Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة مع الفلاسفة في علم الأخلاق (الحلقة الرابعة)

لا تكتمل السعادة الإنسانية بحسب تصور ابن سينا من دون إصلاح الجزء العلمي من النفس

يقسم ابن سينا اللذات إلى أربعة أنواع (غيتي)

عرضنا في الحلقة الماضية مفهوم الأخلاق عند الفارابي، وعلى الرغم من تأثره الواضح بأفكار أرسطو، لكن رؤيته الإسلامية ونهجه الصوفي بانا في تصانيفه الأخلاقية أيضاً، خصوصاً في تناوله معنى السعادة في الحياة الدنيا، والسعادة في الحياة الآخرة، ومفهوم اللذة الجسدي الحسي والعقلي الفكري.

ابن سينا (370-428 ه/980-1037 م)

كتب ابن سينا رسائل عدة، منها "رسالة في علم الأخلاق" و"رسالة في العهد" وغيرها، إذ يرى أن الأخلاق جمع خُلق، وهي هيئة تحدث للنفس الناطقة من جهة انقيادها للبدن وغير انقيادها له، والعلاقة التي بين النفس والبدن توجب بينهما فعلاً وأفعالاً، فالبدن والنفس يقتضيان أموراً مضادة لكثير منهما، تارة تحمل النفس على البدن فتقهره، وتارة تسلم للبدن فيمضي في فعله، وإذا تكرر تسلمها له حدثت من ذلك هيئة إذعانية للبدن حتى يعسر عليها بعد ذلك ما إن لا يعسر قبل من ممانعته وكفه عن حريته، وإذا تكرر قمعها له حدث منه في النفس هيئة استعلائية عالية يسهل بذلك مفارقة البدن في ما يميل إليه ما كان لا يسهل. فسعادة النفس في كمال سعادتها هي صيرورتها عالماً عقلياً، وسعادتها أن تكون لها الهيئة الاستعلائية. 

بالنسبة إلى ابن سينا، فإن البدن المتمثل بالقوى الجسدية والنفس بالقوة العقلية، يوجبان علينا أن نتصور نسبة الأمور إلى الموجودات المفارقة، فنستعد بذلك للاستكمال الأكمل عند المفارقة، وأن نحتال في أن لا تتعلق بالنفس هيئة بدنية، وذلك بأن نستعمل هذه القوى على التوسط. أما الشهوة فعلى سيرة العفة، وأما الغضب فعلى سير ة الشجاعة، ومن فارق الحياة وهو على هذه الحال، اندرج في اللذة الأبدية ونال السعادة الحقيقية وانطبعت فيه هيئة الجمال الذي لا يتغير، مشاهداً فيه الحق الأول وما يصدر عنه. 

فالسعادة الإنسانية، بحسب تصور ابن سينا، لا يمكن أن تكتمل من دون إصلاح الجزء العلمي من النفس، وذلك بأن تحصل ملكة التواصل بين الخلقين الضدين النفسي والبدني. فالقوى الناطقة تحصل فيها هيئة الاستعلاء، أما القوى الحيوانية فتحصل فيها هيئة الإذعان فقط. وبذلك إذا قويت القوى الحيوانية وحصلت لها ملكة استعلائية حدث في النفس الناطقة هيئة وأثراً انفعالياً يرسخ في النفس الناطقة، ومن شأن ذلك أن يجعلها خاضعة للبدن شديدة الانصراف إليه.

وعن ملكة التوسط، فهي تنزيه النفس الناطقة عن الهيئات الانقيادية، وإبقائها على جبلتها مع إفادة هيئة الاستعلاء والتنزيه، وذلك غير مضاد لجوهرها ولا مائل بها إلى جهة البدن، بل عن جهته، فإذا فارقت البدن وفيها الملكة الحاصلة بسبب الاتصال بالبدن، كانت قريبة النسبة من حالها وهي فيه. 

ومن هنا، ينصح ابن سينا المعتني بأمر نفسه، أن يكمل قوته النظرية بالعلوم والمعارف، وتكميل قوته العملية بالفضائل التي أصولها العفة والشجاعة والحكمة والعدالة وتجنب الرذائل التي بإزائها، وعليه أن يمنع كل ما يخالف جوهره الذكي من شهوة أو غضب أو حرص أو طمع، ويحجر على النفس ما لا ينبغي، ولا يتعاطى إلا الفكرة في جلال الملكوت وجناب الجبروت حتى يصير تخيل الواجب والصواب هيئة نفسانية فيه. وكذلك يجب أن يهجر الكذب قولاً وتخيلاً حتى تحدث للنفس هيئة صدوقة، وأن يجعل حب الخير وعشق الأخيار وحب تقويم الأشرار وردعهم أمراً طبيعياً جوهرياً فيه، ويحتال حتى لا يكون للموت عظيم خطر عنده، وذلك بكثرة تشويق النفس إلى المعاد وإخطارها بكل الفساد في البال، حتى لا يتمكن العناد.   

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما عن اللذات، فيقسمها ابن سينا إلى أربعة أنواع، عقلية وحسية وسامية وخسيسة. الأولى، هي كمال العقل بحصوله على المعقولات، إذ تصير النفس الناطقة عالماً عقلياً بالفعل. والثانية، هي كمال الحس بالمحسوسات الملائمة. أما الثالثة، فهي التي تلائم النفس المدركة للكمال، ذلك الكمال الأتم والأوفى والأثبت. وأخيراً الرابعة، وهي أفعال البدن السافلة، التي يطلبها كما تطلبها البهائم. 

بمعنى آخر، اللذة عامة تقوم في الشعور بالكمال، وإن لم يكن شعوراً بالكمال لم تكن لذة، وبما أنه توجد لذتان عقلية وحسية، فكذلك توجد سعادتان دائمة وموقتة، الأولى هي اللذة الحسية الخسيسة، والأخرى هي اللذة السامية. وعليه، فالناس بالنسبة إلى السعادة فئتان، فئة تطلب السعادة الخسيسة كما عند الحيوان، وفئة تطلب السعادة العقلية التي تفوق الأخرى بقدر ما تفوق النفس والبدن. وما السعادة السامية إلا مشاركة للملأ الأعلى في ملذته العقلية الأبدية، والإنسان يستطيع في هذه الحياة أن يبلغ السعادة السامية إذا حصل من العلوم النظرية والعملية قدراً كبيراً، وإذا تحلى بالفضائل. وسعادة النفوس بعد الموت هي السعادة السامية النامية للنفوس التي أصبح عندها الكمال ملكة، فكانت مكملة بالمقولات متحلية بالفضائل. وكذلك تفوز النفوس الجاهلة بشيء من تلك السعادة السامية، إذا لم تكن مقيدة بملذات البدن الحسية، لأن النفوس في عالمها الآخر تنتقل إلى ما كانت متعلقة به وإلى ما كانت تصبو إليه.  

ويرى ابن سينا أنه يجب استعمال الفضائل على صلاح الطبيعة، وإبقاء الشخص أو النوع أو السياسة، على أن يكون هذا خاطراً عندما يستعمل في البال، وتكون النفس الناطقة هي المدبرة. وعن المشروب، فيجب أن يهجر تناوله تلهياً، ولا يستعمل إلا تشفياً وتداوياً وتقوياً. أما المسموعات فيديم استعمالها على الوجه الذي توجبه الحكمة لتقوية جوهر النفس وتأييد جميع القوى الباطنة، ولا يتعاطى في المساعدة الفاحشة ولا يغلظ بهجر، وعليه أن يحفظ سر كل أخٍ ويفي بما يعد، ويركب بمساعدة الناس كثيراً مما هو خلاف طبعه، ثم لا يقصر في الأوضاع الشرعية، وتعظيم السنن الإلهية والمواظبة على التعبدات البدنية، ويكون دأبه ودوام عمره تطرية الزينة في النفس والفكرة. 

هذه مجمل الأخلاق عند ابن سينا، إذ لا يبتعد فيها عن نظريات وأفكار أرسطو من جهة، وحذو الفارابي في تحقيق السعادة ونفحات دينية وصوفية من ناحية أخرى. وفي كل الأحوال، الأخلاق عند ابن سينا هي امتداد لنهجه العام في الفلسفة ذات السبك الهادف إلى وحدة ما يطرحه، وإن عبارة "تطرية الزينة في النفس والفكرة" توضح مدى اهتمام ابن سينا بوحدة فكره.

المزيد من آراء