Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

«لعنة كارامازوف» تقارب رواية دوستويفسكي مصريا

استبدل المخرج النسوة بالرجال ودمج بين الأزمنة وصولا إلى العصر

من مسرحية "لعنة كارامازوف" المصرية المقتبسة عن دوستويفسكي (اندبندنت عربية)

تعددت المعالجات المسرحية لرواية "الإخوة كارامازوف" تحفة الكاتب الروسي دوستويفسكي، فالرواية التي تعج بالقضايا المتعلقة بالفلسفة والدين والأخلاق، تناولها مسرحيون كثيرون في العالم وفي مصر، كل بطريقته وزاوية نظره، بخاصة أن مساحتها الكبيرة، تتيح للمسرحي الاكتفاء بزاوية منها تخدم رؤيته، من دون الإغراق في تفاصيل الرواية كافة، والمهم هنا مدى محافظته على الرؤية الكلية للرواية الأصل.

في العرض المسرحي "لعنة كارامازوف" الذي قدمته فرقة الإسكندرية القومية التابعة لهيئة قصور الثقافة (مؤسسة رسمية) ثمة جديد مختلف عن المعالجات الأخرى، ثمة جرأة على الرواية التي وصفها البعض بأنها من أعظم عيون الأدب الغربي.

الكاتب ميسرة صلاح الدين، كتب نصاً موازياً للنص الأصلي ومتداخلاً معه في الوقت نفسه، هذا النص لم يكن غريباً على نص دوستويفسكي، أو جاء شاذاً وغير مبرر. فعلى الرغم من أن أبطال النص الموازي ثلاث فتيات وأمهن، وأنهن ينتمين إلى زمن آخر أحدث من زمن الرواية الأصلية، الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، وعلى الرغم كذلك من تداخل الشخصيات والأزمنة معاً في سبيكة واحدة، فقد بدا الأمر طبيعياً ومقبولاً، بخاصة أن الفتيات وأمهن يعشن أزمات أبطال دوستويفسكي نفسها، فلديهن أب- لا يظهر في العمل- صورة طبق الأصل من كارامازوف دوستويفسكي، كما أن شخصيات الفتيات تتماس في كثير من جوانبها مع شخصيات الأخوة كارامازوف.

منح كاتب النص الفتيات أسماء مصرية، وأظهر زوجة حارس البيت الذي استأجرنه كسيدة شعبية محجبة، في التأكيد على أننا بصدد واقع مصري، قاصداً إظهار امتداد "لعنة كارامازوف" باعتبارها حالة إنسانية لا تقتصر على مجتمع أو زمن بعينه.

امتداد اللعنة

في رواية دوستويفسكي، لدينا أب مدمن للخمر، ميسور الحال، وشرير يسخر من كل شيء نبيل، ترك أبناءه وهم أطفال، أو نسي وجودهم لانشغاله في السعي وراء نزواته. ابنه الأكبر ديميتري شاب عاطفي يحب امرأتين معاً، ويدخل دائماً في جدال مع والده بسبب المال، ويتنافس معه على امرأة وقعا في غرامها معاً. إليوشا هو الابن الأصغر، شخص متدين وبريء، أما الأوسط إيفان فهو شاعر ومثقف وغير مؤمن بالأديان، وأخيراً، بافل فهو الابن غير الشرعي الذي يعاني من مرض الصرع.

في النص الموازي، لدينا الأب، والأم وبناتها الثلاث، الأولى كاميليا المثقفة وإن كانت تتسم بالسذاجة، والثانية جميلة التي تبحث عن متعتها فقط وهي فتاة منحلة، أما الثالثة فهي رجاء التي لا تؤمن بأي شيء. شخصيات تتماس إلى حد ما مع شخصيات دوستويفسكي، وربما عمد الكاتب إلى جعل شخصياته من النسوة فقط– مع وجود الأب الغائب- للتأكيد على أن اللعنة، وكما تعبر الأزمنة والأمكنة، تعبر كذلك الأنواع فلا تفرق بين ذكر أو أنثى، فضلاً عن انتصاره للمرأة- وهي الأم هنا- التي تضحي لأجل بناتها، في حين خذلهن الأب.

تبدأ المسرحية بسيدة تصطحب بناتها الثلاث، وتمر وسط جمهور مسرح الأنفوشي، الذي أقيم العرض عليه، ربما للتأكيد على أن هذه الحالات الإنسانية تنتمي إلينا، أو تمثلنا، أو على الأقل تمثل شريحة منا. وعند الصعود إلى المسرح، نعلم أنهن جئن لاستئجار منزل قديم، هرباً من قسوة الأب ونزواته وعدم تحمله المسؤولية، وأراد الكاتب لهذا البيت أن يكون بيت كارامازوف نفسه، ليقدم لعبته في المزج بين العالمين. ففي العمق لدينا ما يشبه الصندوق الكبير، وكأنه صندوق الدنيا الذي تخرج منه الحكايات، قسمه مصمم الديكور وليد السباعي إلى ثلاث وحدات، واحدة تخص أبناء كارامازوف، والثانية، يخرج منها ما يشبه الأشباح، أما الثالثة، فهي أقرب إلى القبو الذي يقبع فيه الابن غير الشرعي. وفي مستوى أعلى توجد غرفة الأب، أو غرفة ملذاته، وهناك سلم صاعد إلى هذه الغرفة العلوية، يتم استخدامه، وتحريكه في عدد من المشاهد، التي صاحبها أداء حركي (صممه علاء محمد).

إطاحة الأب

هناك دائماً حوار بين الأم وبناتها يكشف مكنون شخصياتهن، الابنة المثقفة تقرأ في رواية "الإخوة كارامازوف"، ومن هنا تخرج إليها شخصيات الرواية وتتداخل الأحداث، وإن بشكل مواز، أو بامتزاجها معاً. والأم هي الأخرى تقع في غرام كارامازوف الأب، في مشهد أشبه بالحلم، لكنها سرعان ما تعود إلى رشدها. وتستمر الحكاية طارحة تساؤلاتها، ومبرزة صراعاتها، وفي النهاية يجتمع الكل- في الزمنين معاً- على الإطاحة بالأب والتخلص من لعنته التي تطارد الجميع.

حرص مخرج العرض محمد عبد المنعم على فكرة التوازن الدقيق بين العالمين، وتعامل برهافة في الانتقال من هنا إلى هناك، من دون إظلام أو إسدال للستار، مستعيناً بإضاءة تخدم، هي الأخرى، طبيعة العرض، والرؤية المراد توصيلها (صممها إبراهيم الفرن)، ولعبت دوراً مهماً في ربط المشاهد، على أزمنتها المختلفة، والتعبير عن أجوائها بشكل انسيابي. وأضفت، مع الديكور، والأداء الحركي، رؤية تشكيلية على قدر عال من البلاغة، إطارها موسيقى بالغة التوتر(وضعها محمد مصطفى)، تماست بشكل ملحوظ مع الأحداث الدائرة، وعبرت عن طبيعة الصراع، كما لو كانت تقدم قراءتها الخاصة هي الأخرى.

رمانة الميزان

ممثلان رئيسان قادا العمل بخبرتهما في العمل على خشبة المسرح (محمد علي في دور كارامازوف، وزيزي محمد في دور الأم) كانا رمانة الميزان، في عرض يلمح أكثر مما يصرح، ويبدو شبه غائم في بعض مشاهده، وعنصر الثقل فيه. أداء نابع من طبيعة الشخصية من دون الذوبان فيها تماماً. لكنه الصراع الذي يديرانه، أو يدوران فيه، ومعهما مجموعة من أعضاء الفرقة الموهوبين: نور القاضي، وماغي أحمد، ومحمود فيشر، وإنجي مصطفى، وغيرهم، نجح مخرج العرض في توظيف هذه الطاقات، كل في موقعه. وهي مهمة ليست سهلة في التعامل مع فرق الهواة. صحيح أن أغلبهم يمارس المسرح منذ عدة سنوات، لكن تشكيلهم معاً وتنظيم طاقتهم وخطوط حركتهم يتطلب قدراً من المهارة الإخراجية، وقدرة على السيطرة والإمساك بخطوط اللعبة، وهو ما حققه مخرج العرض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

معظم الفرق القومية التابعة لهيئة قصور الثقافة، أو "الثقافة الجماهيرية" كما يطلقون عليها، تميل إلى تقديم العروض الجماهيرية التي يسهل على المشاهد العادي تقبلها، ولا يغامر بتقديم عروض نوعية، إشكالية، تخالف السائد. ومعظمها يعتمد كذلك على من يطلقون عليهم "الغرندات"، وهم أعضاء الفرق القدامى من كبار السن، حتى لو كانت الأدوار لا تناسبهم. لكن "لعنة كارامازوف"، بصورته التي قدم فيها، كسر المألوف، وجاء مثيراً للتساؤلات، ومغامراً في المزج بين عالمين ونصين مختلفين. وتجرأ على نص دوستويفسكي، بوعي، ومن دون الإطاحة به، وبرؤيته الكلية، واعتمد على عناصر شابة في أغلبها، فشكلت الرؤية الإخراجية والنص وأداء الممثلين والصورة المسرحية، في النهاية، حالة خاصة وجديدة على نوعية ما تقدمه هذه الفرقة ومثيلاتها.

المزيد من مسرح