Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتعاش قطاع الوظائف في أميركا... والبطالة في أدنى مستوى تاريخي  

 أزمة البحث عن عمالة باتت تثير قلق الشركات بسبب تشدد الهجرة والعداء للمهاجرين

إذا كنتَ تسير في شوارع المدن الأميركية الرئيسية هذه الأيام، فستصادفك إعلانات المحال والمطاعم على الطرقات بحاجتها إلى موظفين. ففي كل شارع ستجد إعلانات “We are hiring” و“Help wanted” على أغلب واجهات المحال. حتى أن بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة لجأت إلى هذا الأسلوب للتبليغ عن وجود فرص عمل لديها، بعد أن استنفدت كل الطرق التقليدية من استخدام شركات التوظيف والإعلانات في وسائل التواصل الاجتماعي وموقع الشركة وحسابها على "LinkedIn"! وبعض المحال أخذت تتفنن في أسلوب الإعلان، كوضعه بالألوان أو بأسلوب ولغة مختلفة لجذب المارة على الطريق، لعلها تجد في ذلك مخرجا لأزمة البحث عن الموظفين في ظاهرة لم تشهدها الولايات المتحدة الأميركية منذ 20 عاما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

البطالة الأدنى

ويختصر هذا الواقع ما صدر أمس من بيانات رسمية عن سوق العمل الأميركية حيث تراجعت البطالة لأدنى نسبة منذ العام 1969 مسجلة 3.6% خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي، حيث أضاف سوق العمل الأميركية نحو 263 ألف وظيفة جديدة.

ويدور جدل واسع في السوق الأميركية حاليا حول أزمة اقتصادية معاكسة لكل الأزمات التقليدية، وهي الوظائف الكثيرة التي لا تقابلها عمالة لتغطيتها، وهو أمر أتى بأمور عكسية في بعض المدن الكبيرة، كإغلاق محال عدة لنقص العمالة أو لعدم القدرة على استقطاب عمالة ماهرة، حيث تتم المنافسة على العمالة الجيدة والماهرة، كما أدى إلى ضعف الخدمة في بعض الشركات والمحال.

وأدى التنافس إلى ارتفاع الأجور، وخلق أزمة أخرى للشركات غير القادرة على زيادة الرواتب. وتكشف الأرقام الرسمية عن ارتفاع متوسط الأجر لدى القطاع الخاص بنسبة 3.2% للساعة في أبريل الماضي، مقارنة مع أبريل 2008، علما بأن الأجور كانت قد ارتفعت في أبريل 2018 بنسبة 2.8% مقارنة مع السنة السابقة.

ولهذه الأسباب هناك محال أغلقت أبوابها، حيث يمكنك أن ترى أيضا في الطرقات إعلانات عن تصفية المحال بغرض الإغلاق، أو ازدياد عدد المحال والمكاتب المعروضة للإيجار. 

تناقضات اقتصادية

ولم تشهد الأسواق الأميركية مشكلة متعلقة بالنمو الاقتصادي كما تحدث الآن، لكن البحث في تفاصيل المشكلة يكشف عن خلفية سياسية لهذا التناقض الحاصل: اقتصاد قوي ونقص في العمالة.

ففي العام الماضي بدأت إدارة ترمب تنفذ القانون الذي اقترحته بخفض ضرائب الشركات من 35% إلى 21%، وهو ما أسهم في قفزات في أسعار أسهم الشركات في البورصات الأميركية على مدار العام الماضي وحتى الآن، بفضل توقعات المستثمرين بتسجيل الشركات أرباحا أعلى.

ودعم ذلك الاقتصاد القوي أساسا، حيث يدخل الاقتصاد في أطول فترة نمو على الإطلاق لمدة عشر سنوات متواصلة في يوليو (تموز) المقبل. وكان الناتج المحلي سجل في الربع الأول من هذه السنة نموا بنسبة 3.2%.

مشكلات الشركات

من ناحية أخرى، تكشف الشركات عن مشكلات رغم هذا النمو، وهي النقص في قوى العمالة وعدم القدرة على استقطاب العمالة من الخارج بسبب سياسات إدارة ترمب المتشددة ضد المهاجرين. وهذا الواقع يشمل الشركات الكبيرة والصغيرة معا، حتى أن كبرى البنوك تشتكي هذا الأمر الذي يضعف تنافسيتها. وكان الرئيس التنفيذي لأكبر بنك أميركي "جي بي مورغان" جامي ديمون الذي يعتبر من أهم التنفيذيين في البنوك الأميركية، كتب في المذكرة السنوية الموجهة للمستثمرين في أبريل من العام الماضي كلمة وجهها للرئيس ترمب ونقلتها الصحف، طالبه فيها بالعودة إلى المبادئ الأساسية التي قام عليها الاقتصاد الأميركي والدولة عموما المبنية على فتح الباب أمام المهاجرين وحرية العمل والفرص والحلم الأميركي. وحتى أنه طالبه بمنح حق الإقامة القانونية والجنسية للعمال غير الشرعيين الذين يجتهدون ويعملون ويضيفون للاقتصاد، حيث إن بعضهم يحتاج إلى 15 سنة لكي يصبح قانونيا رغم أن نصفهم يدفعون الضرائب. كما قال في مذكرته أن 40% من الطلبة الذين يدرسون في الجامعات الأميركية، وعددهم 300 ألف طالب سنويا، ويحصلون على درجة عالية في العلوم والرياضيات والتكنولوجيا لا يجدون طرقا قانونية للبقاء في الولايات المتحدة، رغم ما أنفقوه في سنوات الجامعة والتدريب الذي حصلوا عليه.

أزمة التوظيف

وفي ملتقى جمع نخبة من مديري التوظيف في كبرى شركات التوظيف في سان فرانسيسكو تحت عنوان  Recruiters help recruiters  حضرته "إندبندنت عربية" كانت أحاديث هؤلاء المديرين تتركز على أزمتين رئيسيتين تواجهان سوق العمل؛ عدم وجود عمالة قادرة على تغطية الطلب العالي من الشركات بمختلف أحجامها، وصعوبة الإجراءات لاستقطاب العمالة من الخارج بسبب سياسات حكومة ترمب التي صعبت شروط تأشيرات الأعمال.

وكانت الحكومة شددت من شروط إعطاء تأشيرات أو إقامة عمل، وعلى رأسها برنامج تأشيرة H1B التي كانت تسهل قدوم الكفاءات من أصحاب الشهادات العليا الجامعية والماجستير والدكتوراه، حيث تمنح دائرة خدمات الهجرة والجنسية الأميركية سنويا نحو 85 ألف دولار من هذه التأشيرة كإقامة عمل يمكن تحويلها إلى "غرين كارد" بحسب تقرير لمجلة فوربس. وقبل حكومة ترمب، استفاد كثير من الطلاب الذين درسوا في جامعات أميركا بموجب تأشيرة F1 بتحويل تأشيرتهم إلى H1B  بعد تخرجهم وتدربهم في السوق الأميركية. وبات شروط منح تأشيرات الأعمال أكثر تعقيدا وتمنح لفئات من الكفاءات الاستثنائية.

الأميركي أولا

وركزت حكومة ترمب على ما يعرف بحملة "اشترِ الأميركي ووظف الأميركي" أو “Buy America, Hire American” وهي حملة أضافت قيوداً كثيرة لاستقطاب العمالة الأجنبية، وهو ما دفع الشركات للبحث عن عمالة محلية لديها أوراق نظامية بدلا من الدخول في دوامة طويلة وتكاليف باهظة لاستقطاب موظف من الخارج.

وحاولت بعض الشركات البحث عن موظف من الخارج، حيث لجأت بعض الشركات الكبيرة، خصوصا في قطاع التكنولوجيا، إلى نظام التعاقد عن بُعد أو نظام التعاقد مع موظفين من الخارج لتنفيذ مشروعات مؤقتة، حيث يأتي هؤلاء بنظام تأشيرة B1 وB2 وهي تأشيرة سياحية وعمل مؤقت بنفس الوقت تسمح بالبقاء في الولايات المتحدة لمدة 6 أشهر.

لكن الوضع كان أصعب على الشركات الصغيرة والمحال والمطاعم وقطاعات التجزئة التي تحتاج لعمالة دائمة لتلبية حاجة الزبائن. وكانت هذه القطاعات تستفيد من العمال المؤقتين أو اليوميين، وأغلبهم من العمالة غير النظامية Undocumented Workers التي تأتي معظمها من أميركا الجنوبية وتعبر الحدود بتأشيرة سياحية وتقوم بأعمال لمدة 6 أشهر. لكن بسبب سياسة العداء للمهاجرين، والتشدد الأمني الحاصل على الحدود لمنع عبور المهاجرين والرقابة المشددة في بعض الولايات على المحال الصغيرة والمطاعم التي توظف عمالة غير نظامية، أدى إلى زيادة الضغوط على هذه المحال لإيجاد عمال وموظفين لديهم إقامات عمل أو غرين كارد أو مواطنين أميركيين. ولأن الأجور في هذه المحال هي بالحد الأدنى لساعة العمل حسب كل ولاية، فإن الموظفين يسعون لفرص أخرى دائما ولا يلتزمون بمكان واحد، ما يضع ضغوطا على سير الأعمال في المحال والشركات الصغيرة التي تجد نفسها أمام أزمة نقص العمال وعدم قدرتها على تلبية حاجة الزبائن وضعف في الخدمة.

إنتاجية أقل

ويتخوف كثيرون الآن من انعكاس أزمة سوق العمل على جودة السلع والخدمات الأميركية وعلى الإنتاجية نفسها وضعف نمو الاقتصاد. وكان الاقتصاد الأميركي قد نما بوتيرة نسبتها 2.2% في الربع الأخير من العام الماضي، ونزل النمو من ذروة بلغت 4.2% في الربع الثاني من 2018. وربما يفسر ذلك لماذا ثبت البنك المركزي الأميركي أسعار الفائدة الأسبوع الماضي عند مستوياته الحالية 2.25 ــ 2.50% رغم النمو المتواصل للاقتصاد، حيث إن "المركزي" يراقب أن هذا النمو لا يصاحبه زيادة في الإنفاق، فقد ظل التضخم ضعيفا عند 1.5%، وهو أقل من النسبة التي كان يتوقعها الفيدرالي الأميركي عند 2%.

المزيد من اقتصاد