أزمة النازحين في طرابلس… الحكومة الليبية عاجزة

يتولى المجتمع الأهلي في الغالب مساعدة الأسر التي اضطرت إلى ترك منازلها منذ بدء العمليات العسكرية

كثيرون من النازحين في ليبيا فقدوا الأمل في العودة إلى بيوتهم (أ. ف. ب)

"على الرغم من الآلام، إلا أنني أشعر بأنني مدين لأهل هذه المدينة، وقد وفّروا كل شيء لأسرتي، بل سيقوم السكان بجلب وجبات الإفطار يومياً لنا طوال الشهر من بيوتهم"، يقول صبري، الذي نزح مع أسرته إلى مدينة الخمس، من ضمن 52 ألف نازح أعلنت الحكومة عن تركهم بيوتهم جراء القتال الضاري الذي تشهده مناطق جنوب طرابلس.

صبري المقيم مع أسرته، المكوّنة من طفلين وزوجته، في مقرّ مدرسة بمدينة الخمس، مع 23 أسرة أخرى نزحت كلها من منطقة وادي الربيع، التي تعتبر مسرحاً للقتال بين قوات الجيش الوطني وقوات حكومة الوفاق منذ شهر. يعتاش مع أسرته وجيرانه من مساعدات الجمعيات الأهلية، التي تنشط بالتنسيق مع بلدية الخمس لتقديم المساعدات الإنسانية والدوائية للنازحين في خمسة مراكز إيواء فتحتها المدينة لاستقبالهم.

وأعلنت الحكومة في آخر إحصاءاتها، الأسبوع الماضي، عن نزوح 11 ألف أسرة من مناطق المواجهات المسلحة جنوب طرابلس، التي تحتوي على أكثر من 18 حياً سكنياً.

وعلى الرغم من إعلان الحكومة فتح خمسة مراكز إيواء للنازحين في مقرات المدارس ومقرّ جامعيّ في منطقة الفرناج وسط العاصمة، إلا أن مدناً أخرى مجاورة أعلنت عن استقبال أعداد من النازحين، يقدّر عددهم بحوالي 2000 نازح في زليتن (150 كيلومتراً شرق طرابلس) وفي مصراته وترهونة وغيرها.

قصص نزوح

ألم النزوح الذي يعيشه صبري لم يمنعه من مزاولة نشاطه السابق ضمن إحدى الجمعيات الأهلية. إذ قال إنه يوثّق من مقرّ نزوحه قصص النازحين وصورهم المختلفة. ويشير إلى أن "وجود أسرته وضرورة قربه من طفليه لتخفيف الصدمة عنهما حدّ من إمكان عودته إلى النشاط الخيري المدني"، لكنه "يستثمر وقته في مركز الإيواء في عمله الجديد".

وينقل عن أحد جيرانه أنه فقد الأمل في العودة إلى منزله، كونه أصبح مطلوباً لدى أجهزة أمن حكومة الوفاق بسبب موالاته الجيش، الذي خرج مرحباً به إثر وصوله إلى وادي الربيع. ويقول "جاري اليوم لم يعد نازحاً، بل مهجرّاً من بيته بسبب انسحاب الجيش من منطقته وسيطرة قوات الحكومة عليها". وهو اضطر إلى الهرب بعيداً من متناول أجهزة أمن الحكومة، تاركاً أسرته في مركز الإيواء.

أما المهدي البوسيفي، النازح الآخر مع أسرته في مركز إيواء في تاجوراء، الضاحية الشرقية لطرابلس، فيروي متحسّراً ظروف نزوحه بقوله "أنا في حالة نزوح منذ أربع سنوات، وقد اعتادت أسرتي على التنقل واستقبال أنباء الحرب والرصاص". ويوضح أنه نزح من سبها جنوب البلاد بسبب الحرب، ووصل إلى طرابلس التي تنقّل فيها أكثر من مرة نازحاً، بسبب المواجهات المسلّحة خلال الفترات الماضية.

ويضيف "طول مدة النزوح جعلت النازحين يبحثون عن بعضهم بعضاً في مراكز الإيواء، حتى لا نفقد الصلة ببعضنا بعضاً ويفقد أبناؤنا الصلة بثقافة مناطقهم وتقاليدها"، مشيراً إلى أن جنوب طرابلس تكوّن فيه، قبل اندلاع الحرب، ما يشبه مجتمعات المهجرين والنازحين.

وفي مفارقة عجيبة يذكر البوسيفي أنه "على الرغم من نزوحنا المستمر من منطقة إلى أخرى، إلا أن نساءنا استعدَدنَ داخل هذا المركز لإعداد وجبة الفتات، التي اعتدنا على الاجتماع عليها في أول أيام رمضان في مناطقنا الأصلية في الجنوب".

جهود أهلية

هناك العشرات من الأسر التي لجأت إلى السكن لدى أقاربها في مناطق مجاورة. كما أن لجاناً في بلديات بعض المناطق أطلقت نداءات لتطوع السكان لاستقبال النازحين في بيوتهم.

ويشير فرج عاشور، عضو لجنة الأزمة في بلدية مدينة مسلاته (100 كيلومتر شرق طرابلس)، إلى أن المدينة استقبلت حتى الآن ما يزيد عن 400 أسرة نازحة، غير أنه لا يشير إلى أن تذليل صعوبات استقبال النازحين تم بجهود فرق الكشافة وصندوق الزكاة الأهلية.

في المقابل، يشير محمد قريفة، عضو لجنة الأزمة في سوق الجمعة بطرابلس، إلى عجز حكومي عن توفير الظروف الملائمة لاستقبال النازحين. ويوجه "نداءً للمتطوعين وأهل الخير من أجل إعداد معهد تعليميّ     لاستقبال النازحين بشكل عاجل".

ويقول طارق بن سليم، الناشط في جمعية صُحبة السلام الخيرية، إن لجنة الأزمة في بلدية زليتن استقبلت أكثر من 2000 نازح بعضهم يسكن مدارس أو منازل أجرّتها لهم البلدية، لكن غالبيتهم استضافتهم أسر في منازلها إلى حين انتهاء أزمة النزوح.

ومن مفارقات ما رواه بن سليم أن "أسرة من تاورغاء استضافت أسرة نازحة"، معلقاً بالقول "لقد رأينا تضامناً عجيباً. فتاورغاء التي باتت قضية تهجيرها ونزوحها عالمية، لم يتمكن غالبية أهلها من الرجوع إلى مدينتهم بسبب تدميرها".

على الرغم من الجهود الحكومية التي أكدتها بيانات وزارة الداخلية ووزارة شؤون النازحين والمهجرين، اللتين ما زالتا تعلنان عن دراسة برامج وقرارات بشأن النازحين، إلا أن بن سليم يؤكد أن جهود معالجة أزمة النازحين تتولاها جمعيات أهلية وخيرية. وقال "بسبب الترابط الاجتماعي تنشط الجمعيات الأهلية في معالجة ظروف النازحين، وهي ليست المرة الأولى. فالحروب التي اضطرت الأهالي إلى النزوح من الجنوب والشرق ومن طرابلس عدداً من المرات أكسبتنا نسبياً الخبرة في توفير ما يحتاجه النازح".

وفي سياق تعويض الغياب والعجز الحكومي، انخرطت الحركة الكشفية في ليبيا في جهود استيعاب أزمة النازحين لتعويض الفراغ الذي تركه العجز الحكومي. إذ أطلقت برنامج "الدعم النفسي للنازحين" في محاولة تخفيف صدمة النزوح ومعاناة الأسر النازحة. ونشرت على صفحاتها في منصّات التواصل الاجتماعي برامج تنشيطية وترفيهية داخل مراكز الإيواء، وأعلنت عن استعدادها لإطلاق برامج أخرى للأطفال خلال شهر رمضان.

المزيد من العالم العربي