Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تفاصيل الحياة اليومية المفتقدة في زمن الوباء

الخوف من العدوى حرم كثيرين من متعة التسكع على غير هدى

ممارسات الحياة اليومية ما قبل كورونا أصبحت رفاهية بعد انتشار الجائحة  (أ ف ب)

من الأحد للثلاثاء الاستيقاظ في السابعة و50 دقيقة صباحاً، والهرولة نحو الحاسوب وفتحه سريعاً للتشغيل. وفي هذه الأثناء، تبديل لجاكيت البيجاما بقميص مهندم ورابطة عنق في حال كان هناك اجتماع صباحي مع الاحتفاظ ببنطلون البيجاما. ثم الهرولة إلى الحمام بعد التأكد من أن الماء يغلي في المطبخ. الخروج من الحمام وتجهيز الشاي بالحليب ثم العودة والجلوس أمام الشاشة وإتمام إثبات الحضور في تمام الثامنة وحتى الرابعة مساء.

القميص وبنطلون البيجاما

الجمعة زيارة افتراضية للأهل صباحاً عبر "زووم"، ثم جلسة عائلية مع الصغار لحين موعد الغذاء. وفي حال كان الطقس جيداً فيمكن تناول الطعام في الشرفة بديلاً عن فسحة الجمعة. وفي المساء جولة على الفضائيات بحثاً عن فيلم اجتماعي يناسب الصغار. وبعد خلودهم للنوم، بحث عن فيلم "أكشن" أو "إثارة" أو مصنف فوق سن 18 عاماً. أما السبت فقليل من أعمال الصيانة المنزلية، مع مذاكرة متناثرة للصغار، وفي المساء حفل مشاهدة مع الأصدقاء والصديقات لفيلم حديث أو مسلسل ذائع الصيت على "نتفليكس" انتظاراً لقدوم صباح الأحد لمعاودة العمل بالقميص وبنطلون البيجاما، وهلم جرا.

جرى عرف الحياة في زمن الوباء على أن يكون روتين الحياة خليطاً مما سبق أو شبيهاً له بشكل أو بآخر بين فئات المجتمع التي امتلكت رفاهية العمل والتعلم من البيت في زمن الجائحة.

رفاهية التقيد

أما غيرها من الفئات، التي تقدر أعدادها بالملايين في المجتمعات العربية، فقد تغير روتين حياتها أيضاً في زمن الجائحة، ولكن بأشكال متفاوتة ومن دون التقيد، أو بالأحرى القدرة على التقيد بقواعد الاحتراز وقيود الوقاية. في مصر مثلاً، تغير كثيراً الروتين اليومي في زمن الجائحة لنحو 30 مليون مصري يعملون باليومية، يشكلون ما يزيد على 40 في المئة من القوة العاملة، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وضع مشابه في غزة، حيث 158 ألفاً من عمال "المياومة" تضرروا جراء إغلاقات "كوفيد-19"، وذلك من مجموع 268 ألف عامل في القطاع، بحسب "مركز الميزان لحقوق الإنسان". 

فبدلاً من التزام البيت وغسل الأيدي بالماء والصابون لمدة ثلاث دقائق وحضور اجتماعات العمل عبر "مايكروسوفت تيمز" ومتابعة "نتفليكس" أو "شاهد" مساء، زاد سعي هذه الملايين بحثاً عن فرصة عمل في زمن عز فيه العمل اليومي، وتطلب هذا خروجاً أكثر من البيت، وبقاء لمدد أطول خارجه، وانخراط أكثر بالناس، وفرص أقل لغسل الأيدي بالماء حيث الصابون خارج الحسابات.

حسابات كورونا غير العادلة

حسابات كورونا ليست عادلة، وما افتقده هؤلاء في زمنها يختلف تماماً عما فقده أولئك فيه. "سيد" الذي قدم من المنيا إلى القاهرة قبل خمس سنوات بحثاً عن لقمة عيش أوفر ومعه أربعة أبناء عمل في كل أشكال العمالة اليومية بعد ما كان مزارعا، فمن عامل نظافة إلى عامل بناء ومنها إلى عامل هدم، وجد نفسه بلا عمل مع تفجر الأوضاع قبل نحو 14 شهراً. وعلى الرغم من عودة حركة البناء والهدم نسبياً هذه الآونة، إلا أنه وضعه المادي ومن ثم المعيشي مازال سيئاً.

سؤاله عما افتقده في زمن الوباء بدا محرجاً للسائل، لكنه نطق بالحكمة، "حين يفتقد من يعيش على باب الله وجبة عشاء اليوم بيومه، فإن هذا يعني أنه افتقد ثقته بأنه سيستيقظ من النوم في اليوم التالي". لم يكن سيد يتحدث عن الشبع والجوع، ولكنه تحدث عن اليقين بأن رزق اليوم مضمون بشكل أو بآخر. يقول، "لولا شوية قدر من الإيمان لفقدت عقلي".

فقدان العقل

فقدان العقل في زمن الوباء، لا سيما في شهور الإغلاق والحظر، ظلت عبارة متكررة على ألسنة كثيرين، فإذا كانت الملايين افتقدت الشعور بالأمان الناجم عن عمل، سواء كان يومياً أم نظامياً، فإن ملايين أخرى افتقدت الشعور بالأمان الناجم عن استمرارية الحياة. تقول الموظفة ربى حسين (32 عاماً)، إنها وعلى الرغم من عودة الأمور إلى طبيعتها من حيث القدرة على النزول من البيت وممارسة جانب كبير من أنشطة الحياة اليومية، فإنها تفتقد كثيراً الشعور بالثقة بأن الحياة مستمرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ربى التي فقدت عدداً من الأقارب والأصدقاء بسبب الفيروس تفتقد كثيراً راحة البال الناجمة عن اعتبار الأمور مسلماً بها. "أفتقد كثيراً تفاصيل الحياة اليومية التي طالما اعتبرتها تحصيلاً حاصلاً. أذهب إلى السوق، أزور أهلي، أسافر إلى العين الساخنة، أشاهد فيلماً في السينما، أذهب لطبيب الأسنان، أقابل صديقاتي على الغداء، أعانق طفلتي. حالياً، وعلى الرغم من أني أفعل بعض هذه الأشياء، فإن القلق يعتريني في كل مرة أتسوق أو أقابل صديقة أو أقبل طفلتي. أتوق إلى التصرف من دون هم القلق والخوف من التقاط أو التسبب في العدوى".

كمامات أعلى الأنف وأسفله

الخوف من التقاط أو التسبب في العدوى دفع الملايين إلى ارتداء الكمامات، وعلى الرغم من مراوغته بعضهم ودس الكمامة أسفل الأنف أو الذقن، إلا أن تحميل الأذنين ما لا طاقة لهما به أعيا كثيرين. تضحك الطالبة مريم عبدالموجود (19 عاماً) وهي تقول إن حلم تحرير أذنيها يراودها دائماً، فهي ترتدي نظارة طبية ولا تتحرك من دون سماعات الأذن لسماع الموسيقى، ثم جاءت الكمامة لتثقل كاهل أذنيها بشكل غير مسبوق.

وبشكل غير معهود أيضاً، اكتشف كثيرون قيمة التقارب الجسدي المفتقدة في زمن الوباء. افتقاد حضن الأب والأم والأخ والأخت والصديق والصديقة والابن والابنة وغيرهم أمر مرّ كثيرون به، لكن تجب الإشارة كذلك إلى أن درجات الاحتراز غير الصارمة خففت من حدة الافتقاد، وإن أدت إلى مزيد من الإصابات.

مستشار رئيس الجمهورية المصري لشؤون الصحة والوقاية محمد عوض تاج الدين تحدث عن الارتفاع الواضح في أعداد الإصابات في القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية) نتيجة التجمعات وعدم الاحتراز أو ارتداء الكمامات، مشيراً إلى ظاهرة انتشار الإصابة على مستوى العائلات، حيث ارتفاع في نسب الإصابة بين الأطفال والشباب وكبار السن.

أحفاد وأجداد

التحذيرات المتواترة الداعية إلى الاستمرار في الوقاية والاحتراز، لا سيما في ضوء ظاهرة انتقال الإصابة من الصغار والشباب إلى الأجداد، لم تجد آذاناً صاغية لدى البعض ممن افتقدوا أحضان وقبلات أفراد الأسرة. قصص عدة عن الجدة التي أصيبت بالفيروس، بسبب إصرارها على احتضان الأحفاد الذين رأتهم للمرة الأولى منذ أشهر على إفطار رمضاني، أو في أثناء عيد الفطر، والجد الذي التقط الفيروس من زوجته التي أصرت على أن "تشم الهواء" في فسحة مع أبنائها وأحفادها في العيد.

"كان يوم عيد حين ركبت مترو الأنفاق في أحد أيام عطلة العيد لمجرد الشعور بأن الحياة ربما تعود إلى ما كانت عليه". يقول مجدي سليمان (48 عاماً) إنه انتهز فرصة إجازة العيد وتطبيق إجراءات صارمة في مصر لتحد من تحركات المواطنين وتجمعاتهم تحسباً لزيادة نسب الإصابة واشترى تذكرة مترو أنفاق وركب المترو ذهاباً وإياباً. يقول، "كنا أركب المترو يومياً من وإلى عملي حتى لا أقود سيارتي، وبسبب الوباء عدت إلى قيادة السيارة خوفاً من التكدس والزحام والعدوى، ويبدو أن افتقادي لرحلة المترو اليومية هي افتقاد للحياة من دون قلق ووباء وعدوى".

حرية التسكع

الخوف من العدوى في زمن الوباء حرم كثيرين من متعة التسكع على غير هدى. المحاسب أيمن مروان (29 عاماً) يقول إن إحدى متع الحياة حرية اتخاذ قرار التسكع الآني. "كنت وأصدقائي نقرر الخروج لتناول العشاء أو شرب القهوة أو للركض أو مجرد التمشية في الشارع، لكن جاء الوباء وحرمنا من هذه المتعة، حتى في الأحوال التي نتغلب فيها على قلقنا وننصاع لرغبة التسكع، فإن فكرة التقاط العدوى والمرض أو نقلها لمن حولنا تفسد جانباً من المتعة".

متعة البقاء في البيت، واستعادة دفء العلاقات الأسرية، والعودة إلى أنشطة زمن ما قبل الثورة الصناعية الرابعة، والراحة من الاحتكاك اليومي بالناس في المواصلات والعمل والمراكز التجارية، والتعلم الإجباري لفنون الاسترخاء والتفكير والتأمل بدأت تنقشع لتكشف عن افتقاد العودة للزحام وأبواق السيارات ومشاحنات الطوابير. إنها نوستالجيا رؤية وجوه بشرية حقيقية، حتى لو كان أصحابها مستفزين أو مزعجين.

 

 

طابور الولادة

مها جميل موظفة متقاعدة (61 عاماً) ظلت طوال حياتها تتحاشى الأماكن المزدحمة والأجواء الصاخبة، لكنها وبسبب ظروف مرضية ومناعة ضعيفة الزمت التزاماً صارماً بالحظر وعدم الخروج من باب البيت نهائياً. تقول، "استيقظت ذات صباح، ومن دون أدنى تفكير ارتديت ملابسي ووضعت كمامتين وفوقهما واقٍ شفاف للوجه وتوجهت إلى محل البقالة. اشتريت علبة شوكولا ووقفت في أكثر الطوابير ازدحاماً ثم عدت إلى البيت وأنا أشعر أنني ولدت من جديد. فعلى الرغم من القلق والخوف الذي يصل لدرجة الذعر، إلا أنني أفتقد بشدة رؤية وجوه الناس ومتابعة تصرفاتهم بما فيها التصرفات الحمقاء".

حماقة التواصل الاجتماعي

حماقة استخدام منصات التواصل الاجتماعي أو حنكتها صارت في قوائم الأشياء المفتقدة في حياة الناس، فبين قائل إنه يفتقد تصفحه اليومي لما يشاركه الأصدقاء من هموم وأفراح وأفكار لا علاقة لها بالوباء والأعراض والاحتمالات وأسطوانات الأوكسجين واحتمالات النجاة، وآخر يعبر عن شوق لأيام التفاهة الجميلة والسطحية العميقة مع الأصدقاء والصديقات على المنصات الافتراضية، وثالث يقول إنه أغلق صفحته على "فيسبوك" بعد ما تحولت المنصة إلى دفتر عزاء يومي لمن فقدوا حياتهم بسبب "كوفيد-19"، ويبدو أن هناك اتفاقاً على الاشتياق لاستخدامات مواقع التواصل الاجتماعي في زمن ما قبل الوباء، بغض النظر عن كونها استخدامات حمقاء أو محنكة.

حتى حنكة العمل من البيت، وتأكيد البعض في الأشهر الأولى من الوباء على أن العمل من البيت أيسر وأفضل وأوفر للوقت والمال لم تعد ذائعة الصيت، فبعضهم عاد إلى مقر عمله، وبعضهم الآخر عاد لبعض الوقت وباقي الوقت يعمل من البيت، وآخرون مستمرون في العمل من البيت، لكن يبدو أن هناك نوعاً من الاشتياق للعمل في مقره، حيث ارتداء ملابس الخروج كاملة وركوب السيارة أو الباص أو المترو وتوقيع الحضور والحديث مع الزملاء وحضور الاجتماعات الفعلية والتحجج بالذهاب إلى الحمام أو شرب الشاي للغياب عن المكتب ثم العودة إلى البيت منهكاً في آخر النهار. 

التذرع بالإجهاد

يقول المحلل المالي أسامة عز (42 عاماً) ضاحكاً وهو ضمن الذين ما زالوا يعملون من البيت، إنه يفتقد التذرع بساعات العمل الطويلة والإجهاد الشديد حتى لا يخرج مع زوجته أو يصطحب الأطفال للتمرين في النادي. يقول، "الآن لا عذر لي، لا سيما بعدما أعيد فتح أماكن الخروج وعادت التمارين في النوادي".

الخروج إلى النوادي والمقاهي وغيرها أصبح مرتبطاً بقواعد ارتداء الكمامات لحين وصول الطعام، وهذا يحتم حسن الملبس وجمال المظهر والأمر لم يكن يخلو يوماً من أحمر الشفاه، لكنه يتقهقر اليوم وينعزل ويجد نفسه معرضاً للانقراض تحت وطأة الكمامة التي تفسده ويفسدها ويفسد كلاهما وجه السيدة. أمنيات لا حصر لها تعبر عنها نساء وشابات لعودة أحمر الشفاة المفتقد. وبينما يمضي الوباء في طريقه، يمضي المتعايشون معه في طرقهم أيضاً ومعهم أمنيات لعودة تفاصيل يفتقدونها، وأخرى ظنوا أنهم يكرهونها، لكن زمن الوباء كان كفيلاً بأن يضعها في خانة المفتقدات.