Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الخسائر الاقتصادية تدفع بإسرائيل إلى التهدئة

شرخ اسرائيلي داخلي في اعقاب التهدئة ونتنياهو يواجه أزمة مع أحزاب الائتلاف

فلسطينيون يعاينون أضرار القصف الإسرائيلي على مدينة غزة (أ. ب.)

منذ إطلاق الصاروخ الأول من غزة على جنوب إسرائيل، حسمت الأجهزة الأمنية والسياسية الإسرائيلية أن هذا التحرك الهجومي أتى عن سابق تصور عشية احتفالات إسرائيل بعيد استقلالها ومهرجان الأغنية الأوروبية "يوروفيجن" الذي سيجري في تل أبيب الأسبوع المقبل. لكن ثمة دوافع أخرى، بحسب مسؤولين إسرائيليين قالوا إنها كانت إحدى الاعتبارات المركزية لوقف النار، وهي تلك المتعلقة بالأبعاد الاقتصادية لأي تصعيد، التي يمكن أن تصل إلى حد انهيارات اقتصادية في إسرائيل. وعلى الرغم من أن الموقف الرسمي للحكومة الإسرائيلية بعدم أخذ أي وضع اقتصادي بالحسبان، في حال تعرضت إسرائيل لتهديد أمني، إلا أن الوضع هذه المرة مختلف.

الحرب المقبلة مسألة وقت

وما بين الدوافع الأمنية والاقتصادية، أحدثت التهدئة التي توصل إليها الطرفان، إسرائيل وغزة، شرخاً إسرائيلياً داخلياً ووضعت رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في قفص الاتهام من قبل، ليس فقط أعضاء حزبه الليكود، إنما أيضاً الأحزاب التي يبني عليها لتشكيل ائتلافه الحكومي.
عضو الكنيست عن حزب الليكود، جدعون ساعر، خرج بتحريض مباشر على نتنياهو، واعتبر في ما كتبه على حسابه في "تويتر"، أن "اتفاق وقف النار بين الفصائل الفلسطينية في غزة وإسرائيل، بالظروف التي تمّ فيها التوصل إليه، يخلو من إنجازات لإسرائيل. كما أن الفترات الزمنية بين جولات الهجمات العنيفة على إسرائيل ومواطنيها تقصر تدريجاً، والمنظمات الإرهابية في غزة، تزداد قوتها". وحذر ساعر من أن الحرب "لم تُمنع إنما تم تأجيلها فقط".
أما زعيم المعارضة، رئيس قائمة "أبيض– أزرق"، رئيس أركان الجيش السابق، الجنرال بيني غانتس فكان أكثر صراحة في هجومه على نتنياهو والحكومة، وقال "تم إطلاق قرابة 700 قذيفة باتجاه إسرائيل وسقط جرحى كثيرون وأربعة قتلى، جميعهم بسبب فقدان الردع، وانتهت باستسلام آخر لابتزاز حماس والمنظمات الإرهابية". وأضاف أن "كل ما فعلته الحكومة، مرة أخرى، هو وضع الحرب المقبلة أمامنا. وينبغي أن نتوقع أنه إذا استؤنفت النيران سيكون الرد خطيراً وإذا جرى الحفاظ على الهدوء أن يُستغل لتحقيق تقدم حقيقي لعملية سياسية تقود إلى إعادة جثتَي الجنديَين المفقودين منذ الحرب الأخيرة، من أجل ضمان الهدوء واستقرار طويل الأمد". كلام غانتس أتى في وقت تنتظره محاكمة دولية في "لاهاي"، بتهمة ارتكاب جرائم حرب بحق الفلسطينيين خلال العدوان على غزة عام 2014. من جهة أخرى، رحبت عضو الكنيست شيلي يحيموفيتش من حزب العمل، "بكل قطرة دم لم تُرق"، مضيفةً أنه "من دون رؤية سياسية ومن دون إستراتيجية، تدق الساعة نحو الجولة المقبلة".

"كارثة" اقتصادية لإسرائيل

القصف الغزي على جنوب اسرائيل كان مختلفاً هذه المرة وتهديدات التنظيمات الفلسطينية أُخذت على محمل الجد في تل أبيب، فإطلاق كمية كبيرة من الصواريخ وتسببها بسقوط قتلى وجرحى وفشل منظومة القبة الحديد في مواجهتها وإسقاطها، جعلت إسرائيل في وضع محرج وكانت احتمالات الأضرار الاقتصادية أكبر من أي مرة سابقة.
كلّفت كل واحدة من الحروب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في السنوات الماضية، الخزينة الإسرائيلية مليارات الشواكل (العملة الإسرائيلية)، أما العدوان الأخير فتبين أنه كان سيلحق ضرراً كبيراً بالسياحة في إسرائيل وصورتها في العالم، خصوصاً إذا اضطرت إسرائيل إلى إلغاء مهرجان الأغنية الأوروبية "اليوروفيجن". وأما الضرر الأكبر فيأتي مع قرار وزير الطاقة يوفال شطاينتس وقف ضخ الغاز الطبيعي من حقل "تمار" لاستخدام مصادر طاقة أخرى، ما سيتبعه أيضاً تكاليف مالية طائلة ستنفقها المؤسسة الإسرائيلية وشركة الكهرباء.
وبحسب صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية، فإن أي حرب تخوضها إسرائيل ستكون تكلفتها الاقتصادية من ثلاثة أنواع: مسّ مباشر بالاقتصاد جراء فقدان نشاط اقتصادي وأيام عمل، إضافة إلى إلحاق أضرار بالأملاك وإنفاق عسكري يشمل ذخيرة ومخزون أسلحة وتعطيل قوات الاحتياط عن العمل. ووفقاً لتقديرات معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب فإن تكلفة العدوان الحالي ستكون باهظة وأكبر من عدوان عام 2014، حيث تراوحت بين 420 – 840 مليون شيكل (قيمة الدولار 3.62 شيكل)، وذلك بسبب توقف الإنتاج والتغيّب عن العمل في بعض المرافق، تراجع السياحة والإقبال على المطاعم وأماكن الترفيه، المس بالنشاط الاقتصادي اليومي بسبب توقف العمل لدى انطلاق صفارات الإنذار وتشويش عمل مزودي البضائع والخدمات...إلخ. كذلك أوقف مطار اللد الدولي عمله يومين.
أما الجيش الإسرائيلي فقال إن تكلفة اليوم الواحد خلال عدوان عام 2014 قُسمت إلى قسمين: 100 مليون شيكل قبل الاجتياح البري و200 مليون شيكل بعده. وبعد انتهاء العدوان طالب الجيش بإضافة 9 مليارات شيكل إلى ميزانيته. ويُضاف إلى ذلك تكاليف التعويض عن الأضرار التي لحقت بالأملاك، ومن بينها البيوت والمباني العامة والمناطق الزراعية والمصانع، حيث وصلت كلفتها إلى مليار شيكل.

قواعد اللعب تغيرت

بغض النظر عن مدى صمود الهدنة وإذا ما ستدوم حتى الأسبوع المقبل، فيبدو أن قواعد اللعب تجاه غزة تغيرت. وكما قال عضو المجلس الوزاري المصغر، وزير الاقتصاد ايلي كوهين "نحن نستعد لمعركة مع حماس والجهاد وسنجبي منهما ثمناً لم يعرفاه حتى اليوم. رؤوس الأفعى في غزة سيدفعون ثمناً باهظاً بسبب الاستفزاز الزائد والمس بمواطنينا". وأضاف "واضح أن الطرفين سيتنفسان الصعداء إذا ما كان توقف النار حقاً. والسؤال هو إذا كانا سيستغلان الهدوء كي يتوصلا إلى تسوية دائمة تفيد الإسرائيليين والغزيين على حد سواء أم أن هذه جولة أخرى من العنف وسفك الدماء، بانتظار المرة التالية.
من جهتها، خصصت أسرة صحيفة "هآرتس"، كلمة عددها الصادر يوم الاثنين للهجوم على سياسة نتنياهو. وكتبت "لا يمكن أن يكون نصر "ساحق" أمام مليونين من السكان ممَن يعيشون تحت إغلاق خانق نحو 12 سنة. يمكن للجيش الإسرائيلي أن يعاقب، أن ينتقم، أن ينغص عيش السكان بل حتى أن يحتل القطاع، ولكنه لا يمكنه أن "ينتصر" على شعب يعيش ضائقة عميقة. والآن، دفع أربعة إسرائيليين آخرين بحياتهم ثمن سياسة انعدام السياسة لدى نتنياهو". وتابعت الصحيفة "كان لبنيامين نتنياهو عدد لا يحصى من الفرص لتبني هذه المفاهيم، ليدفع إلى الأمام بالتسهيلات في الإغلاق، وليسمح بدخول الأموال ومواد البناء الضرورية لإنتاج بنية تحتية اقتصادية مناسبة يمكنها أن تقلص الدوافع للخروج إلى مواجهة عنيفة ضد إسرائيل. صحيح أنه حتى الرفاه الاقتصادي لا يمكنه أن يحل محل التطلع الفلسطيني لإقامة دولة مستقلة. ولكنه يمكنه أن يخلق وضعاً راهناً معقولاً ميّز على مدى فترة طويلة منظومة العلاقات بين الضفة وإسرائيل. فضّل نتنياهو التعلق بضغوط السياسيين، التي جاءت أساساً من اليمين المتطرف، كحجة اتخاذ "سياسة صفر المبادرة" والاعتماد على الوساطة المصرية. ولكن تكتيك إطفاء الحرائق الذي اتخذه، بعيد كثيراً عن سياسة المدى البعيد. في هذه المعادلة كل صاروخ وبالون متفجر، كل خطوة أو عملية خرجت من القطاع جعلت حتى "المبادرات الطيبة الإنسانية" رهائن".

المزيد من الشرق الأوسط