Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"المستعربون" قوة إسرائيلية تخترق أمن الفلسطينيين وتظاهراتهم

يتقن عناصرها اللهجة العربية المحكية ويمتازون بالملامح الشرقية ولباسهم المحلي

ازدادت النشاطات الأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية في الآونة الأخيرة (أ ف ب)

سيدة حامل تصرخ من الألم، وبرفقتها أفراد من عائلتها يدخلون على عجل إلى المستشفى الأهلي في الخليل (جنوب الضفة الغربية)، فالولادة طارئة، والأطباء ومن معهم من ممرضين كانوا على أهبة الاستعداد لإنقاذ السيدة وجنينها. دقائق قليلة حتى بدأت العائلة بإطلاق الرصاص بشكل كثيف في إحدى غرف المستشفى، ليتبين فيما بعد أن السيدة الحامل ومن معها ليسوا إلا قوة من الوحدات الخاصة الإسرائيلية (مستعربون)، دخلت لإتمام مهمة أمنية سريعة تقضي بتصفية أحد الشبان الفلسطينيين (المطلوبين) واختطاف آخر.

وهذه النشاطات الأمنية للقوات الخاصة الإسرائيلية المعروفة باسم "المستعربين" تزايدت في الآونة الأخيرة في الضفة الغربية، وفق محللين، سواء لاعتقال فلسطينيين (مطلوبين) أو اغتيالهم. فقبل عدة أيام، قامت القوة نفسها بقتل شاب فلسطيني أعزل في رام الله كان على موعد مع زفافه بعد شهر، ليرد اتصال لعائلته صبيحة اليوم التالي بأنه "قتل بالخطأ"، وأن المقصود كان فرداً آخر من عائلته.

مستعربون

في المصطلح الأمني الإسرائيلي، تعني كلمة "مستعربين" أفراداً من الأمن (الشرطة الإسرائيلية أو حرس الحدود) يتنكرون بهيئة فلسطينيين، لينفذوا مهام حساسة وسريعة في قلب المجتمعات الفلسطينية، خاصة خلال التظاهرات والاحتجاجات عند مناطق التماس. يلبسون ثياب المتظاهرين الفلسطينيين ويتحدثون لكنتهم المحلية بطلاقة ويقلدون أنماطهم السلوكية إلى حد كبير كارتداء الكوفية والهتافات ورشق الحجارة على الجنود الإسرائيليين.

يشرح المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية واصف عريقات لـ"اندبندنت عربية" أنه منذ ثلاثينيات القرن الماضي بدأ ظهور وحدات المستعربين كجزء من سرايا النخبة المسماة "البالماخ"، التي تتبع ميليشيات "الهاغاناه"، والتي أصبحت فيما بعد نواة الجيش الإسرائيلي، حيث تتشكل هذه الوحدات من جنود ينتقون بعناية من بشرة وملامح مشابهة جداً للملامح العربية الفلسطينية بالتحديد، وتختلف تدريباتهم عن تدريبات الجنود العاديين. فهم يخضعون لدورات تدريبية شاقة لإتقان اللكنات الفلسطينية وإجادة اللغة العربية كما لو أنها لغتهم الأصلية، حتى لا يثيروا الشكوك عندما يقومون بأعمال اختطاف وتصفية داخل المجتمع الفلسطيني.

تتم معظم تدريبات العناصر داخل قرى صناعية تشبه القرى الفلسطينية، لتعلم تفاصيل الحياة واللغة والعادات وأنماط الحياة، لذلك يصعب على السكان المحليين اكتشاف هوياتهم أو إحباط عملياتهم، التي غالباً ما تتم بسرعة فائقة وحماية وإسناد من الجيش.

فرق الموت

تفاصيل تأسيس وحدات المستعربين وتنظيمها وعملياتها وضحاياها شحيحة جداً، باستثناء ما ورد في بعض الدراسات وفي كتاب "المستعربون فرق الموت الإسرائيلية" لمؤلفه غسان دوعر، الذي ذكر أن وحدة للمستعربين اغتالت بين عامي 1988 و2004 نحو 422 فلسطينياً. ومع تصاعد حدة الانتفاضات في فلسطين، عمل الجيش الإسرائيلي على تنظيم الوحدة وتوسيع حجمها، وأصبح بإمكان الذين تبلغ أعمارهم 18 عاماً اختيار الإلتحاق بها مثل أي وحدة نخبوية أخرى (كالمظليين وغولاني)، على الرغم من أن أفضلية التجنيد فيها تعطى لجنود ذوي ملامح شرق أوسطية.

صحيفة "معاريف" الإسرائيلية كشفت، في وقت سابق، أن المستعربين يتقمصون لأجل اعتقال مطلوبين دور صحافيين يحملون كاميرات أو مسعفين أو أطباء، لأن ذلك يسهل عليهم اختراق التظاهرات والاحتجاجات وتنفيذ مهمتهم الأمنية، ولو اقتضى الأمر ارتداء ثياب النساء. ووفق تعريفهم، فإن مهمتهم الأساسية هي جمع معلومات استخبارية والقيام بعمليات "تكافح الإرهاب". 

يقول الكاتب والمحلل في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور، "شكل المستعربون أداة متقدمة من أدوات الوحدات السرية الاستخباراتية الإسرائيلية، تغيرت أشكالها وأسماؤها وأولوياتها، وتطورت كثيراً منذ أن كانت ذراعاً لعصابات، حتى أصبحت ذراع دولة بأكملها عبر التغلغل في أوساط الفلسطينيين واختراق أمنهم، وتكاثرت وحدات المستعربين وتسمياتها كشمشون في محيط قطاع غزة، ودوفدوفان في الضفة الغربية، ويمام التابعة لحرس الحدود، وحتى داخل السجون الإسرائيلية التي يقبع فيها فلسطينيون، هناك مستعربون يطلق عليهم اسم متسادا، تبدأ مهمتهم بالدخول بين المعتقلين الفلسطينيين في صورة مسجونين يسمونهم العصافير، وإقامة علاقات اجتماعية معهم للحصول على معلومات واعترافات قد تدينهم وتطيل مدة سجنهم".

ويضيف، "مع كثرة عمليات وحدات المستعربين في الضفة الغربية خاصة أثناء الاحتجاجات والتظاهرات، وإشاعة أجواء الشك والريبة بين الشبان لاعتقادهم أن المستعربين قد ينخرطون في صفوفهم، عمل الفلسطينيون خلال الآونة الأخيرة على نشر التوعية قبل التظاهر للحماية من المستعربين، بدءاً من تشكيل مجموعات صغيرة لمراقبة محيط منطقة المواجهات، وذلك لرؤية المستعربين قبل الاندساس بين المتظاهرين، والتحذير من التشتت والابتعاد عن نقطة التجمع، كما يطلب منهم في بعض الأحيان وضع ملابسهم داخل السراويل، فالمستعرب يخفي سلاحه داخل ملابس فضفاضة. ومع ذلك تمكنت وحدة دوفدوفان (المستعربون في الضفة) المعروفة بسرعتها وقوتها، من تطوير مهاراتها الأمنية السرية، باستخدام أسلحة فتاكة خفيفة الوزن وصغيرة الحجم وكاتمة للصوت، يمكن إخفاءها بكل سهولة".

بنية تحتية

كشفت صحيفة "هآرتس" قبل عدة أشهر عن إطلاق الشرطة الإسرائيلية وحدة "مستعربين" سرية جديدة بين الفلسطينيين داخل إسرائيل، لتأسيس بنية تحتية استخباراتية توفر معلومات تمكن المسؤولين من رسم خطة للتعامل مع الفلسطينيين في المناطق ذات الأغلبية العربية في حالة تنظيمهم احتجاجات وغير ذلك. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإثر الإعلان عن الوحدة الجديدة، توجه مركز عدالة (المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل) في أبريل (نيسان) الماضي، برسالة إلى المستشار القضائي للحكومة والمفتش العام للشرطة ووزير الأمن الداخلي، يطالب فيها بالعدول عن إقامة وحدة مستعربين في البلدات العربية، لما فيها من خطورة على المواطنين العرب واستمراراً لنهج العداء ضدهم، مشيراً إلى أن القرار "غير قانوني".

ويوضح المحامي في مركز عدالة وسام شرف، لـ"اندبندنت عربية"، أن "البند 5 من قانون الشرطة الإسرائيلية ينص على وجوب ارتداء الشرطي ملابسه الرسمية، وحمل بطاقة تعريف تحمل اسمه واسم عائلته، وتنص صراحة على أنه شرطي في دوام رسمي. وفي حال ارتدائه الزي المدني، عليه التعريف عن نفسه قبل ممارسة أي من صلاحياته القانونية. كما لا يوجد أي بند في القوانين يمنح الشرطة صلاحية إقامة مثل هذه الوحدة".

ويضيف، "هذا قرار عنصري ويقع في خانة التمييز العرقي، خاصة أنه سيطبق في البلدات العربية فحسب. وعندما نتحدث عن نظامين لتطبيق القانون، واحد في البلدات العربية وآخر في غيرها، فهذه إحدى خصائص أنظمة الفصل العنصري (أبرتهايد) المحظورة في العالم، والتي تخالف القانون الدولي".

حفظ النظام

في منتصف مايو (أيار) الماضي، قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تفعيل قانون الاعتقال الإداري (الحبس من دون محاكمة أو تهمة) داخل المدن العربية في إسرائيل، وتوعد عقب وقف إطلاق النار مع قطاع غزة، بقمع ما وصفها بـ"أعمال الشغب والخروج عن القانون"، في إشارة إلى التظاهرات التي شهدتها المدن والبلدات المختلطة. في المقابل، اتهم حقوقيون فلسطينيون الشرطة الإسرائيلية بشن حملة انتقامية ضد العرب في إسرائيل بسبب مواقفهم السياسية.

وكتب وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، في تغريدة عبر "تويتر" في 13 مايو، "اتفقت اليوم مع المدعي العام والنائب العام على أولوية التعامل مع حالات العنف الأخيرة، بما يتضمن الخطة المقدمة لي باستخدام الاعتقالات اليومية والسياسات الصارمة مع القاصرين والحصول على مساعدة من الشاباك (جهاز الأمن العام). لا يمكن للعنيفين والمتطرفين الإفلات من العقاب".

المزيد من تقارير