Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سباق المجموعات العرقية في دارفور على تقرير المصير

ربما تخطئ الحكومة مرة أخرى إذا سارعت بتسليم قبيلة المساليت منصباً حكومياً رفيعاً لتكفّ عن مطالبها

تصاعد النزاع بين القبائل العربية وقبيلة المساليت في مدينة الجنينة غربي دارفور خلال يناير (اندبندنت عربية - حسن حامد)

لم يعُد حق تقرير المصير في دارفور ورقة تلوّح بها الحركات المسلحة فقط، إنما تحوّلت إلى القاعدة الاجتماعية والقبلية بناءً على السطوة السياسية والوجود الفعلي على أرض الأحداث. في خضم هذه الأحداث ونتيجة لعمليات العنف المتكررة بين قبيلة المساليت وقبائل عربية أخرى، وآخرها ما حدث في مدينة الجنينة في أبريل (نيسان) الماضي، خرج سلطان عموم المساليت سعد عبد الرحمن بحر الدين بإعلان يقضي بأنهم بصدد تفعيل اتفاقية "رمـزي قلاني الدولية" الموقعة عام 1922، التي من المتوقع أن ينتهي أجلها العام المقبل.

ومع احتمال استخدام المجموعات العرقية نفوذها في سباقها نحو تحقيق الانفصال أو على أقل تقدير تحقيق وضع أفضل للقبيلة التي بدأت تحس بالتهميش وسط إقليم مهمش، فإن نجاح التفاوض معها كمجموعة قبلية وعرقية يختلف عن التفاوض مع الحركات المسلحة. وربما تخفق الحكومة كثيراً في النهج الذي يمكن أن تتبنّاه في التعامل مع هذه القضية، في غياب فهم أعمق لما رسّخه النظام السابق بتوظيفه للجذور التاريخية لهذه الأزمة.

فرض السيادة

انضم إقليم دارفور إلى السودان الحديث على إثر هزيمة السلطان علي دينار ومقتله في 22 مايو (أيار) 1916 من قبل الحكم الثنائي الإنجليزي - المصري (1899 - 1956). وكانت سلطنة دارفور بصفتها المستقلة وبقيادة علي دينار أعلنت بيعتها للسلطان العثماني، وتحالفت مع ألمانيا وتركيا في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، مما حرّك بريطانيا لغزو دارفور وقتله. أما المملكة الموازية في الإقليم، فهي مملكة دار المساليت التي حكمت في الفترة بين (1884 - 1921)، ونشطت على هامش المقاومة للاحتلال الفرنسي لسلطنة وداي شرق تشاد التي فر سلطانها إلى دار مساليت بدارفور، وحدثت المواجهة بعد ملاحقة الجنود الفرنسيين السلطان في دارفور.

واتفقت القوات البريطانية في السودان والفرنسية في تشاد على أن تتبع منطقة المساليت أيضاً للسودان الإنجليزي المصري وفقاً لاتفاقية الحدود "رمـزي قلاني الدولية" بينهما في سبتمبر (أيلول) 1919 والموقعة في 1922. وفُرضت السيادة على منطقة المساليت بعد إخماد تمرد جزئي ثم تعيين "ممثل مقيم" للحكومة في مدينة الجنينة.

لم تستقر الأوضاع بين المساليت والفور إلا لفترة قصيرة بعد مقتل علي دينار، إذ لا تزال جذوة الصراع المتمثلة في الحواكير (الأراضي) التي قسّمها السلطان سليمان سولونغ (1640 - 1670) بين القبائل، مشتعلة ولم تقتصر على المساليت والفور، بل امتدت إلى القبائل العربية أيضاً. وهكذا أدت التسويات والنزاعات بين القوتين البريطانية والفرنسية، إضافة إلى الصراع على الأرض إلى تسويات أثرت بعمق في نمط الصراع في دارفور.

نزعات تقرير المصير

يوضح التأثير المتنامي لمعطيات الانفصال في السودان أن المحاولة السياسية لحل المشكلة تتم بإخضاع المشكلة الكلّية إلى إدارة جزئية. وترجع المشكلة إلى إخفاق السياسات المتبعة طوال عمر الدولة السودانية، فقد خضع السودان لتقرير المصير ثلاث مرات: الأولى، تحوّل من تقرير المصير بشكل خارجي عندما اندلعت الثورة المهدية منهيةً فترة الحكم المصري التركي عليه (1821 - 1885)، التي بدأت بغزو محمد علي باشا للبلاد وتدميره السلطنة الزرقاء وحتى سقوط الخرطوم عام 1885 على يد محمد أحمد المهدي. والثانية تحوّل السودان من تقرير المصير الخارجي بعد الاستعمار ونيل الاستقلال والاعتراف به كدولة، وقبول عضويته في الأمم المتحدة ثم منظمة الوحدة الأفريقية وغيرها.

لكن ذلك الوضع لم يكن كفيلاً ببناء الثقة وعدم التحول إلى نزعات تقرير المصير الداخلية. أما الثالثة، فهي الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان وفقاً لاتفاقية نيفاشا 2005 الموقعة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق وتحقق الانفصال عام 2011. وفي حالة الجنوب، فإن خيار الانفصال لم يشكّل بديلاً حقيقياً للإقليم الذي ظل يعاني استمرار الصراع في حالة كونه إقليماً ودولة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تسويات سياسية

ظل قادة الحركات المسلحة كل فترة يعلنون عزمهم طرح فكرة تقرير المصير لإقليم دارفور، مما أدخل الحكومة السابقة في تسويات سياسية مع بعض قادة الحركات مثل مني أركو مناوي، رئيس حركة تحرير السودان الذي عُيّن كبير مساعدي الرئيس البشير في الفترة بين عامي (2006 - 2010)، بعد اتفاقية أبوجا لسلام دارفور وتولّى في الفترة ذاتها منصب رئيس السلطة الانتقالية لإقليم دارفور.

ونشطت تلك الدعوات بعد انفصال جنوب السودان، إذ دعا مناوي بعد مغادرته منصب مساعد الرئيس البشير إلى عقد استفتاء لأهل دارفور للاختيار بين أن يظلوا جزءًا من السودان أو الانفصال لتأسيس دولة دارفور المستقلة على غرار ما حدث بالنسبة إلى جنوب السودان.

وعلى النهج ذاته، ظهرت دعوات من قادة الحركات الآخرين. سمّى مناوي في حوار أجرته معه صحيفة "التغيير" السودانية طرحه لتقرير المصير عام 2015 بـ"الوحدة الطوعية" وفيها 4 خيارات "الخيار الأول قيام دولة مستقلة في إقليم دارفور، وهذا يجري عن طريق الاستفتاء، والخيار الثاني إنشاء إقليم دارفور الموحد بأرضه وحدوده الحالية كجزء من دولة السودان الفيدرالية، والخيار الثالث إنشاء إقليم دارفور الموحد على أرضه وحدوده الحالية كجزءٍ من دولة السودان في إطار الكونفيدرالية، أما الخيار الرابع، فهو إنشاء إقليم دارفور موحد على أرضه وحدوده الحالية كجزء من دولة السودان في إطار الحكم الذاتي".

واستمرت الدعوات لتقرير المصير بين خفوت ونشاط، فبعد توقيع اتفاقيات السلام مع الحركات واستقطابها في الحكومة السابقة، أسندت لقادتها مسؤوليات التفاوض مع الحركات المناوئة. ولما لم يتم التوصل إلى صيغ سلام دائم، تصاعدت الدعوة إلى تقرير المصير مرة أخرى.

اختزال السلام

على الرغم مما بذلته الحكومة الانتقالية من جهود بتوقيع اتفاقيات السلام مع الحركات المسلحة، خصوصاً في دارفور، إلا أن هذه المبادرة لم تحظَ بتأييد كبير من قبل مجموعة قبائل دارفور، خصوصاً المساليت، ذلك أن العجلة في توقيع الاتفاقيات والحصول بعدها مباشرة على مناصب، اختُزلت في الاقتسام الذي عدّته هذه القبائل انتقائياً، إضافة إلى أن مجهود الحكومة الانتقالية لمحو الخطاب العنصري السام الذي رسّخه النظام السابق ضد قبائل دارفور خلال ما يقارب ثلاثين عاماً، لن يمحوه عامان من عمر الحكومة الحالية.

ولذلك، فإن دارفور تمثّل تحدياً للحكومة، ففي الوقت الذي وقّعت اتفاق السلام مع بعض الحركات، تصاعد النزاع بين القبائل العربية وقبيلة المساليت في مدينة الجنينة غرب دارفور في يناير (كانون الثاني) في صدام مسلح، وتجدد في أبريل (نيسان) الماضي، مما أودى بحياة المئات ومئات المصابين ومئات الآلاف من النازحين من الجنينة وما حولها. نجح توقيع اتفاق "العدائيات" بين القبيلتين في استعادة الهدوء، لكن ظل الشعور العام بانعدام الأمن، خصوصاً مع انتشار الأسلحة وبدء انسحاب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة "يوناميد" طاغياً، وممهّداً لتصاعد النزاع مرة أخرى.

تعلّقت بهذا الوضع تكلفة أخرى أكثر وضوحاً بتحديد الموقف من الفيدرالية التي عدّتها الحكومة الانتقالية حلاً جذرياً، لكن جاء تعيين مني أركو مناوي حاكماً عاماً على إقليم دارفور المكون من أصل خمس ولايات كبيرة تجمع قبائل عدة وإثنيات مختلفة، منبّهاً بعض القبائل، خصوصاً المساليت التي فقدت سطوتها لصالح قبائل أخرى مثل الزغاوة والقبائل العربية كالرزيقات والمعاليا والترجم وغيرها، إلى جدوى ذلك وأن التنافس المفضي إلى صراع سيتخذ صيغة أخرى هي المطالبة بتقرير المصير التي أعلنها سلطان المساليت، كبديل للحوار السياسي والأمني مع الحكومة ورفع سقف التطلعات من مجرد حكم إقليمي فيدرالي، خصوصاً أن جوهر تقرير المصير بدأ بالنزوع نحو الفيدرالية الإقليمية.

قدر من التغيير

من ناحية أخرى، ربما تخطئ الحكومة مرة أخرى إذا سارعت بتسليم قبيلة المساليت منصباً حكومياً رفيعاً تكفّ من خلاله عن المطالبة بتقرير المصير، لأن هذا الحل لم يسكّن جراح المناطق التي حصل قادة الحركات التي تقاتل باسمها، في دارفور والمنطقتين أيضاً على مناصب وامتيازات رفيعة.

ونمت بفضل هذه التجربة أفضليات يمكن أن تكون في إعادة قبائل دارفور إلى المسار الصحيح بالنظر عبر منظار المصلحة الوطنية. فإذا ركزت الحكومة على إدارة القضايا الأساسية مثل الاقتصاد والتعليم والصحة وإزالة التهميش عن الإقليم، من دون تجاهل المشاركة السياسية، فهذا يقدّم دعوةً واضحة، لأن تعيد هذه القبائل النظر في نهجها القتالي، فإن لم يؤسس لأرضية مشتركة نسبة إلى التظلمات التاريخية الممتدة، لكنه كفيل بإحداث قدر من التغيير.

المزيد من تقارير