إيران تستأنف برنامجها النووي

الرئيس حسن روحاني سيعلن تقليص بلاده تعهداتها "البسيطة والعامة"

صورة عامة لمنشأة بوشهر النووية على الضفة الشمالية للخليج العربي (أ.ف.ب)

بعد ساعات قليلة من تحذير مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون إيران من أنّ قيامها بأي هجوم ضدّ مصالح الولايات المتحدة أو مصالح حلفائها سيقابل "بقوة لا تلين"، توالت بشكل غير رسمي الردود الإيرانية.

فقد ذكرت هيئة إذاعة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تديرها الدولة، الاثنين 6 مايو (أيار)، أن إيران ستستأنف برنامجها النووي المتوقف رداً على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم عام 2015، لكنها لن تنسحب من الاتفاق.

ونقلت هيئة الإذاعة عن مصدر مقرب من لجنة رسمية تشرف على الاتفاق النووي القول إن الرئيس حسن روحاني سيعلن أن إيران ستقلص بعضاً من تعهداتها "البسيطة والعامة" بموجب الاتفاق، وذلك يوم الأربعاء في الثامن من مايو، أي بعد عام من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب انسحاب بلاده من الاتفاق.

ثم ذكرت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية شبه الرسمية، الاثنين 6 مايو، نقلاً عن "مصادر مطلعة" أن إيران ستعلن، الأربعاء، عن إجراءات "للمعاملة بالمثل" رداً على الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي.

وأورد التقرير أن طهران أبلغت بعض زعماء دول الاتحاد الأوروبي بقرارها بشكل غير رسمي.

وقال المصدر وفقا للوكالة "رداً على خروج أميركا من الاتفاق النووي والوعود الجوفاء من الدول الأوروبية في تنفيذ التزاماتها، قررت الجمهورية الإسلامية الإيرانية استئناف جزء من الأنشطة النووية التي توقفت بموجب إطار الاتفاق النووي".

حرب نفسية

ونشرت وكالة تسنيم للأنباء، الثلاثاء، وصف المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إعلان الولايات المتحدة إرسال حاملة طائرات وقاذفات، "يو أس أبراهام لنكولن"، إلى الشرق الأوسط لتوجيه رسالة إلى طهران بأنه "حرب نفسية".

ونقلت الوكالة عن كيوان خسروي المتحدث باسم المجلس قوله "تصريح بولتون استخدام أخرق لحرب نفسية مستهلكة".

وكان ترمب بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق أعاد فرض العقوبات الصارمة على إيران بما في ذلك على صادراتها النفطية التي تمثل شريان حياة بهدف وقف تلك الصادرات تماما وخنق اقتصاد إيران.

وتحركت الولايات المتحدة، الجمعة 3 مايو، لإجبار إيران على الكف عن انتاج اليورانيوم منخفض التخصيب وعن التوسع في محطتها الوحيدة للطاقة النووية.

وقال ترمب الذي لم يكن قد وصل للسلطة عند إبرام الاتفاق النووي إن الاتفاق يصب في مصلحة إيران لكونه لم يتطرق إلى برنامجها للصواريخ الباليستية أو مساندتها قوى أخرى في حروب عدة في الشرق الأوسط.

وتقول إيران إن برنامج الصواريخ الباليستية ليس له صلة بأنشطتها النووية وإنه دفاعي في طبيعته. أما دعمها لحلفاء في أنحاء الشرق الأوسط فليس من شأن واشنطن.

نفي ومؤشرات

وبموجب الاتفاق النووي قلصت إيران قدرة برنامجها لتخصيب اليورانيوم الذي ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره سبيلاً لإنتاج أسلحة نووية، وذلك في مقابل رفع معظم العقوبات الدولية. وتحقق المفتشون التابعون للأمم المتحدة مراراً من التزام إيران بالاتفاق.

وفيما تنفي إيران أنها سعت في أي وقت لتطوير برنامج أسلحة نووية، لا تزال الدول الأخرى الموقعة على الاتفاق، وهي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين، ملتزمة به. ويبحث الاتحاد الأوروبي سبلاً للحفاظ على منافعه الاقتصادية مع إيران.

وأعرب الاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، السبت 4 مايو، عن "قلقهم" بعد إعلان واشنطن الجمعة فرض "قيود" جديدة على البرنامج النووي المدني الإيراني بهدف تعزيز الضغط الأميركي على طهران.

وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني ووزراء خارجية فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة في بيان مشترك إنهم "لاحظوا بقلق قرار الولايات المتحدة عدم تجديد كامل الإعفاءات المتعلقة ببعض مشاريع الحد من الانتشار النووي".

أضاف البيان أنهم "أخذوا علماً بأسف وقلق بقرار الولايات المتحدة عدم تمديد الإعفاءات بشأن تجارة النفط مع إيران".

وتنشر إدارة ترمب حالياً حاملة طائرات وقاذفات في الشرق الأوسط رداً على عدد من "المؤشرات والتحذيرات" المثيرة للقلق من إيران. وأدرج بولتون الأحد نشر حاملة الطائرات وقاذفات القنابل في إطار إظهار أن الولايات المتحدة سترد على أي هجوم "بقوة لا تلين".

أضاف بولتون أن القرار، الذي قد يفاقم التوترات بين البلدين، يهدف إلى إبلاغ إيران "رسالة واضحة لا لبس فيها" على موقف أميركا الصارم تجاه طهران.

محاسبة القيادة الإيرانية

على الرغم من أن بولتون لم يشر إلى أنشطة إيرانية محددة أثارت مخاوف بلاده، كررت إيران تحذيرها من أنها ستغلق مضيق هرمز إذا حرمت من استخدام الممر المائي الاستراتيجي.

ووجه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو تحذيرا أيضا للجمهورية الإسلامية يوم الأحد.

وقال بومبيو للصحافيين على متن طائرة أقلته إلى فنلندا للمشاركة في اجتماع مجلس بلدان القطب الشمالي "ما يحدث هو أننا نرى إجراءات تصعيدية من جانب الإيرانيين... وسنحمل الإيرانيين المسؤولية عن أي هجمات على المصالح الأميركية".

أضاف "إذا حدثت تلك الأعمال، إذا نفذوها بالوكالة عبر طرف ثالث، مثل حزب الله، فسنحاسب القيادة الإيرانية مباشرة على ذلك".

قصة البرنامج

بدأت قصة البرنامج النووي الإيراني في الستينيات من القرن الماضي عندما وهبت الولايات المتحدة إيران مفاعل للأبحاث تم الانتهاء من تشييده وتشغيله في جامعة طهران في العام 1967.

وكان الشاه الأخير محمد رضا البهلوي، الذي دشن مشروع الطاقة النووية في أواسط السبعينيات، يعتبره من أركان "الحضارة الإيرانية الكبرى".

وتضمن التعاون بين واشنطن وطهران عرض الأولى على الثانية بناء نحو سبعة مفاعلات كهرونووية، لكن الشاه فضل عرضاً أرخص من الشركة الألمانية "كرافتورك يونيون سيمنس"، التي بدأت بناء مفاعلين كهرونوويين في مدينة بوشهر جنوبي البلاد في 1974.

ومع تولي الخميني السلطة في إيران، في العام 1979، كانت 85 في المئة من عملية بناء المفاعل الأول قد أنجزت، إذ كان مخططاً أن يبدأ إنتاج القدرة الكهرونووية عام 1981. وإبان الحرب الإيرانية العراقية تعرّض المفاعل للقصف، في 1987. وفي ظل حالة العداء ما بين إيران والغرب تعاونت طهران وموسكو لإكمال بناء مفاعل بوشهر.

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي واصلت إيران خيار الحصول على البلوتونيوم الذي صنعت منه القنبلة التي ألقتها الولايات المتحدة على مدينة ناغازاكي اليابانية عام 1945، وعلى اليورانيوم العسكري الذي صنعت منه القنبلة التي ألقيت على هيروشيما.

وفي العام 1995 تجدد التعاون مع موسكو لاحياء "البرنامج النووي السلمي" على تحوير المفاعلين الألمانيين المدمرين إلى النوع المعتمد في روسيا. وباشرت في العام 1996 بناء منشأة لإنتاج الماء الثقيل في مدينة آراك (وسط إيران). وعلى الرغم من كشف المعارضة الإيرانية عنه في العام 2002، إلا أن طهران استطاعت إنتاج الماء هناك في 2006. وسبق ذلك بناء مفاعل من تصميم إيراني في 2004 بقدرة 40 ميغاواتاً بالقرب من هذه المنشأة يعتمد في تشغيله على الماء الثقيل واليورانيوم الطبيعي المتوفر في إيران.

المشروع والمفاوضات

وأصدر مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 12 سبتمبر (أيلول) 2003 قراراً يلزم إيران بـ"الوقف الفوري الكامل" لنشاطاتها المتعلقة بتخصيب اليورانيوم، وبتوقيع البروتوكول الإضافي الخاص بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، والسماح الفوري بتفتيش المنشآت النووية الإيرانية "دون قيد أو شرط".

وبين مد وجزر بين إيران والمجتمع الدولي، زار وزراء خارجية أكبر ثلاث دول أوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) طهران في أكتوبر (تشرين الأول) 2003، وحصلوا على موافقة إيران على توقيع بروتوكول يسمح بتفتيش منشآتها النووية ووقف عمليات تخصيب اليورانيوم التي تعد الخطوة الأولى نحو امتلاك السلاح النووي.

أما ثمن التنازل الإيراني فكان اعتراف الاتحاد الأوروبي بحق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية، مع وعد بدفع العلاقات الاقتصادية والسياسية بينهما إلى الأمام.

لكن، في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2003 دانت الوكالة الدولية إيران لتطويرها برنامجاً نووياً سرياً، الذي يخفي، وفق واشنطن، طموحات لتصنيع أسلحة نووية. غير أن القرار لم ينص على إحالة المسألة إلى مجلس الأمن.

وفي سبتمبر (أيلول) 2004 طالبت الوكالة الدولية إيران بالإجابة عن الأسئلة العالقة، وبتسهيل الوصول إلى المواقع التي تريد الوكالة زيارتها، وبتجميد الأنشطة المتعلقة بتخصيب اليورانيوم بمستوى يتيح إنتاج الوقود النووي والشحنة الانشطارية الضرورية للحصول على القنبلة النووية.

قابل ذلك، تصلب إيراني. فاستمر تخصيب اليورانيوم في أصفهان في أغسطس (آب) 2005، وأعلنت طهران في أبريل (نيسان) 2006 نجاحها في التخصيب بنسبة 3.5% الصالحة لأغراض سلمية، والبعيدة عن الأغراض العسكرية التي تتطلب نسبة تخصيب تزيد على 90%.

وفي 4 فبراير (شباط) 2006 أحالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي.

وفي 30 مارس (آذار) 2006 وافق مجلس الأمن على الحد من طموحات إيران النووية، بعد تقديم تنازلات لكل من موسكو وبكين تتعلق بحذف فقرة كانت تشير إلى أن عدم امتثال إيران للمطالب لمنع الأسلحة النووية "يشكل تهديدا للسلام والأمن الدوليين"، ولم يكن البيان ملزما كما أنه لم يتضمن تهديدات بفرض عقوبات على إيران.

وفي 23 ديسمبر (كانون الأول) 2006 أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً هو الأول من نوعه، ويمنع أي دولة من تسليم إيران أو بيعها أي معدات أو تجهيزات أو تكنولوجيا يمكن أن تساعدها في نشاطات نووية وبالستية، بالإضافة إلى تجميد أصول عشر شركات و12 شخصاً لهم علاقة بالبرامج. ويفرض القرار عقوبات اقتصادية وتجارية في مجالات محددة تتصل بتخصيب اليورانيوم وإعادة معالجته، وبمشاريع مرتبطة بمفاعلات المياه الثقيلة وتطوير الصواريخ البالستية.

وفي مارس (آذار) 2010 أعلنت طهران استعدادها لتسليم 1200 كيلوغرام من اليورانيوم المنخفض التخصيب مقابل حصولها على وقود لتشغيل مفاعل أبحاثها الطبية في طهران، مشترطة أن يتم التبادل بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية داخل إيران خلال 24 ساعة، وليس خارجها كما تقترح خطة للوكالة.

وفي 24 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2013 وقّعت إيران ومجموعة "5+1" (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا) اتفاقاً مؤقتا ًفي جنيف تضمن خطة عمل مشتركة، التزمت خلالها طهران بعدم تخصيب اليورانيوم بدرجة أعلى من نسبة 5%.

وقضت الخطة بأن تُخفّض طهران وتيرة تطوير برنامجها النووي، وأن تسمح لمراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش مواقعها النووية المحورية.

وذلك مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية والإفراج لإيران عن نحو 700 مليون دولار شهرياً من ودائعها في البنوك الغربية. ووُصف الاتفاق بأنه خطوة أولى يجب التوصل بعدها لاتفاقية شاملة.

ونص الاتفاق على أن يتم بدء تطبيقه في يناير (كانون الثاني) 2014 للتوصل إلى اتفاق شامل خلال ستة أشهر، وهو ما لم يقع في موعده فمدد حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، ومرة ثانية حتى يوليو (تموز) 2015.

وفي 2 أبريل (نيسان) 2015 توصلت طهران والدول الست الكبرى في مدينة لوزان السويسرية إلى "اتفاق إطار".

المزيد من دوليات