بعد شهر على معركة طرابلس... مراوحة عسكرية وحوار مقطوع

المنتصر في حرب طرابلس هو من سيحدد ملامح مستقبل هذه البلاد خلال السنوات القليلة المقبلة

دخان يتصاعد من العاصمة طرابلس نتيجة المواجهات بين المسلحين وقوات حفتر (رويترز)

ثلاثون يوماً من المعارك والقصف المتبادل خلّفت أعداداً هائلة من القتلى والجرحى... قرابة 1400 قتيل و1940 جريحاً في ليبيا، منذ بدء العملية العسكرية للجيش في العاصمة طرابلس في الرابع من أبريل (نيسان) 2019، بحسب آخر حصيلة لمنظمة الصحة العالمية أصدرتها يوم الجمعة الثالث من مايو (أيار)، بينما قالت اليونيسف في تقرير لها إن "حوالي مليوني شخص متأثر بالحرب في طرابلس خلال أبريل من بينهم 500 ألف طفل، فضلاً عن أربعين ألف نازح من منازلهم".

هذه الأرقام هي حصيلة شهر واحد من الاشتباكات العنيفة في ضواحي العاصمة وعلى مشارفها، من دون رجحان كفة طرف على خصمه، ما جعل الكثيرين يطرحون أسئلة عدة حول المدة التي قد تستغرقها هذه العملية والثمن الذي سيدفع خلالها من الأرواح والممتلكات، وهل قتلت شرارتها الأولى أية فرصة للعودة إلى طاولة الحوار من جديد، خصوصاً مع تلاشي فرص التوصل إلى توافق دولي للضغط على الأطراف كافة، للجلوس إليها من جديد؟

السراج: لا عودة إلى الحوار

وحمّل رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، مسؤولية ما يحدث في طرابلس، معتبراً عملياته العسكرية وأداً لكل حل سياسي ممكن، قائلاً إنها "أحدثت خلخلة أمنية أعادت من جديد بؤراً إرهابية، كانت تحت السيطرة"، مضيفاً أن "المشير خليفة حفتر يتحمل مسؤولية ذلك"، وأكد أنه "لن يعاود الحوار مع حفتر بعد حرب طرابلس لأنه جلس معه في ست جولات حوارية، واكتشف في نهاية المطاف أنه كان يماطل لكسب الوقت فقط".

وأضاف في تصريح صحافي "الهجوم العسكري على طرابلس نسف المؤتمر الوطني الجامع والعملية السياسية، وأحدث ضرراً كبيراً جداً في النسيج المجتمعي، وهذا أخطر وأكثر تأثيراً من الأضرار الماضية، وأحدث هوة بين مكونات المجتمع الليبي، بهذه الأعداد من القتلى والجرحى والمدنيين الذين زجّ بهم في هذه المعركة، وهذا كله سيستغرق وقتاً طويلاً لإصلاحه، وما جرى أرجعنا إلى المربع الأول، بعدما كنّا على مقربة من الحل".

حرب بلا هوادة

ويرى الكاتب الصحافي الليبي عمر الجروشي أنه "بعد خمسة أسابيع من انطلاق معركة تحرير طرابلس ﻻ يلوح في الأفق نهاية للاقتتال"، فحكومة السراج يراها "واقعة تحت ضغط الطيف الميلشياوي وتيار الإسلام السياسي، وصدى رغبات هذا الطيف بأن لا حديث عن وقف إطلاق النار قبل عودة الجيش إلى مقاره في المنطقة الشرقية في ليبيا، وأن أي مفاوضات يجب ألا يكون حفتر طرفاً فيها". ووصف الجروشي هذه الشروط بـ "التعجيزية التي تقود إلى حرب اجتثاث لا هوادة فيها، إﻻ إذا كانت هناك نوايا دولية صادقة تجاه مستقبل ليبيا".

هل من منتصر؟

قال المحلل السياسي الليبي أحمد العبود "إن الجيش الوطني الليبي يسير بالعملية العسكرية وفق خطة مدروسة، اعتبرها عملية استنزاف واستدراج للمليشيات المسلحة خارج حدود طرابلس، لتجنيب المدنيين ويلات الاشتباكات المسلحة، معتبراً أنه قادر على حسمها، لكنه لا يريد انتهاك المواثيق الدولية الخاصة بحماية المدنيين، لأن هدف الجيش هو تحرير طرابلس من سطوة المليشيات التي اختطفتها بكل مؤسساتها لسنواتٍ ثمانٍ، وحماية الناس من تسلطها وليس التسبب بالضرر لهم".

وفي المعركة السياسية أكد العبود أن "الجيش متقدم فيها على خصمه، بسبب نجاحه في إقناع المجتمع الدولي بأهداف عمليته العسكرية، وهي الوصول إلى دولة مستقرة ذات سيادة لا تشكل تهديداً إرهابياً للعالم بعامة ومحيطها الإقليمي بشكل خاص، بعد نجاحها في محاربة الإرهاب شرق ليبيا وجنوبها، وتأمين المورد الاقتصادي المهم بالنسبة إلى ليبيا وكثير من الدول الغربية الكبرى، وتأمين الحدود الليبية المنفلتة منذ سنوات".

وحول انعكاس هذه الحرب على المستقبل السياسي للبلاد قال العبود "أن لا مستقبلَ سياسياً لبلد تسيطر عليه المليشيات، فحتى لو نُظمت انتخابات ستمارس الإرهاب والضغط والتهديد على الناخبين، ليختاروا من تريد، وإذا لم تعجبها النتائج ستخرج بالسلاح لتُسقط العملية الديمقراطية، أو تفرض إرادتها على السلطات في طرابلس، وكل ذلك عاشه الليبيون في تجارب انتخابية سابقة". لذلك يرى العبود أن "القضاء على المليشيات هو الخطوة الأولى لتمهيد الطريق نحو التحول الديمقراطي في ليبيا".

وبين هذا الرأي وذاك، يستمر السجال السياسي والصراع العسكري في ليبيا، من دون وجود بوادر للعودة من جديد إلى الحوار السياسي والتفاهمات، بعد أن قال السلاح كلمته. ويبدو أن المنتصر في معركة طرابلس هو من سيحدّد ملامح مستقبل هذه البلاد خلال السنوات القليلة المقبلة.

المزيد من العالم العربي