"أولفا" جزيرة اسكتلندية صغيرة يقطنها خمسة أشخاص فقط... برسم التنمية

مئات الأشخاص تقدموا لتوهم بطلبات للعيش في هذا الموقع الساحر في أرخبيل هيبرديس الاسكتلندي

على تلك الهضاب في جزيرة ’أولفا’ الاسكتلندية الصغيرة التي يقطنها خمسة أشخاص فقط، يقف ’جون آدي’، أحد هؤلاء السكان، ناظراً إلى البحر تحته وتاركاً الهضاب التي تنبسق عالياً وراء ظهره.

على امتداد المياه الزرقاء الصافية يمكننا رؤية مزرعة محار قد هُجرت منذ زمن طويل. وعلى الشاطئ الوعر  يمتد صف واحد من البيوت الريفية المنهدمة التي كان يُطلق عليها ذات مرة ’نقطة الجوع’ التي تُركت خاوية منذ القرن التاسع عشر. في الأعالي، تحولت الأراضي التي كانت ترعى فيها سابقاً قطعان المرتفعات إلى اللون البني وتغطيها السراخس. الهجران يسيطر هنا.

يقول ’جون’ الرجل الملتحي البالغ من العمر 67 عاماً: "هناك الكثير من العمل الذي نحتاج القيام به .. لكن ما هي المقومات المتوفرة لدينا؟ نحن نقدم للناس فرصة للمساعدة في إعادة بناء هذا الفردوس."

على مدار القرنين الماضيين، كانت الأحوال آخذة بالتراجع في جزيرة ’أولفا’، وهي بقعة من الأرض الوعرة تمتد على طول سبعة أميال وعرض ثلاثة أميال وتفصلها رحلة مائية تستغرق دقيقتين عن جزيرة أكبر مجاورة لها في أرخبيل هيبرديس الداخلية اسمها جزيرة ’مال’.

في عام 1851 كانت الجزيرة تتباهي بساكنيها الذين وصل عددهم إلى 859: كانوا يشكلون مجتمعاً مزدهراً من البنائين والمزارعين والتجار والخياطين. أما اليوم فقد تقلص العدد إلى عائلة واحدة مؤلفة من أربعة أشخاص وجارهم الوحيد. كنيسة مصنفة أثريًا وصهريج من العصر الفيكتوري،  وإيوان رحب بخزانة كتب وشرفة جهة الجنوب – كلها ما برحت موحشة.

بالنمط نفسه الذي تكرر  في عشرات من الجزر المأهولة في اسكتلندا، ومجموعها 93 جزيرة، انحسرت موجات من الشبان نحو البر الأكبر، إذ بات الاستثمار والعمل في هذه الأصقاع النائية أشد صعوبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن هنا في ’أولفا’، التي كانت في يوم من الأيام الوجهة المفضلة لقضاء العطلة بالنسبة لكل من الكاتبة ’بياتريكس بوتر’ والشاعر ’ويليام ويردزويرث’، هناك مخططات تجري على قدم وساق لتغيير مسار الأمور في هذه المرحلة بالذات.

قبل سنة، قامت شركة من المجتمع المحلي ومقرها في ’مال’ بشراء الجزيرة من مالكها الارستقراطي بمبلغ 4.56 مليون جنيه استرليني، كان معظمه منحةً مدعومة من الحكومة الاستكتلندية.

ويأملون الآن أن يستحدثوا فرص عمل هنا، وبناء منازل جديدة في متناول الجميع، وجذب الشبان الاسكتلنديين للعيشة في الجزيرة.

وفي مسعى لتحقيق حلمهم، يرغبون في استقدام مزارعين لجعل الأرض قابلة للاستصلاح من جديد، وفتح موقع للتخييم، واستراحة وفندق صغير لتأمين احتياجات السياح الفضوليين، بالإضافة إلى إعادة تشغيل مزرعة المحار هذه. هدفهم أن يسكن ثلاثون شخصاً على الأقل هنا خلال عقد من الزمن، وأن يرتفع العدد إلى خمسين شخصاً بحلول عام 2040. وقد وُسمت تلك الكنيسة المهجورة – ذات الجدران البيضاء وفق تصميم منعزل الطابع من إبداع توماس تيلفورد- مسرحا ممكنا لعروض موسيقية بين الفينة والأخرى.

يقول ’جون’ بحماس، وهو مدير شركة ’نورث ويست مال كوميونيتي وودلاند’ التي اشترت الأرض: "تخيل أن تحضر أحد العروض الفنية هناك ... وأن تسير إلى منزلك بعد العرض على شاطئ البحر وتحت النجوم - إنه أمر ساحر".

قطعاً، أهمية هذه المخططات تتجاوز بكثير حدود هذه الجزيرة الصخرية. لو كُتب النجاح لهذا التحول، من المأمول أن يصبح نموذجاً للجزر الاسكتلندية الأخرى التي تواجه تراجعاً مماثلاً، ومصدر إلهام للمجتعات التي تعاني من انخفاض السكان في كل أرجاء العالم.

الخبر السار إذاً هو أن المؤشرات إيجابية حتى الآن. وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه صندوق الإسكان للمجتمعات الصغيرة في المرتفعات الاسكتلندية  في شهر يناير (كانون الثاني) أن حوالي 500 شخص عبّروا بشكل رسمي عن رغبتهم في أن يصبحوا من سكان ’أولفا’. ولدى الكثير منهم المهارات الضرورية بالتحديد لإنشاء تجمع بشري من العدم: خبراء الغابات ومزارعون وامرأة واحدة اقترحت مشروعاً يوفّر الأحصنة الصغيرة لتنقّل الزوار في الجزيرة.

يقول جون، وهو عالم أحياء بحرية متقاعد أتى من يوركشاير ولكنه يعيش الآن في ’مال’: "خلال فترة طويلة من الحقب الزمنية المعروفة - وقبل ذلك أيضاً -  كان هناك مجتمع نابض بالحياة ومتماسك... ما زال الناس يريدون العيش هنا. إذا استطعنا تقديم فرص اقتصادية طويلة الأمد، فليس لدينا أدنى شك أنهم سيأتون."

في وقت لاحق، عندما كنت جالساً خارج مطعم ’بوت هاوس’ الرائع على الشاطئ الشرقي للجزيرة، بات من السهل أن أفهم ثقته.

يأتي نحو 5000 زائر يومي هنا كل صيف من مناطق بعيدة مثل أستراليا وكندا (الأماكن التي انتقل إليها العديد من سكان ’أولفا’ في منتصف القرن التاسع عشر عندما استُصلح عنوة جزء كبير من الأراضي للاستخدام الزراعي). تجتذبهم الآثار، ومناظر البحر البكر والحياة البرية الغنية: الغزلان، والفقمات، وطيور الباز الجارحة، وأكثر من 500 نوع من النباتات التي ينحصر وجودها في الجزيرة.

على الطاولة المجاورة في المطعم توجد اليوم عائلة من الزائرين الإنجليز. يقول الأب واصفاً الجزيرة وهو يتناول طبق السمك الطازج أمامه: "إنها ببساطة أشبه بملحمة شعرية، أليس كذلك؟" أسأله إذا كان انتقاله للعيش هنا وراداً؟ يصمت للحظة، ربما معيداً النظر في حقيقة أنه لا توجد هنا متاجر ولا طرق حقيقية، وأن رحلات العبّارة الوحيدة التي تصل إلى الجزيرة تتوقف في الخامسة مساء. ثم يقول معترفاً: "يجب أن تكون من الأشخاص المكتفين ذاتياً إلى حد ما.. لا أعتقد أنني قادر على تحمل ذلك."

لم تقف مثل هذه المخاوف -على ما يبدو - في طريق أصحاب رؤوس الأموال الروس ولا شيوخ الشرق الأوسط، الذين عبروا عن اهتمامهم منذ البداية عندما قام اللورد ’جيمي هاردي’ - الذي كانت عائلته تمتلك الجزيرة منذ خمسينيات القرن الماضي - بعرضها للبيع في عام 2017.

في الواقع، التفكير بمشترين من أمثال هؤلاء، هو الذي أوحى بالاقتراحات الأولية لطرح الأرض للبيع أمام المجتمع المحلي.

أصيب سكان الجزيرة الخمسة والعديد من الناس في ’مال’ بالذعر من فكرة أن ’أولفا’ قد تتحول إلى ملعب خاص لمالك غريب. لذلك، وبعد أن أظهر استفتاء محلي دعمَه - تحولت ’نورث ويست مال كوميونيتي وودلاند’- التي أنشئت أصلاً في عام 2006 لتشغيل غابة محلية - لشراء الأرض.

في أحد الأيام في صيف عام 2018 انتقلت ملكية الجزيرة إلى المجموعة غير الربحية، بفضل منحة مالية بقيمة 4.4 جنيه استرليني من صندوق الأرض الاسكتلندية والدعم السياسي للحكومة التي يقودها الحزب القومي الاسكتلندي، والتي قالت منذ مدة طويلة إنها تعطي الأولوية للحفاظ على جزر البلاد.

أصبحت ’أولفا’ ثالث جزيرة اسكتلندية يشتريها مجتمع محلي بعد ’إيغ’ في عام 1997 و ’غيغا’ في عام 2001. ومن الأمور التي تبعث على التفاؤل ربما، هو أن الانخفاض السكاني في كليهما بدأ ينحسر منذ ذلك الحين، وإن كانت الأعداد الأولية أكثر بكثير من خمسة سكان في ’أولفا’ (كان عدد سكان إيغ 60، بينما وصل عددهم في غيغا إلى 98).  

يقول’روري مونرو’ صاحب مطعم ’بوت هاوس’ وعضو مجلس إدارة في ’نورث ويست مال كوميونيتي وودلاند’ : "أُعد شخصاً تقليدياً إلى حد ما ولست ممن يذرفون الدموع ببساطة ... لكنني كنت على وشك البكاء عندما امتلكنا الأرض."

كانت لديه أسبابه كي يتأثر أكثر من الآخرين: ’روري’ هو أحد أفراد العائلة الوحيدة التي ما زالت تقيم في ’أولفا’.

انتقل الشاب البالغ من العمر 36 عاماً إلى هنا مع والديه في البداية عندما كان في الثامنة من عمره، وكان عدد السكان حينها يقارب الثلاثين. جاء والده ’دونالد’ إلى هنا لتشغيل عبّارة، وهو العمل الذي ما زال يمارسه حتى يومنا هذا، رغم أنه يعيش الآن في ’مال’.

غادر’روري’ عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ولكنه عاد عام 2006 مع ’ريبيكا’ التي ستصبح زوجته لاحقاً وهي في الأصل من دمفريس. اشتروا مطعم ’بوت هاوس’ الذي كان شاغراً في وقتها وقاما بتوسعته لاستقبال المزيد من الزوار، ثم قررا تربية صغيريهما على الجزيرة، ماتيلدا ذات الثماني سنوات، وروس البالغ من العمر خمسة أعوام.

يقول قبل أن يتوجه إلى الصيد: "ليس من السهل أن تعيش هنا ... لدينا إنترنت سريع وكل الأمور الأخرى، لكن في نهاية المطاف، إنها جزيرة وعليك أن تتوقع كل الأمور اللوجستية التي تحدث فيها. لا يمكنك الذهاب إلى المتجر بعد الساعة 5 مساءً. لكنني أسترجع طفولتي وأتذكر السباحة وركوب القوارب واللعب في الغابات. أن يكونا آمنَيْن. هذا ما نريده لطفلينا."

ويشرح لي أن الجد ’دونالد’ ينقل ’ماتيلدا’ و’روس’ بالعبّارة يومياً إلى المدرسة. تقاطعه زوجته’ريبيكا’ البالغة من العمر 31 عاماً: "لا يمكنك الحصول على رحلة أفضل من هذه ... لكن كل ما نريده الآن هو رؤية ذاك القارب ممتلئاً بالأطفال مرة أخرى. مليئاً بالأصدقاء."

لقد أحرز بعض التقدم بالفعل.

مولت ’نورث ويست مال كوميونيتي وودلاند’ - وهي شركة تضم ثمانية مدراء متطوعين وأربعة موظفين - إعادة بناء رصيف الجزيرة المتآكل ووقّعت على خطط لتجديد ستة منازل مهجورة لتسكنها ست عائلات جديدة. وتقول: إذا توفّر التمويل، يمكن اتمام كل ذلك في غضون 18 شهراً. بعد ذلك، ستتطلع المجموعة إلى تسهيل بناء ستة منازل جديدة، ربما بالاستعانة بإحدى شركات الإسكان الاجتماعي.

في الوقت نفسه، تُعَد مقترحات لتقسيم الجزيرة إلى قطع أرض قابلة للزراعة وتحويل النُزل إلى فندق صغير ربما. ويُبحث عن شركات لتشغيل جولات سياحية للتعرف على الحياة البرية، أو تنظيم ركوب الدراجات الجبلية أو الرياضات البحرية. واقترح أحد المنتجين الفنيين في الولايات المتحدة، إمكانية إحياء فعاليات فنية هناك. من المقرر تعيين مسؤول متفرغ لتطوير ’أولفا’ هذا الصيف للإشراف على كل هذه لمخططات.

وفي الوقت نفسه، قام كل من ’روري’ و ’ريبيكا’ بنحت علامات جديدة على الطرق في الجزيرة تدل المشاة على أفضل مواقع الآثار والحياة البرية وحجارة الجزيرة التي تعود إلى العصر الحجري الحديث. لقد قام ’روري’ بتمهيد بعض الطرقات، بينما كانت ’ريبيكا’ معنية أكثر بالإشراف على الأعمال الإدارية التي ترتبت على شراكتهم المفاجئة في ملكية الجزيرة.  

يقول روري ببعض الأسى: "كنت أعلم أن محاولة إعادة بناء مجتمع هوعمل شاق... لكنني لم أكن مدركاً عدد الرسائل الإلكترونية التي يتوجب علي التعامل معها."

يعتمد جانب كبير من هذا الأمر على المال. ليست عملية التجديد بالعملية الرخيصة، خاصة على أرض تقع في عرض البحر. قد يكلف تجديد المنازل الستة الأولى التي تحدثنا عنها بمفرده مليون جنيه إسترليني.

ولكن هناك ثقة إلى حد ما في الحصول على المنح المطلوبة: بالنظر إلى أنه تم بالفعل تخصيص 4.4 مليون جنيه استرليني من أموال دافعي الضرائب لشراء الجزيرة، وأن هناك إرادة سياسية قوية في إدنبرة تريد أن ترى ’أولفا’ كنجاح طويل الأمد.

ومع ذلك، تسببت هذه النفقات أيضاً في أن تراود الشكوك البعض في المشروع برمّته.

خلال وجودي في ’مال’، قمت لاحقاً بزيارة أكبر بلداتها، توبيمري، وهي مدينة مشابهة يقطنها ألفا نسمة ويطلق عليها ’روري’ اسم ’الدخان الكبير’.

هناك أتحدث إلى ’أندرينا دافين’ سكرتيرة المجلس البلدي في جماعة ’مال’، في حديقتها المطلة على البحر. وتقول: "أتمنى للمشروع كل النجاح، وكمجلس بلدي، سوف نقدم كل ما نستطيع من دعم .. من المهم - في الحقيقة في عموم اسكتلندا - أن تزدهر هذه التجمعات."

ولكن؟

السيدة البالغة من العمر 76 عاماً والتي أمضت العطلات الصيفية أثناء طفولتها في ’أولفا’، تتردد بتوجيه الانتقاد وتتأنى باختيار مفرداتها قائلة: "هناك شعور لدى البعض بأنه كان من الممكن إنفاق هذه الأموال على البنى التحتية التي يستفيد منها عدد أكبر من الناس،" متحدثة عن الطرق الضيقة في ’مال’ ورصيفها البحري المتفكك وخدمة الإنترنت الضعيفة في الجزيرة، وليس هناك أدنى شك أنها جميعاً تحتاج إلى استثمارات طائلة.

وتضيف:" لكن على أية حال، إنه يحدث الآن، وأعتقد أننا كمجتمع نستطيع أن نعمل يداً بيد حتى ننجح."

وبالعودة إلى ’أولفا’، هناك مخططات للاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لبدء شراء الأراضي بإقامة مهرجان موسيقي في حدائق النُزل - التي أمضى المتطوعون الأشهر الاثني عشر الأخيرة في تزيينها وتنظيفها من النباتات الضارة.

التقيت بالساكن الوحيد الآخر في الجزيرة، باري جورج، وهو عامل من نيوكاسل انتقل إلى هنا قبل 30 سنة للعمل في مزرعة أسماك، وقد افتتن بالمكان لدرجة أنه قرر البقاء حتى بعد تراجع العمل ومغادرة السكان الآخرين الجزيرة. وعندما سألته عن السبب، بقي صامتاً للحظة، ووجّه إليّ نظرة محتارة. ثم قال بعد وهلة:" انظر حولك ... لم أرَ أجمل من هذا المكان على الإطلاق."

حالياً، ينحصر عمله في الأشغال البسيطة، ويدرس للحصول على شهادة من الجامعة المفتوحة، ومن وقت لآخر يفتح أبواب منزله استراحة مؤقتة تقدم الطعام والمأوى للمسافرين الراغبين في المبيت على الجزيرة.

يعيش على بعد خمس دقائق من عائلة ’مونرو’ ومن مطعم ’بوت هاوس’ لكنه ليس على اضطلاع كبير بمشروع شراء الأراضي . ومع ذلك، يقول إنه يحلم أيضاً بأن يرى الجزيرة مزدهرة مرة أخرى.

يقول وهو يشير إلى البحر في الأسفل والهضاب في الأعلى: "أحب الطمأنينة الموجودة هنا ... لكننا بحاجة إلى المزيد من الناس. نحتاج لاستعادة الحياة هنا مجدداً."

© The Independent

المزيد من دوليات