Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما التحديات التي تواجه زيارة بايدن الأولى إلى أوروبا؟

الغربيون يخشون أشباه ترمب ولا يتوافقون مع أميركا في نظرتها إلى الصين وروسيا

يعلم القادة الأوروبيون أن سياسات بايدن ستكون مصحوبة بأثمان عليهم أن يدفعوها (رويترز)

على الرغم من تعبيراته المتفائلة حول عودة أميركا لقيادة التحالفات الغربية ودفع عجلة الاقتصاد العالمي ومواجهة أزمة المناخ، حذر الرئيس الأميركي جو بايدن في مقال كتبه لصحيفة "واشنطن بوست" قبيل أول رحلة خارجية له إلى أوروبا من بعض التهديدات التي تعتمد على التقنيات الجديدة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، مطالباً بأن تكون ديمقراطيات السوق، هي من يكتب قواعد القرن الـ21 وليس الصين أو غيرها، لكن أوروبا التي ترحب بكلمات بايدن الدافئة ما زالت في حالة توجس وقلق إزاء المستقبل بسبب احتمالات وصول قادة أكثر شعبوية وقومية من دونالد ترمب إلى رأس السلطة في أميركا، كما لا تزال هناك أوجه اختلاف كثيرة بين ضفتي الأطلسي، فهل سيتمكن بايدن من تحقيق أهدافه وتجاوز التحديات العديدة التي تحيط بزيارته؟

ندوب ترمب

قبل أربع سنوات، أصيب القادة الأوروبيون بصدمة من الرئيس ترمب، الذي رحب بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأعلن أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) "عفا عليه الزمن"، ووصف الدول الأعضاء بالفشل، كما رفض مبدأ الدفاع المشترك بين دول الحلف في الأيام الأولى لوصوله إلى السلطة.

وبينما يستعد قادة أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) للترحيب بالرئيس بايدن، الذي اعتبر أوروبا حليفاً، و"الناتو" عنصراً حيوياً للأمن الغربي وأفكاره عن ضرورة تقدم الديمقراطية بديلاً عالي المستوى عن الصين، إلا أن هذه الكلمات المشجعة تكاد تكون بالنسبة لهم بمثابة رسالة ملهمة، فقد تركت التجربة المؤلمة للإدارة الرئاسية السابقة ندوباً لن تلتئم قريباً، بالنظر إلى أن احتمالات عودته لا تزال ممكنة، وإذا حدث ذلك، فسوف يترك الاتحاد الأوروبي في العراء مرة أخرى، ولهذا السبب يبدو الاتحاد الأوروبي أكثر حذراً في الاستجابة السريعة لمطالب الولايات المتحدة في القضايا المطروحة للنقاش في القمم المنتظرة هذا الشهر، بداية من الانسحاب من أفغانستان إلى الإنفاق العسكري مروراً بالتعامل مع كل من روسيا والصين، وانتهاءً بالنزاعات التجارية وقضايا التعريفات الجمركية، ودبلوماسية المناخ واللقاحات.

فاصل قصير

وبقدر ما يرحب الأوروبيون بتعهدات بايدن ومودته واقترابه من الحلفاء، بقدر ما يتذكرون قبل أشهر قليلة كيف اختفت 75 عاماً من السياسة الخارجية الأميركية المستقرة بين عشية وضحاها مع تغيير الرئاسة بوصول رجل مثل ترمب إلى البيت الأبيض وما أحدثه من تغييرات في أميركا، وخشيتهم من أن يكون بايدن هو "فاصل قصير" بين رؤساء أكثر شعبوية وقومية من ترمب الذي ما زال مسيطراً على الحزب الجمهوري ويتحكم في تحديد رؤيته واتجاهاته ومرشحي الحزب للانتخابات المقبلة.

وعلاوة على ذلك، يعلم القادة الأوروبيون أن سياسات بايدن ستكون مصحوبة بأثمان عليهم أن يدفعوها، فهم غير متأكدين على سبيل المثال من مدى الاختلاف بين اتباعه سياسة خارجية تفيد الطبقة الوسطى الأميركية وبين التزام ترمب بسياسة أميركا أولاً.

ولا شك أن بعض الدول تتحسب أيضاً أن الساعة الانتخابية تدق، ففي ألمانيا، سيصل إلى منصب المستشارية قائد جديد بدلاً من أنغيلا ميركل في سبتمبر (أيلول) المقبل، والانتخابات الرئاسية الفرنسية ستنعقد في مايو (أيار) المقبل، والانتخابات النصفية الأميركية أصبحت على بعد 17 شهراً فقط، ما قد يحد من قدرة بايدن على المناورة.

إشارات لروسيا والصين

ومن الأرجح أن زيارات بايدن إلى "الناتو" والاتحاد الأوروبي، بعد حضوره قمة مجموعة السبع في بريطانيا، ستكون رمزية وكلماته هناك متوقعة على الرغم من أهميتها، صحيح أنه سيبدأ علاقة جديدة ويظهر إيمانه بأهمية بروكسل وحلف "الناتو" ويطلق استراتيجية شراكة مختلفة بما يؤكد عودة الولايات المتحدة إلى مكانتها السابقة كدولة رائدة للعالم الغربي، إلا أنه يستهدف في النهاية أمرين، أولهما وصوله إلى جنيف في 16 يونيو (حزيران)، وقد نال دعم الحلفاء قبل اجتماعه الأول كرئيس مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وثانيهما إرسال إشارة واضحة إلى الصين بأن أميركا القوية قد عادت لقيادة التحالف الغربي.

وفي حين ينتظر أن يوقع القادة على بيان مشترك، ويناقشون الانسحاب من أفغانستان، إلا أن الأهم هو اتفاقهم على كيفية إعادة صياغة المفهوم الاستراتيجي لحلف "الناتو" لمواجهة التحديات الجديدة في الحرب الإلكترونية السيبرانية والذكاء الاصطناعي والدفاع المضاد للصواريخ والمعلومات المضللة ومكافحة التقنيات التخريبية الناشئة، وهي أمور ستنطلق من افتراضات مختلفة جداً عن السياق الذي كانت عليه في الماضي، وبخاصة تجاه كل من روسيا والصين.

غموض وتباينات

ومع ذلك، لا تزال هناك بعض الأمور الغامضة التي تحتاج من مسؤولي "الناتو" إلى مناقشات مستقبلية للإجابة عن أسئلة، مثل هل يجب أن يسعى التحالف عبر الأطلسي إلى مواجهة الصين؟ وما القدرات التي يحتاج إليها "الناتو"؟ وهل سيتم تدبيرها من تمويل مشترك أم ستظل مسؤولية الدول الأعضاء؟

الغريب أن هذه التساؤلات تقفز بقوة على السطح لأن الأوروبيين لا يرون الصين على أنها المنافسة الأكثر ندية لهم مثلما تراها واشنطن، لأنهم أكثر اعتماداً على الصين وروسيا في التجارة والطاقة مقارنة بالولايات المتحدة، كما أن بعض الدول الأوروبية قلق من أن جهود بايدن لصك تعريفات للعالم على أن منافسة بين الديمقراطية والسلطوية هي محاولة لوضع فواصل واضحة للتمييز بين الأخيار والأشرار.

ومن دواعي القلق الأخرى بالنسبة إلى الولايات المتحدة هي كيفية التكيف مع رغبة الاتحاد الأوروبي التي لا تزال غامضة في "الاستقلال الاستراتيجي"، وتشجيع الإنفاق العسكري الأوروبي مع تجنب الازدواجية مع "الناتو".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا تقتصر التباينات بين بايدن وحلفائه على ذلك، بل تمتد إلى نواحٍ أخرى، ويعتقد المسؤولون الألمان على وجه الخصوص أن قرار بايدن سحب كل القوات الأميركية من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر المقبل، اتخذ من جانب واحد من دون تشاور من الحلفاء في "الناتو"، مثلما شعر القادة الأوروبيون بالغضب والإحراج من قرار الرئيس الأميركي دعمه التنازل عن حقوق الملكية الفكرية على لقاحات كوفيد-19، والتي تمت من دون تشاور أو تنسيق.

وينتظر المسؤولون الأوروبيون التعجيل والعمل مع بايدن للحصول على اتفاقات في شأن القضايا الرئيسة مثل المناخ واللقاحات والتجارة التي يمكن أن تخلق كتلة غربية قوية تتحول إلى اتفاقية عالمية متعددة الأطراف لأن تلك ستكون أفضل طريقة لإظهار أن الديمقراطية تحقق.

اختبار تركيا

وفي حين لا توجد مشكلات واضحة تخص دول بعينها من دول أوروبا أو حلف "الناتو"، تظل تركيا هي الاستثناء، بعد أن باتت مواقفها مزعجة بالنسبة إلى الولايات المتحدة بسبب علاقتها مع روسيا وعدائها لليونان وقبرص.

وتعد القمة المنتظرة بين بايدن والرئيس التركي رجب طيب أردوغان اختباراً مهماً لتركيا، فقد كان يعتقد على نطاق واسع أن العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا ستتدهور في ظل رئاسة بايدن الذي وصف خلال حملته الانتخابية أردوغان بأنه مستبد، وتوقع كثيرون من المراقبين في واشنطن أن يضغط الرئيس الأميركي على نظيره التركي في شأن حقوق الإنسان ويفرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها نظام الدفاع الصاروخي الروسي "أس 400".

وبعد أربعة أشهر من رئاسة بايدن، أصبحت التنبؤات بتدهور العلاقات الأميركية - التركية حقيقة واقعة، فقد استدعت تركيا السفير الأميركي في أنقرة بعد أن اعترف بايدن بالإبادة الجماعية للأرمن في 25 أبريل (نيسان) الماضي، وتجاهلت أنقرة تحذير وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن من أن تركيا يجب أن تتجنب شراء الأسلحة الروسية بعد أن ناقشت تركيا شراء طائرات "سوخوي 35"، و"سوخوي 57" من روسيا، كما اعتبر قرار بايدن الانتظار ثلاثة أشهر بعد تنصيبه حتى أواخر أبريل للتحدث مع أردوغان ليس سوى تعبير عن عدم الرضا إزاء تركيا، ولهذا لا تزال التوقعات منخفضة حول ما يمكن أن ينتهي إليه هذا اللقاء على هامش قمة "الناتو".

وفي حين أن الآفاق قصيرة المدى لتحسين العلاقات بين الجانبين تبدو قاتمة حتى الآن، إلا أنها قد تشهد تطوراً خلال الفترة المقبلة حسب تغير سلوك أنقرة، إذ يمكن أن يجد البلدان أرضية مشتركة بالنظر إلى عملهما المشترك على تعزيز الحوار بين الأفغان، والذي قد يتكثف مع انسحاب كامل القوات الأميركية من أفغانستان في وقت تعزز فيه تركيا من نفوذها في آسيا الوسطى، والذي يهدف إلى إضعاف الهيمنة الروسية والصينية، بما يصب في صالح الولايات المتحدة، كما أن التزام تركيا المتزايد بأمن البحر الأسود وإمدادات المساعدات الإنسانية عبر حدودها مع سوريا يعود بالفائدة على المصالح الأميركية، وحتى لو كانت علاقة بايدن - أردوغان أكثر برودة من علاقة الأخير مع ترمب، إلا أن تخفيف المناوشات بين الولايات المتحدة وتركيا، يمكن أن يدفع الحليفين في "الناتو" إلى تعزيز المصالح الاستراتيجية الرئيسة بما يؤدي إلى تعاون مثمر.

قمة بايدن – بوتين

وعلى الرغم من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يتوقع قبل أيام إحراز تقدم كبير في العلاقة بين موسكو وواشنطن خلال القمة التي سيعقدها مع بوتين في مدينة جنيف السويسرية، فإنه دعا إلى تسوية المشكلات العالقة بين الجانبين على الرغم من اتهامه واشنطن بمحاولة احتواء روسيا وفرض القيود الاقتصادية ومحاولات التأثير على السياسة الداخلية لها.

ولا يتوقع معظم المراقبين في العاصمة الأميركية أية مبادرات إيجابية من جانب بوتين خلال هذه القمة لأن وجهة نظر الرئيس الروسي العالمية، تتمحور في أن الولايات المتحدة هي الخصم الرئيس لروسيا، وأن بوتين لا يريد علاقة مستقرة أو متوقعة أو طبيعية مع واشنطن، وإنما يحتاج إلى الولايات المتحدة كعدو، وهو يأمل فقط في الحصول على تنازلات، ولهذا يرغب بايدن وفريقه في تحديد أهداف أمنية واقتصادية والسعي إلى تحقيقها.

وقد لا تحقق الملفات الشائكة مثل التدخل في الانتخابات الأميركية واتهام روسيا بشن هجمات سيبرانية وعمليات قرصنة على أميركا واضطهاد بوتين لقادة المعارضة، واحتجاز الأميركيين، وملفات بيلاروس، وأوكرانيا، أي تقدم يذكر، بينما قد ينصب التركيز على محادثات التعاون الاستراتيجي بعد أن قام بايدن وبوتين بتمديد معاهدة "ستارت" الجديدة.

وقد يشمل التعاون بين البلدين العمل معاً لوقف برنامج الأسلحة النووية الإيراني، وتقديم المساعدة الإنسانية للسوريين، والوفاء باتفاقية "مينسك" في شأن شرق أوكرانيا، والتنسيق والتعاون في شأن كورونا وتغير المناخ.

ويرى باحثون في واشنطن أن إعادة ضبط التوقعات وتأكيد المصالح الأميركية تتطلب أن يدرك بوتين أن بايدن ليس مثل سلفه ترمب وأنه ستكون هناك عواقب سلبية على العدوان الدولي الروسي، والهجمات الإلكترونية والتدخل في الانتخابات الديمقراطية، لأن بايدن يحتاج إلى إصلاح الضرر الذي لحق بمكانة ومصداقية الولايات المتحدة من قبل سلفه ترمب الذي شجع بوتين بوضوح على استنتاج أنه لا توجد عواقب لسلوك روسيا السيئ، وهذا من شأنه أن يدفع بوتين إلى تقييم تكاليف وفوائد السلوك المستقبلي بعناية أكبر.

المزيد من تحلیل