Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السيارات في لبنان... قطع خردة مستقبلية

مشهد جديد في الطرقات حيث يتراجع البذخ لصالح الوظيفة الحقيقية لوسيلة النقل

صيانة السيارة عبء وكابوس على اللبنانيين (اندبندنت عربية)

ليس على اللبناني هذه الأيام سوى الدعاء بأن لا تتعطل سيارته، بسبب ارتفاع كلفة صيانتها بشكل غير مسبوق في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تشهده البلاد.

ارتفاع أسعار قطع تبديل السيارات تأثر بارتفاع سعرف صرف الدولار في السوق السوداء حيث يصل إلى عتبة 13 ألف ليرة لبنانية. كما أن ضغط الأزمة دفع المواطن للمحافظة على سيارته القديمة، وهو الذي كان يفاخر بشراء السيارات الجديدة. فخلال شهري يناير (كانون الثاني)، وفبراير (شباط) 2021، بيع في لبنان 62 سيارة جديدة فقط، مقابل 1876 سيارة خلال الفترة نفسها من العام 2020. وفي عام 2019 استورد لبنان 21991 سيارة جديدة بقيمة 290 مليون دولار، مقابل 6152 بقيمة 82 مليون دولار 2020 بحسب "الدولية للمعلومات". 

يبشّر هذا الأمر بترشيد السلوك الاقتصادي اللبناني، وبالانتقال إلى مشهد جديد في شوارع وطرقات لبنان حيث يتراجع البذخ لصالح الوظيفة الحقيقية لوسيلة النقل. ولكن التخوّف يزداد من تكرار مشهد بعض الدول الاشتراكية القديمة، التي شهدت إنغلاقاً مؤقتاً على العالم، فهناك توقف الزمن للوهلة الأولى عند "الموديلات الكلاسيكية" للسيارات، واتجه مواطنوها للتعديل على حساب التحديث. فعندما انفتح العالم جزئياً على كوبا، وجد الزوار فيها بلاداً تعيش على أسطول قديم من السيارت. كما أن اللبناني الذي كان يزور سوريا في سنوات التسعينيات من القرن الماضي، كان يشعر بالفارق الزمني والتحديثي بين المواطنين في الدولتين الجارتين. 

السيارات بخطر

يشتهر المواطن اللبناني بتنقله بسيارته الخاصة، ولا يستخدم النقل العام إلا في حالات استثنائية. أسهم هذا الأمر في عدم السعي لتطوير النقل المشترك، واستحداث خطوط دائمة وثابتة في مختلف المناطق. في المقابل، فتح الباب أمام زيادة أعباء النقل على اللبناني الذي يتحمل عبء أزمة المحروقات، وضغط ارتفاع سعر صرف الدولار الذي ينعكس مباشرة على ثمن قطع التبديل المستوردة من الخارج بالكامل. 

على غرار الكثير من المواطنين، ينتقل (الأستاذ حسان) بسيارته من حيث يقطن إلى مركز عمله الذي يبعد حوالى 50 كيلومتراً عن مكان سكنه، وعندما بدأت سيارته تعاني من بعض الأعطال اضطر للغياب عن عمله من أجل البحث عن ميكانيكي يُصلح الخلل، لكن ثمن القطعة التي كان يجب تغييرها بلغ 100 دولار أميركي أي ما يبلغ حوالى مليون و 300 ألف ليرة لبنانية، وهو مبلغ يوازي ضعف الحد الأدنى للأجور تقريباً، الذي يساوي 675 ألف ليرة. 

يشير حسان إلى أنه اضطر لتغيير قطع أخرى مقابل 10 دولارات، ناهيك عن تكلفة وأجرة الميكانيكي، منوهاً بأن تصليح السيارات يحصل بصورة دورية وعليه فإنه يقضم الراتب بالكامل.

هذه التجربة ليست استثناء، ففي كل يوم يجد اللبناني نفسه بين خيار التخلُّف عن عمله والجلوس في منزله، أو الإنفاق بسخاء على سيارته، في زمنٍ هو في أمس الحاجة فيه إلى المال. وفي هذا الإطار يمكن استعراض تجربة سامي، وهو معلم بلاط، منذ سنوات خصّص سيارة دفع رباعية من أجل نقل عمال الورش والعدة. أخيراً، تعرضت علبة غيار السرعة إلى عطل. وعلم أن كلفة العلبة المستعملة تصل كلفتها إلى ثلاثة ملايين ليرة لبنانية، فحاول تأجيل تصليحها والاستعاضة عنها بحلول ثانوية، إلا أنه اضطر إلى تغييرها. يقول إنه "ركّب قطعة معدلة للمرة الأولى، إلا أنها لم تصلح للعمل. ثم قام بتبديلها للمرة الثانية". ويشير إلى أنه "دفع المبلغ الذي كان يدخره على التصليح"، ولكنه يجد نفسه مضطراً من أجل الاستمرار في العمل بالحد الأدنى من أجل العيش. 

من جانب آخر، هناك الكثير من اللبنانيين الذين امتنعوا عن تصليح سياراتهم إلى حين "حلحلة الأوضاع والفرج" لأنه وبكل بساطة من لا يملك الدولار في لبنان، ليس بإمكانه اقتناء سيارة وتأمين مستلزماتها، من هنا برزت المطالبة أخيراً في وقف المعاينة الميكانيكية للسيارات والتي تجري بصورة سنوية من أجل التحقق نظرياً من صلاحية وأمان العربات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قطع التبديل المستوردة

شكوى الزبائن لا تختلف عم شكوى التجار وأصحاب محلات بيع "قطع التبديل المستعملة". لعقود طويلة، شكل هؤلاء متنفساً للبناني لأنهم يستوردون بعض القطع من أوروبا والخارج، ويبيعونها بأسعار معقولة مقارنة بالقطع الجديدة. يؤكد أحمد حمد (مسؤول في أحد المتاجر) أن "الدولار خنق الجميع"، موضحاً أن "الاستيراد أصبح صعباً على كافة التجار لأنهم وضعوا أرباحهم في البنوك، وقامت تلك المؤسسات المصرفية باحتجاز أموالهم، لذلك بدأ التجار بالعمل من الصفر لمراكمة رأسمال جديد لشراء البضاعة". 

يعتمد تجار قطع التبديل والأكسسوار "المحاصرون بنكياً" على بيع ما تبقى في مستودعاتهم من بضاعة. وينوّه عبدالله أنهم "يحاولون البيع بالرأسمال مع ربح محدود لأن رسوم الجمارك على سعر الصرف الرسمي (1500 ليرة مقابل الدولار الواحد)"، مدافعاً عن بيع القطع وفق دولار السوق السوداء، بأن "التجار يدفعون ثمن قطع التبديل في الخارج بالدولار الأميركي وليس بالعملة الوطنية، كما أنه "من أجل الذهاب للخارج والعودة ببضائع جديدة، لم يعد بالإمكان البيع بالعملة المحلية". 

يؤدي ارتباط التسعير بسعر صرف الدولار إلى إمكانية تبدل الأسعار من يوم إلى آخر، وفق سعر الصرف في السوق الموازية. ويتعاطف أحمد حمد مع المواطن لأن "من تتعرض سيارته لحادث بسيط سيجد نفسه أمام عبء كبير، ويعطي على ذلك مثال الضوء الأمامي الذي كان الثمن الوسطي 100 ألف ليرة لبنانية، أما الآن أصبح ثمنه 50 دولاراً أي حوالى 650 ألف ليرة". 

يتحدث حمد عن تراجع في السوق، ففي الماضي كان المواطن يشتري قطع التبديل من دون تردد، أما الآن فهو يبحث عن حلول رديفة. فالزبون الذي كان يشتري غطاء محرك جديداً بدلاً من الغطاء الذي تضرر قليلاً جراء تعرضه لصدمة، يتجه الآن إلى حلول بديلة نفقتها أقل.

يعتقد حمد أن موظفي القطاع العام هم أكثر المتضررين لأن راتب أحدهم لا يتجاوز 100 أو 150 دولاراً، فكيف السبيل لتصليح السيارة، متوقعاً بتحوّل السيارات إلى خردة لأن "مشهد السيارت القديمة في تزايد مستمر على الأرصفة وعلى أطراف الطرق والشوارع في طرابلس". كما أن البعض قد يبدأ بالبحث عن "فرط سيارته القديمة لبيعها خردة". 

كابوس الدواليب والزيت

لا تتوقف المعاناة اللبنانية عند مستوى قطع "الفرط"، وإنما تتجاوزها إلى تغيير الدواليب وزيت المحرك. يخبرنا سائق سيارات السباق عمر حلبي وصاحب محل تصليح في طرابلس عن تجربة اللبناني مع "غيار الزيت والدواليب" فيبلغ الثمن الوسطي لكيلو الزيت 85 ألف ليرة، وتحتاج السيارة بين 3 و 8 ليترات بحسب حجم المحرك، كما يبلغ ثمن الفيلتر 50 ألف ليرة لبنانية. أما الطامة الكبرى فهي عند الإطارات والدواليب، لذلك فهناك اتجاه متزايد لشراء الإطارات الصينية التي يتراوح سعرها بين 25 و 50 دولاراً، أما الإطارات الأوروبية واليابانية فسعرها يتضاعف. ويشبّه حلبي سوق قطع التبديل بالبحث عن الدواء البديل، كاشفاً عن بدء مرحلة بعض المحلات ببيع القديم حيث يتم "تركيب الإطارات المستعملة التي يتم تنظيفها وطليها من أجل إعطاء مظهر مقبول". ويحذر من تأثير ذلك، قائلاً "طرقاتنا بحالة سيئة، إذا ركبت إطارات جديدة، فأنت أمام خطر فما بالك بالنسبة للإطارات المستعملة؟". 

شكل انكفاء المستهلك عن دائرة تركيب الإطارات ذات النوعية العالية عاملاً مؤثراً في المؤسسات التي تبيعها. يؤكد حلبي أنه يحاول توجيه نشاطه نحو نشاطات جديدة ومستدامة لأنه "سائق سباقات، ولا يبيع الإطارات التي لا يركبها لسيارته". 

يقارن حلبي بين الماضي والحاضر، ففي الماضي كان يأتي الزبون ولا يتردد في طلب تبديل طقم الإطارات كاملاً، ذلك أن الموظف الذي كان دخله مليوني ليرة لن يتردد بدفع 200 دولار على سعر الصرف القديم، أما الآن فالزيارة غالباً تكون للسؤال.

ويقر أن "الوكلاء وأصحاب المستودعات الكبيرة جنوا أرباحاً طائلة بسبب البيع حصراً بالدولار لأنهم اشتروا على الثمن القديم"، إلا أن أصحاب المتاجر ربحهم محدود بعدد الأطقم الموجودة لديهم لأن "التاجر الوكيل يطالب بالدولار ولا يقبض باللبناني". 

سيارات السباق من الماضي

تنسحب الأزمة على هواة سيارات السباق حيث ترتفع أثمان الأجزاء الخاصة بها. فدولاب السباق يعادل 330 دولاراً، كما يحتاج السائق إلى تعديلها، صيانتها، تركيب الأحزمة، الكراسي التي يجب تغييرها كل أربع سنوات، بالإضافة إلى أجور فريق الصيانة، الاشتراك في النادي، والتجهيزات الوقائية والسلامة الشخصية من قبيل البدلة المقاومة للنار والحرارة، والخوذة الواقية التي يتجاوز سعرها الألف دولار أميركي. 

أمام هذا الواقع، يجد حلبي نفسه مضطراً للابتعاد عن الحلبة للسنة الثانية على التوالي، حاله حال جميع السائقين الذين لا يمتلكون رعاة رسميين، ولا يتمكنون من شراء سيارات حديثة ومتطورة، فالسائق اللبناني "تنحصر ميزانيته بإطارين سنوياً، أما الأجنبي والعربي يشارك في البطولات، وبحوزته فرق فنية، تجهيزات متطورة، وأعداد لا نهائية من قطع التبديل والإطارات".

المزيد من تقارير