Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النكتة السياسية العربية... خفيفة الظل ثقيلة الوقع

تنمو وتكبر وتتغير وتغيب ثم تعود وقد تشيخ ثم ما تلبث أن تجدد نفسها

النكتة السياسية هي الوجه الآخر الخفي للحياة في المنطقة العربية (اندبندنت عربية ـ علاء رستم)

حين تكون مقدمة الحديث "سمعت آخر نكتة؟"، فإن المحتوى الموشك على السرد سيكون على الأغلب سياسياً. وسيتطلب ذلك التصاقاً للرؤوس على الرغم من أنف الجائحة، ومسح سريع للمحيط الجغرافي للتأكد من خلو العيون المتلصصة والآذان المتجسسة. وستعقب الهمس ضحكات متفجرة، وكأن الضاحك بقلة حيلته ينتقم من المضحوك عليه بسعة حيلته.

لا حيلة للمواطن العربي في التعرّض لسيول هادرة من النكات السياسية، سواء كان مؤيداً لنظام بلده أو معارضاً، خفيف الظل أو ثقيلاً، يهوى المرح والدعابة أو يعتبرها صفاقة وقلة قيمة.

الوجه العربي الخفي

النكتة السياسية العربية هي الوجه الآخر الخفي للحياة في المنطقة العربية. صحيح أن الكمّ والكيف ودرجة الحدة تختلف من دولة إلى أخرى، ومن فئة عمرية إلى غيرها، إلا أنها سمة عربية عامة. وسواء أسماها البعض وسيلة للمقاومة أو سلاحاً للمعارضة أو أداة للبقاء على قيد الحياة، تبقى النكتة السياسية العربية تنمو وتكبر وتتغير وتغيب ثم تعود وربما تشيخ ثم ما تلبث أن تجدد نفسها. هي كائن حي قائم بذاته.

المؤلفان الأميركيان إي. بي هوايت وكاثرين هوايت كتبا عام 1941 أنه يمكن تشريح الدعابة كالضفدع، إلا أن الدعابة تموت في أثناء عملية التشريح. كما أن شكل الأحشاء يبدو مثبطاً للجميع باستثناء أصحاب العقول العلمية. بمعنى آخر، فإن الأفضل التعامل مع الدعابة كما هي من دون نقاش أو بحث أو تفنيد.

وحسناً فعل الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859- 1941) حين قرر ألا يتعامل مع الدعابة والنكات السياسية من وجهة نظر تشريحية. آمن برغسون أنه يجب التعامل مع الضحك باعتباره كائناً حياً قائماً بذاته، وعليه يجب أن يحظى بالاحترام الكافي والمستحق لأي كائن حي على قيد الحياة، إضافة إلى نظرياته عن الضحك والدعابة باعتبارهما وسائل لتحقيق التكافل والتقارب الإنساني. واعتبر برغسون الضحك أهم وأبرز الحلول المبتكرة لمشكلات الأفراد، ناهيك عن كون الدعابة أو النكتة تمدّ محيطها بشعور من الأمان والانتماء لثقافة أو معضلة واحدة ربما لا يفهمها الآخرون.

قومية من دون خلافات

الآخرون حين يستمعون إلى إحدى أبرز النكات التي تبرهن عن روح القومية العربية من دون النظر إلى الخلافات السياسية والاختلافات الأيديولوجية لن يفهموا مغزاها إلا في حال كانت مصحوبة بشرح. وجد أحدهم الفانوس السحري فحكّه، وكما هو متوقع طلع "العفريت" مردداً عبارته الشهيرة "شبيك لبيك. ماذا تطلب؟"، قال الرجل "أريد بناء جسر من مدينة كذا في أقصى اليمين إلى مدينة كذا في أقصى اليسار". فردّ العفريت بأن المطلب صعب لدرجة المستحيل، لك أن تطلب طلباً آخر. فقال الرجل "أريد أن يتنازل الحاكم العربي فلاناً عن الحكم". فارتبك العفريت وقال بسرعة "هل تريد بناء الجسر اتجاهاً واحداً أم اتجاهين؟!".

اتجاهات النكتة التي يعرفها كل عربي واضحة ومفهومة. لكن طرحها أو شرحها لغير العرب أمر صعب. فالسخرية السياسية العربية تختلف شكلاً ومضموناً وأسباباً وعوامل وأهدافاً عن غيرها من السخريات والنكات والدعابات السياسية في العالم. النكتة السياسية العربية معجونة بالأوضاع الاجتماعية ومغموسة في القيود الأمنية ومحفوظة ومحمية بالتداول الشعبي السري العلني.

تداول النكتة علناً

علانية النكتة السياسية العربية في الشارع لا تعني بأي حال من الأحوال أن تداولها لا غبار عليه. تداول النكتة السياسية يختلف من دولة إلى أخرى، وذلك بحسب المحتوى والمقصد ومكان التداول. وأبرز مكان لتداول النكتة هو المواصلات العامة والمقاهي الشعبية. حين يستأنس سائق الأجرة للراكب ويتأكد من أنه ليس "حكومة" تنطلق نكتة تلو الأخرى. واحدة عن ارتفاع الأسعار، وثانية عن العلاقات مع أميركا، وثالثة عن المشروع النووي، ورابعة عن كورونا، وخامسة عن التعليم، وسادسة عن الصراعات العربية، وسابعة عن الهجرة غير الشرعية، وثامنة عن الرئيس، وتاسعة عن السائق نفسه وعاشرة عن الراكب الذي أبلغ عن سائق يردد نكاتاً سياسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صمام أمان

النكات السياسية في المنطقة العربية صمام أمان ووسيلة انتقام وشكل أصيل من أشكال المعارضة. البعض يراها نفحة أوكسجين. البعض الآخر يعتبرها طريقة ذكية وآمنة للانتقام ممن قهروا وكتموا الأنفاس. فريق ثالث يتعامل معها باعتبارها منصة سياسية وحزباً سرّياً يتيحان للرواد ما تتعذر إتاحته في الفضاء العام من تعبير واعتراض. لكن الكل يتفق على أنها وسيلة تعبير لمن لا وسيلة له.

ويأتي مع النكتة السياسية الكاريكاتير السياسي الذي ما زال الأكثر شيوعاً، إن لم يكُن على صفحات الجرائد والمجلات الورقية المندثرة، فعلى المواقع الإلكترونية والمدونات وصفحات التواصل الاجتماعي الشخصية لملايين الأفراد. وكل من النكتة السياسية والكاريكاتير السياسي العربي يتغذيان من المصدر ذاته وينموان في البيئة ذاتها ويجدان آذاناً صاغية وقلوباً مرحبة تنتمي إلى القواعد الشعبية العريضة نفسها. رسام الكاريكاتير المصري هاني شمس يؤكد نظرية الانتقام بالسخرية. ويقول إن الناس عادة يلجأون إلى النكتة والكاريكاتير السياسي كنوع من الانتقام من أشخاص لا يستطيعون التغلب عليهم في الواقع. ويضيف "ظل سلاح السخرية سلاح المصريين الدائم منذ القدم لمواجهة الظلم والقهر وعدم القدرة على الحصول على الحقوق المسلوبة".

وعلى الرغم من أن الحقوق المسلوبة أمر غير مضحك، أو هكذا يفترض، إلا أنها تضحك العرب لدرجة البكاء. وإذا كانت النكات تُقال بغرض إشاعة البهجة والترفيه ورسم البسمة على الوجوه، فإنها في المنطقة العربية "ترمومتر" يختبر حرارة الشعوب ومقياس ريختر يقيس الهزات ويتوقع التوابع.

مقياس للمزاج العام

النكتة السياسية العربية ظلت وستظل مقياساً مهماً للمزاج العام، سواء كان غاضباً أو غاضباً جداً أو غاضباً لدرجة الجنون، وربما تلعب دوراً ما في مستقبل ما حين تتحوّل إلى تعبير عن درجة من درجات الرضا. أبطالها الحكام والمحكومون على قدم المساواة، وهي مساواة يندر وجودها على أرض الواقع العربي.

الواقع السياسي العربي يقف على طرفَي نقيض من النكتة العربية السياسية. فمن ضيق السياسة إلى براح التنكيت، ومن مخاوف التعبير المحسوب بالملليمتر إلى مساحات الكوميديا التي لا تحدها إلا السماء.

عصر الفضاءات المحدودة

فضاءات التنكيت السياسي في العالم العربي محدودة. كان وسيظل عصر الفضاءات المحدودة حتى في عصر الفضاءات المفتوحة. ومن أبرز النماذج التي لم يُكتب لها طول البقاء في التاريخ الحديث، الإعلامي الساخر باسم يوسف، صاحب برنامج "البرنامج" (2011- 2014).

باسم يوسف وبرنامجه نجحا في تعرية كثير من أخطاء جماعة "الإخوان المسلمين" إبان حكمها مصر بين عامي 2012 و2013، وقبلها برز من خلال انتقاد نظام الرئيس السابق محمد حسني مبارك، ولكن عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ويبقى باسم يوسف على الرغم من توقف برنامجه على شاشات الإعلام التقليدي علامة فارقة في التنكيت السياسي عميق المغزى بالغ الأثر.

التنكيت "حرام"

ودخل الخطاب الديني المتشدد على خط التنكيت السياسي في العقود القليلة الماضية. وكم من حدث حظي بمتابعة شعبية، سواء على أثير الإعلام التقليدي أو على منصات التواصل الاجتماعي، وبات في مرمى التحريم ومحاربة الدين وكراهية المتدينين. سلاح التحريم من أعتى وأنجح الأسلحة القادرة على "تقويم" المحكومين والسيطرة عليهم، بعيداً من "موبقات" السخرية من الحكام.

وضمن مئات الآراء الدينية التي تم تداولها على مدار عقود، يأتي تحريم السخرية والتنكيت السياسيين الموجهين إلى الحكام ضمن قوائم المحرمات. والسؤال هو هل إن مشاهدة البرامج التي تسخر من السياسيين بالتنكيت حرام؟ ويأتي الرد سريعاً "مثل هذه البرامج التي فيها مخالفات شرعية كالاستهزاء بالآخرين لا تجوز متابعتها" أو "وما هو حرام في نفسه، يحرم التفرج عليه لأنه رضا به" أو "مجالسة أهل المنكر لا تحل حتى لو كان موضوعها أقوال السياسيين وأفعالهم" أو غيرها من الفتاوى والآراء الدينية التي يدلو بها البعض من أهل العلم الديني.

وعن أقوال السياسيين وأفعالهم، يقول هاني شمس إنه كلما زاد الظلم والقهر وانكمشت حرية التعبير، زاد الإقبال على السخرية بجميع أشكالها، وانتتشرت النكات والرسوم التي تسدّ خانة الظلم وضيق أفق الحرية وانعدام القدرة على الحصول على الحقوق.

ضيق الواقع

ولأن قهر قوم وظلمه وسلبه حرية التعبير عند قوم فوائد في الإبداع والتفكير، فإنه كلما زاد التضييق في الواقع زاد الإبداع في التنكيت. يقول شمس إن النكتة والكاريكاتير السياسي يجدان في انحسار هامش الحرية والديمقراطية مناخاً جيداً بل رائعاً للنمو والازدهار. ويضيف "النكتة السياسية تعتمد في الأساس على ذكاء المتلقي العربي ووعيه الفطري، لذلك تفهمها العامة ويتعمق فيها الأكثر ثقافة ووعياً".

الثقافة لدى المتعلمين والمفكرين يدعمها ميل بشري طبيعي للضحك. يُقال إن الإنسان حيوان ضاحك. وعلى الرغم من أن شعوب الأرض تضحك من دون استثناء، إلا أن جانباً غير قليل من ضحك الشعوب العربية الناجم عن النكات والإسقاطات السياسية الكوميدية لا يعود إلى رغبة بشرية  بالضحك فحسب، بل رغبة بشرية  بـ"فش الغل" غير القابل للفش في الفضاء العام.

مضاجع المسؤولين

التاريخ المعاصر حافل بكمّ مذهل من النكات والقفشات السياسية التي أقلقت مضاجع مسؤولين وحاكمين. بل إن التدقيق والتنقيب في وثائق جهات أمنية ستسفر حتماً عن جهود مضنية بُذِلت لمعرفة أصل نكتة هنا أو لفظ ساخر هناك.

وجاء في كتاب "السخرية السياسية العربية" للصحافي العراقي خالد القشطيني أن "النكتة العربية تلعب دور المؤشر بالغ الحساسية إلى حالة المزاج الاجتماعي. فهي الابنة الشرعية لهذا المزاج. تولد سراً وتروّج سراً، فيما أجهزة الإعلام الرسمية تفرد صفحاتها الأولى لأخبار المسؤولين. وبقدر المفارقة تكون سخرية النكتة. ولأنها ذلك كله، فإن الحكام كثيراً ما يحرصون على سماعها حتى في الحالات التي يكونون هم أنفسهم موضوعها".

ويشير القشطيني إلى أن النبي محمد ربما كان الوحيد بين الأنبياء ممن عرضت في سيرتهم نماذج من النوادر والطرائف. وكان معروفاً عنه أن الغضب لا يتمكّن منه، فلم يُعرف عنه أبداً أنه انفعل أو غضب جراء التحديات والإساءات التي تعرّض لها. ويضيف القشطيني أنه كان يمازح أصدقاءه ويضحك لنوادرهم ويوصي المؤمنين بالمزاح.

"أنيميا" المزاح السياسي

لكن المزاح العربي السياسي الحالي يعاني "أنيميا" شديدة. يقول شمس إن الظروف السياسية والاقتصادية الحالية، إضافة إلى ما كشفت عنه رياح التغيير عام 2011، وضعت التنكيت السياسي العربي في خانة بالغة الصعوبة. "تقلّص هامش المعارضة مع صعوبة الأوضاع السياسية والاقتصادية وطرح تيارات الإسلام السياسي باعتبارها جبهة المعارضة الوحيدة المتاحة، مع اعتبار البعض لها أنها جبهة غير وطنية، جعل كثيرين ينأون بأنفسهم عن التنكيت والسخرية السياسية والرضا بما هو متاح في الواقع".

انكماش النكتة

وهناك انكماش كبير في النكات السياسية. لم تعُد عبارات "سمعت آخر نكتة؟" و"سمعت النكتة التي تقول إن فلاناً (مسؤولاً أو سياسياً) كذا؟". واختفى صانعو النكات ومطلقوها ومعهم سامعوها وناقلوها. ويظل الناقل الأقوى في هذه الآونة هو منصات التواصل الاجتماعي، التي يقول عنها شمس إنها أصبحت ساحة مفتوحة على مصراعيها للشباب حيث طرح الانتقادات والنكات والكوميكس المصورة التي يتم تداولها بكتابات تختلف من دولة إلى أخرى ومن مجموعة تؤمن بأفكار بعينها إلى أخرى، لكنها تظل مفهومة للجميع. أما النكتة السياسية التي تتم روايتها كما كان شائعاً في القرن الماضي، فاختفت بشكل شبه كامل. وحتى هذا اللجوء الشبابي إلى فضاء الإنترنت أحياناً يقابَل بمحاولات تضييق وترهيب حفاظاً على مكانة السياسيين و"برستيج" الحكام.

ويقول شمس إنه يركز على الكاريكاتير الاجتماعي غير المشتبك بالسياسة. "هذا ما أقوم برسمه. وآخر كاريكاتير سياسي رسمته كان قبل أربعة أعوام حين اعتذر وزير الداخلية لمواطن بعدما تعرّض لإهانات بالغة من قبل ضابط شرطة. شعرت في ذلك اليوم أننا نعيش واقعاً مؤلماً".

لكن ليس هناك واقع مؤلم أكثر من عدم القدرة على الضحك أو الحرمان منه. واعتبر الفيلسوف برغسون أن الضحك لا يستوجب الرد بعنف. وأجسامنا ترفض التصرف بعنف حين تكون وجوهنا وأفواهنا مشغولة بالضحك. ويسأل "هل رأيت من قبل رجلاً يمارس العنف ويضحك من قلبه؟ الدعابة والضحك مطلوبان لأي أمة تمرّ بأحلك لحظاتها، فهذه الأوقات هي ما تدفع الشعوب لتبدأ فقدان الثقة بالنفس والاستسلام لليأس والانزلاق نحو الاكتئاب والحزن. ويبدو الوطن عديم المعنى. الضحك هو العلاج الأفضل لهذه الاعتلالات. النكتة السياسية التي يقولها أحدهم تقوم بعملية الوصل والاتصال بين الناس. تشعرهم بأن همومهم واحدة وأنهم ليسوا وحدهم.