نحو 2000 وحدة دم". وأشار الختاتنة إلى أن "تكلفة وحدة الدم الواحدة تبلغ نحو 200 دولار، حيث تفحص وتفصل مكوناتها وتخزن في ثلاجات خاصة، وفي حال عدم استخدامها خلال شهر تُتلَف".

ويعلق الختاتنة على أسباب هذا التراجع بالإشارة إلى أنواع المتبرعين وهم "المتطوعون والمتبرعون لذويهم وأقاربهم، إضافة إلى حملات التبرع، وكل هذه المصادر تراجعت خلال الجائحة".

تزايد الطلب وتراجع الإقبال

كذلك، قالت مديرة بنك الدم في وزارة الصحة الأردنية آسيا العدوان، إنه "في مقابل تزايد الطلب على وحدات الدم خلال كورونا، تراجع الإقبال على التبرع"، مشيرةً إلى "تزويد بنك الدم الوطني حوالى 35 مستشفى في عموم المملكة بحاجتها". وأضافت العدوان أن "بنك الدم يحصل على نحو 85 وحدة يومياً من خلال التبرع الطوعي والفردي، بينما تبلغ حصيلة الحملات الأسبوعية 500 وحدة، في حين يصل الاستهلاك اليومي للبلازما ووحدات الدم على مستوى البلاد إلى نحو 700 وحدة".

ويُعد مرضى السرطان والتلاسيميا وغسيل الكلى، وأمراض الدم عموماً، الفئات الأكثر تضرراً من الوضع المستجد، وتُعد المستشفيات الخاصة الأكثر استهلاكاً لوحدات الدم بواقع 200 وحدة يومياً، ومن دون استبدال.

ومع تعطل الحياة في بداية جائحة كورونا، لجأت الحكومة إلى الاستعانة بأفراد الجيش لتأمين الاحتياجات العاجلة من وحدات الدم في المستشفيات.

تبديد المخاوف

وحض مكتب منظمة الصحة العالمية في الأردن على تحفيز حملات التبرع بالدم طوعاً ودون مقابل، نظراً لأهمية ذلك بالنسبة إلى صحة المجتمعات، خصوصاً خلال الظروف الحرجة.

وقالت منظمة الصحة العالمية إنه "طوال الجائحة، وعلى الرغم من القيود المفروضة على الحركة وسائر التحديات، واصل المتبرعون بالدم في بلدان عدة التبرع بالدم والبلازما للمرضى الذين يحتاجون إلى عمليات النقل".

ووفقاً للمنظمة، سينصب تركيز حملة هذا العام بصفة خاصة على دور الشباب في تأمين إمدادات الدم المأمونة، بخاصة في الأردن الذي يشكل الشباب أغلب سكانه، وذلك بهدف الترويج للقيمة المجتمعية للتبرع بالدم، ودوره في تعزيز التضامن المجتمعي والتماسك الاجتماعي.

 

ووفقاً لوزارة الصحة الأردنية، يُسمح لمتلقي لقاح كورونا بالتبرع بالدم بعد مضي شهر من أخذ الجرعة الثانية. أما المصابون بالفيروس فيُسمح لهم بالتبرع بعد مضي 14 يوماً من الشفاء.

وفي محاولة منها لتبديد مخاوف الأردنيين حيال التبرع بالدم في زمن كورونا، نفت الحكومة الأردنية إمكانية أن ينتقل الفيروس خلال التبرع في الدم، لكن مراقبين ومهتمين انتقدوا عدم سماح الحكومة لغير الأردنيين المقيمين في البلاد بالانخراط في حملات التبرع، بحجة ما يترتب على ذلك من أعباء فنية ومالية وقانونية.

وفي السودان تعاني المستشفيات من سوء الأوضاع بسبب تدهور النظام الصحي، تقول الطبيبة مها آدم لـ"اندبندنت عربية" إن "بنك الدم المركزي (ستاك) يعمل على توفير الدم السليم مجاناً لكل المرضى والمحتاجين طوال فترة جائحة كورونا، وعلى الرغم من القيود المفروضة على الحركة وسائر التحديات، تواصلت عمليات التبرع بالدم والبلازما والصفائح، ويبرز هذا الدور الاستثنائي للمتبرع الطوعي المنتظم في ضمان توافر إمداد دم آمن في الأوقات العادية والطوارئ، إلا أنه أثناء الجائحة، تأثر الإمداد بصورة كبيرة، لأسباب عديدة منها الإغلاق وعدم حرية الحركة، وأيضاً خوف المتبرعين من التجمعات، وعدم توافر معينات العمل المتمثلة في المعقمات والكمامات في الفترة الأولى للجائحة".

وأضافت آدم، "وجود مبنى بنك الدم، حيث يتم فحص كورونا أثار تخوف البعض من التبرع، إضافة إلى إصابة معظم الكوادر الطبية بالوباء"، ولفتت إلى أنه "على الرغم من كل المعوقات، قام شركاؤنا من الشركات والمتطوعين، بتوفير الكمامات والمعقمات لاسترداد نشاطنا".

نتبرع ونتباعد

من جهتها، قالت تقوى كمبال مديرة مشروع "منظمة صدقات الخيرية"، "إننا كشريك استراتيجي لبنك الدم المركزي، قمنا بعمل حملة تحت شعار "نتبرع ونتباعد"، في الخرطوم والولايات المختلفة، أيضاً حملة "من دمنا عشان بلدنا"، التي تقام سنوياً. وفي نسختها المصادفة لجائحة كورونا، قمنا بكل الاحتياطات من تعقيم وتباعد اجتماعي، ووفرنا كل المستلزمات حتى نجذب المتطوعين، وقمنا بتوفير مخزون جيد من الدم، الوسط التطوعي واع لضرورة تطبيق الاحترازات الصحية، وكنا ننشر الوعي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإخبار المتبرعين بأن العملية ستكون آمنة، وكان هناك قبول واستجابة كبيرين من الجميع، خصوصاً الشركات التي فيها عدد كبير من الموظفين الذين يقومون بالتبرع كل ثلاثة أشهر حتى أثناء الجائحة".

واعتبر الناشط المتطوع لؤي يعقوب أن "كورونا لم تؤثر في التبرع بالدم بصورة واضحة، لكن كان هناك قليل من الإهمال من قبل وزارة الصحة، وبعض المشكلات الإدارية في بنك الدم، ما أثر بصورة واضحة على التبرع والمخزون".

وفي سياق متصل، أفاد مصدر في وزارة الصحة السودانية بأن "كورونا أثر في كل القطاعات، وليس في الصحة فقط، وكان الضغط هائلاً ما أدى إلى حدوث ربكة خصوصاً في ما يتعلق ببنك الدم، ولكن لم يتوقف النشاط، وكان الجميع يؤدون واجباتهم، ولم نشهد فقدان مرضى بسبب عدم وجود دم كاف".

ورأى عمر، أحد مرضى السرطان، أن "المتطوعين لم يهزمهم كورونا، وكانوا دائماً جاهزين للتبرع في كل الأوقات وتحت أي ظرف، لذلك لم نشعر بأن الوباء أثر على بنك الدم بصورة سلبية، بل كان الدم متوفراً كالماضي ومجاناً كما تعودنا".

المخزون ينفد

وفي المغرب زادت جائحة كورونا من تراجع مخزون بنك الدم في المغرب، وذلك بسبب تراجع عدد المتبرعين بالدم، حيث أدى الإغلاق والإجراءات الاحترازية، إضافة إلى الخوف من العدوى إلى تراجع الإقبال على مراكز تحاقن الدم.

تؤكد مديرة المركز الوطني لتحاقن الدم، خديجة الحجوجي، أن المخزون من الدم يصل حالياً على المستوى الوطني إلى 3324 كيس دم، ويتفاوت المخزون بين المراكز، بالنسبة إلى المدن التي تعرف وجود المستشفيات الجامعية، بحيث تعرف بعض النقص، وبالخصوص العاصمة الاقتصادية، الدار البيضاء، التي لا يتعدى مخزونها سوى يوم واحد فقط بسبب ضغط الطلب الكبير على الدم، في وقت توصي فيه منظمة الصحة العالمية بضرورة ضمان مخزون كاف لمدة سبعة أيام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتشير الحجوجي إلى أن معدل مخزون بنوك الدم في المغرب يتفاوت من مدينة لأخرى، فمخزون العاصمة الرباط ومدينة فاس يكفي يومين أو ثلاثة، موضحة أن هناك مدناً أخرى لديها احتياطي يمكنه أن يغطي الحاجات لمدة أطول، في حين أن المخزون الوطني قد يغطي طلبات ثلاثة أو أربعة أيام فقط. لافتة إلى أن الحالات الأكثر حاجة لأكياس الدم، هي حوادث السير وأمراض الدم كسرطانات الدم، وفي بعض الأحيان نزيف المرأة خلال الولادة، إلى جانب الأمراض التي تستدعي حقن الدم باستمرار، مثل مرض "طلاسيميا" وفقر الدم المنجلي، ونقص الكريات الحمراء.

وقالت إن المركز الوطني لتحاقن الدم يعتمد استراتيجية لتسيير خدمة التبرع بالدم للمواطنين عبر إتاحة وحدات ونقط للتبرع، بخاصة في المدن، وتوفير شاحنات متنقلة لتقريب الخدمة للمواطنين، إلى جانب تعزيز الموارد البشرية والأطر وتوفير المعدات والتجهيزات اللازمة، معتبرة أن الفرق المتنقلة تقوم بزيارة عديد من المؤسسات للبحث عن متطوعين محتملين، وأن عدد المتبرعين عرف تراجعاً بسبب منع التجمعات والإجراءات الاحترازية، إلى جانب انشغال المواطنين بحملة التلقيح وعدم تفكيرهم في التبرع بالدم، ما يؤثر على المخزون وبنك الدم على الصعيد الوطني.

غياب ثقافة التبرع

يؤكد متخصصون أن تراجع مخزون بنك الدم في المغرب، ليس مرتبطاً فقط بالجائحة، بل بالأساس بغياب ثقافة التبرع، إذ تشير آمال دريد المديرة الجهوية لمركز تحاقن الدم بجهة الدار البيضاء- سطات، إلى غياب تلك الثقافة في المغرب، مؤكدة أن نسبة المتبرعين في البلاد لا تتعدى 0.96 في المئة، في الوقت الذي توصي فيه المنظمة العالمية للصحة بضرورة تبرع نسبة 3 في المئة بالدم في كل دولة، وتعتبر دريد أن الأمور كانت عادية قبل الجائحة، إلا أن الإغلاق والخوف من انتقال العدوى حد من حجم التبرع بالدم في المغرب.

وتوضح دريد، أنه في المقابل لم يتغير حجم الطلب، فحسب الإحصاءات يوزع المركز الجهوي لجهة الدار البيضاء - سطات في العادة 600 كيس دم بجميع مشتقاته، أي 400 طلب يومياً، وذلك في وقت كان يستقبل فيه المركز حوالى 200 متبرع بالدم يومياً، لكن مع الحجر الصحي أصبح العدد لا يتعدى 40 أو 50 متبرعاً، الأمر الذي أدى، بحسب دريد، إلى وضع استراتيجية على المستوى الجهوي، تعتمد على تأجيل كل العمليات الجراحية المبرمجة، التي تتطلب أكياساً من الدم، وتقوم على منح الأولوية للحالات المستعجلة، كحوادث السير، أو النزيف أثناء عمليات الولادة.

أما تونس فقد نجحت، على ما يبدو، في إدارة إشكالية نقص المتبرعين بالدم بسبب جائحة كورونا، على الرغم من نقص إمداد المستشفيات بالدم خلال فترة الحجر الصحي الشامل. يقول مدير عام المركز الوطني لنقل الدم، سلامة حميدة، "عشنا ككل بلدان العالم جائحة كورونا التي كانت لها انعكاسات سلبية على عمليات التبرع بالدم، خلال الفترة الزمنية من مارس (آذار) 2020 إلى مايو (أيار) من العام نفسه، أي خلال أول حجر صحي شامل في تونس وإغلاق كل المؤسسات، ومنها التربوية، والمعاهد الثانوية، والكليات الجامعية، أي حيث تتنقل عادة فرقنا من أجل حث الشباب على التبرع".

وأضاف، "الحجر الصحي حد من تنقلات هذه الفرق، إضافة إلى ارتفاع مخاوف الناس من التقاط المرض من طريق الدم، على الرغم من محاولاتنا المضنية من أجل إقناعهم بأن الفيروس لا ينتقل من طريق الدم، وذلك من خلال وسائل الإعلام والبلاغات الصادرة عنا".

تراخيص تنقل

من جهة أخرى، يفيد مدير عام المركز الوطني لنقل الدم في تونس، بأنهم فرضوا إجراءات صحية صارمة في المراكز التابعة لهم في كل المناطق، لافتاً إلى أن "ذلك من أجل المحافظة على صحة المواطنين والمتبرعين". وتابع في السياق ذاته، "حتى في تنقلاتنا الخارجية شكلنا فرقاً خاصة، واتصلنا مباشرة بالمتبرعين المعروفين لدينا بطريقتنا الخاصة، لتخطي الصعوبات في انخفاض نسبة المتبرعين في تلك الفترة، كما أننا أرسلنا تراخيص تنقل في فترة حظر التجوال أو خلال الحجر الصحي للمتبرعين بالتعاون مع وزارة الصحة ووزارة الداخلية لتأمين عمليات التبرع".

ويذكر أن عمل بنك الدم في تونس يعتمد على توزيع المدخول اليومي على الحاجات في قطاعي الصحة العام والخاص من دون المساس بالمخزون الاستراتيجي، ويبلغ المعدل اليومي من المدخول نحو 250 إلى 300 وحدة يومياً، وهو ما يقع توزيعه لتلبية الحاجات.

 

ولتخطي هذه الصعوبات يقول سلامة، "شاركنا المجتمع المدني، وخصوصاً الكشافة التونسية التي حثت كل الفرق الكشفية التابعة لها في تراب الجمهورية، وأعطتها الإذن لمعاضدة مجهودات بنك الدم الوطني، فكان التعاون بيننا وبينهم في نشر حملات التحميس والتشجيع مثمراً جداً، وأنقذ الموقف".

ويفيد سلامة بأن انخفاض ادخار الدم في بنك الدم المركزي في تونس العاصمة، قدر بنحو 35 في المئة في فترة بداية الجائحة، أي بين شهري مارس ومايو من سنة 2020.

تشجيع وتحفيز

لكن ما أنقذ الموقف حسب إفادة سلامة، "هو انخفاض إجراء العمليات الجراحية في المستشفيات العمومية وتأجيلها إلى أوقات لاحقة، بالتالي بمدخول الدم المحدود استطعنا تلبية الحاجات". لافتاً إلى أنه "مقارنة بين سنتي 2019 و2020 على مستوى البلاد ككل، سجلنا نقصاً بحوالى 15 في المئة. ففي سنة 2019 كان لدينا ما يقارب 232 ألف متبرع، وفي سنة 2020 انخفض العدد إلى 200 ألف متبرع".

وبين سلامة أن بنك الدم في تونس شهد تحسناً في مخزونه الاستراتيجي مقارنة مع الفترة المنقضية خلال فترة الحجر الصحي الشامل الأولى.

وواصل، "في تونس لدينا نسبة مرتفعة من التبرع لصالح العائلة، نسعى إلى عكس هذه القاعدة وحث المواطنين على التبرع الطوعي، بالتالي نحاول استغلال كل مناسبة وطنية أو عالمية من أجل تحفيز المواطنين على التبرع بالدم، خصوصاً الشباب المراهقين، لنضمن جيلاً متبرعاً في المستقبل".

على حافة الإفلاس

تُواجه بنوك الدم الليبية خطر الإفلاس ونفاد مخزونها الاستراتيجي، بالتالي عدم قدرتها على تزويد المراكز الصحية بمتطلباتها الحيوية من دماء المتبرعين، التي تُعد حاجة أساسية، خصوصاً خلال إجراء العمليات الجراحية، بسبب عزوف المواطنين عن التبرع جراء المخاوف من الإصابة بكورونا.

وتتضاعف هذه الأزمة في المدينتين التي يقطنهما قرابة نصف سكان البلاد، بنغازي وطرابلس، بسبب الطلب الكبير من مستشفياتهما للدم يومياً، وتركز الضغط في الطلب على الرعاية الصحية فيهما، وتحملهما عبء ضعف المرافق الصحية في المناطق المحيطة بهما.

يقول عضو الهلال الأحمر الليبي في بنغازي، الذي يشرف على عمليات التبرع بالدم، منصور محمد، "العزوف عن التبرع بالدم هو نتيجة الخوف من تفشي كورونا، مع أن المركز الوطني لمكافحة الأمراض يناشد المواطنين التبرع لعلاج المصابين بالفيروس"، مشيراً إلى أن هذه النداءات جاءت بنتائج عكسية تماماً، "أسهمت في نشر الخوف لدى المتبرعين، ما أدى إلى نقص كبير في أعدادهم".

وأوضح أن هذه الأزمة تركت آثاراً أكثر وضوحاً في بنغازي وطرابلس، إذ "يزود بنك الدم في طرابلس غالبية المستشفيات في معظم مناطق غرب ليبيا بحاجاتها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى فرع بنغازي ومناطق الشرق المحاذية لها"، لافتاً إلى أن "بنك الدم يعاني مثلاً نقصاً كبيراً في الصفائح، التي تُعد حاجة أساسية خلال إجراء عمليات إزالة الأورام للمصابين بمرض السرطان".

نداءات متكررة بلا طائل

وكانت وزارة الصحة الليبية قد أصدرت نداءات متكررة للمواطنين بعدم التوقف عن التبرع بالدم، مبينة في نشرات متعددة خطورة هذا الأمر.

وآخر هذه النداءات صدر عن وزير الصحة في الحكومة الليبية الموقتة سعد عقوب، (قبل انتخاب الحكومة الجديدة)، الذي شدد على "ضرورة الاستمرار بتكثيف الدعوات للتبرع بالدم، تعزيزاً للمسؤولية المجتمعية، وتأكيداً على الدور الفاعل للفرد لجهة مساندة المؤسسة في خدمة المجتمع، في ظل الظروف الطارئة التي تجتاح العالم بسبب سرعة تفشي كورونا".

وأكد وزير الصحة في توجيهاته إلى كل أقسام مصارف الدم، بداية العام الحالي، أن "عليها إعداد مخزون كاف للتعامل مع هذه الجائحة، مع ضرورة العمل على منع التجمعات، وإعداد حملات التبرع بالدم من خلال التنقل إلى بعض الجهات والمؤسسات، أو تحديد الأعداد، بحيث لا يكون هناك أشخاص كثر موجودين في الوقت ذاته في مكان واحد، وذلك تماشياً مع قرارات اللجنة العليا للتعامل مع فيروس كورونا، ولتلافي أي انخفاض في مخزون وحدات الدم".