غزة تستعد لاستقبال رمضان بالقليل… من كل شيء

على الرغم من القصف الإسرائيلي نزل الغزاويون إلى الأسواق لممارسة بعض من طقوسهم الرمضانية

أحد بائعي المخللات في أسواق قطاع غزّة (أحمد حسب الله)

كان الصوت مرعباً. المنازل تهتزّ مع كلّ صاروخٍ إسرائيلي يسقط على غزّة، والانفجارات بدت صاخبة أكثر مما ينبغي، وقريبة في كلّ مكان. حافية القدمين ومسرعةً ذهبت مريم إلى حضن والديها. "متى يا بابا سنشتري مستلزمات رمضان، ممكن غداً أوّل يوم صيام". احتار والدها رامي كيف يردّ. "حاضر سأتجهّز الآن لنذهب إلى السوق".

المشهد في الشارع لا يبدو طبيعياً. الناس يهرولون. أصوات أبواق السيارات مرتفعة بعض الشيء. والخوف يعتلي ملامح المواطنين. كأنّ شيئاً أجبرهم على النزول إلى السوق، لشراء مستلزماتهم الأساسية استعداداً لشهر رمضان.

"هيا حبيبتي... اركبي في الكرسيّ الأماميّ". ثمّ شغّلَ رامي محرّك سيارته القديمة المتهالكة، وانطلق باتجاه السوق. وقال "عادةً لا يتأخر الغزيون في شراء مستلزمات رمضان، لكن هذا الشهر له نكهة مختلفة. فالموظف الحكومي، سواء كان تابعاً للسلطة الفلسطينية أو حكومة حماس، يتقاضى أقل من 50 في المئة من قيمة راتبه. ورمضان هذا العام جاء في بداية الشهر، ولم نستلم رواتبنا حتى الآن".

لم ينتهِ رامي من جملته، حتى سقط صاروخ هزّ أرجاء العمارة التي تسير السيارة جوارها. "صاروخ تحذيريّ من طائرة الاستطلاع، تمهيداً لنسف العمارة. فسياسة إسرائيل الجديدة هي تدمير المنازل الكبيرة". الوصول إلى السوق يحتاج إلى تسع دقائق، مرّت بتثاقل شديدٍ وخوفٍ على حياةِ مريم، التي ترافقه في معظم مشاويره.

الفوانيس

"بدي فانوس... بدي إياه بغني"، قالت مريم التي ركضت نحو أوّل بسطة فوانيس. قسمٌ منها مضيء، والآخر يُصدر مقاطع من الأغاني القديمة. ويُعد شراء الفانوس أحد الطقوس الرمضانية التي لا يمكن الاستغناء عنها.

وتنتشر في الحارات حملات شبابيةٌ لتزين شوارعها بفوانيس كبيرة مضيئة، كُتبت عليها عبارات التهنئة بالشهر.

المخلّلات

تجوّل رامي في زقاق سوق زاوية الهنود، أحد أقدم الأسواق الشعبية، الذي يشهد حركة نشطة قبيل رمضان. لكن التصعيد الإسرائيلي المستمر منذ أيّام على غزّة، جعل حركة المواطنين خفيفة. القصف ليس وحده السبب، بل سوء الأوضاع الاقتصادية أيضاً.

"كم سعر الزيتون"، يسأل رامي صاحب أحد المحال. إذ درجت العادة في شهر رمضان أن يشتري المواطنون المخلّلات (كالزهرة والكرنب والباذنجان والجزر والفجل والبصل والليمون والزيتون والفلفل الحار) كأحد أهم الأطباق على سفرة السحور والفطور. وتستهلك الأسرة الواحدة من هذا الصنف، في هذا الشهر، أكثر من ثلاثة كيلو غرام.

جولة سريعة في السوق، ممزوجة بالأخبار المتطايرة التي يتداولها البائعون إثر سماعهم مذيع الراديو، جعلت الحركة مختلفة تماماً. الكلّ يشتري مستلزماته الأساسية سريعاً، ويغادر.

حمل رامي أكياس الجبنة والحلاوة والمربى وبعض البهارات والمخلّلات وقليل من اللحوم، وبعض أنواع المشمش والتين المجفّف، والتمر بأشكاله وأحجامه. فكلها من السلع الأساسية التي تلزم الأسرة في سحور شهر رمضان وفطوره. "قلّصت كمية المواد... بما يتناسب وقيمة راتبي"، قال وتنفّس الصعداء.

مظاهر استقبال رمضان

وفق العادات في قطاع غزّة، فإنّه في الأيام العشرة الأخيرة من شهر شعبان تكثر زيارة الناس إلى الأسواق، لشراء كثير من الحاجات التي تُعوِزهم في رمضان. لكن هذا العام مختلف، مع دخول غزّة في جولة من التصعيد الإسرائيلي واستمرار القصف على جميع محافظات القطاع، ما أفقد رمضان تميّزه. ومن التقاليد تنظيم حملات نظافةٍ للأحياء السكنية أيضاً والتعاون في تزيين الشوارع.

لكن استهداف طائرات الجيش الإسرائيلي المباني السكنية حال دون ممارسة هذه الطقوس. فالناس خائفون من الخروج، أو من تعليق حبال الزينة، وحتى من النزول إلى الأسواق لشراء الفوانيس والمصابيح.

وعادةً ما تشتري الأسر في قطاع غزّة قبيل رمضان أنواعاً مختلفة من التمور والحلقوم والكثير من القهوة، التي تزين جلساتهم الليلة اليومية بعد صلاة التراويح. ويكثر شراء الكنافة النابلسية المشهورة، التي تعدّ من أكثر الأصناف أهمية في هذا الشهر. لكن محلات بيع هذه الأصناف شهدت حركة وُصفت بالخفيفة، نظراً إلى سوء الأوضاع الأمنية والاقتصادية.

المزيد من الشرق الأوسط