Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة البنزين تتسبب بالفوضى والقتل في لبنان

سقط الشاب غيث المصري ضحية قرب محطة الوقود التي يمتلكها والده

اعتاد اللبناني على أشكال مختلفة من الطوابير أمام محطات الوقود والبنوك والصيدليات وغيرها (اندبندنت عربية)

تجاوزت طوابير المواطنين في لبنان أمام محطات الوقود حدود الإذلال. فقد تحولت عملية ملء خزان السيارة بالوقود إلى كابوس يعيشه المواطن، ويجعله عرضة لأشكال الاستغلال كلها، ويخلق لديه القلق والتوتر. فقد اعتاد اللبناني في الفترة الماضية على أشكال مختلفة من الطوابير، بدءاً بالوقوف أمام البنوك مروراً بمتاجر الغذاء، وصولاً إلى الصيدليات والمستشفيات. ويتهدد هذا الطابور سير الحياة العامة في لبنان، ويبشر بتحويل السيارات والدراجات النارية إلى قطع إكسسوار ساكنة في أماكنها. وتقدر "الدولية للمعلومات" أن يصل ثمن صفيحة البنزين إلى 150 ألف ليرة لبنانية في حال رفع الدعم عنها، شرط ثبات الأسعار عالمياً واستقرار الدولار عند مستوى 13 ألف ليرة. ما يفتح أبواب جهنم على المواطن اللبناني، في حال تفلت سعر صرف الدولار من عقاله واستمرار ارتفاعه مقابل العملة الوطنية.

أول الضحايا غيث

في عكار كانت نهاية مشهد الطابور مأساوية، فقد دفعت مدينة ببنين ضريبة غالية، عندما سقط الشاب غيث المصري، ابن الـ23 سنة، ضحية قرب محطة الوقود التي يمتلكها والده، وذلك برصاص شابين. وجاءت عملية القتل بعدما رفض الشاب ملء صهريج عائد للمرتكبين اللذين يبيعان الكميات المشتراة في السوق السوداء.

في أعقاب الجريمة، تحولت المدينة الواقعة في شمال لبنان، إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، مع بدء مراسم الدفن ظهر الاثنين 17 مايو (أيار)، وقد خيم الحزن على البلدة والمحيط، مع سماع رشقات أسلحة آلية. وفي وقت أعلنت العائلة عدم تلقيها العزاء، طالب المحامي مأمون المصري (عم الفقيد) بالاقتصاص من القتلة، مؤكداً عبر صفحته على "فيسبوك" أن حق العائلة هو عند كل من شارك بهذه الجريمة من مخطط ومراقب ومشارك، "وخصوصاً عند من اتخذ القرار بقتل غيث بدم بارد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عمّ الحزنُ على وفاة غيث في أرجاء الشمال، خصوصاً وأنه طالب نجيب، واشتُهر في كلية الحقوق بأخلاقه وحيائه. وأصدرت كلية الحقوق بياناً نعت فيه الشاب مستغربةً سقوطه "نتيجة تفلت السلاح والفوضى وغياب الدولة". وطالبت الدولة بتحمل مسؤولياتها في ضبط السلاح المتفلت وإلقاء القبض على الجناة.

أما عائلة المشتبه فيهم في الجريمة، فقد أكدت في بيان استنكارها الجريمة، وأعلنت عن قرارها بتسليم الفاعل للقضاء لتأخذ العدالة مجراها، من جهتها تحركت مديرية الاستخبارات في الجيش اللبناني، وأوقفت المشتبه فيه الأساسي في عملية القتل.

وترى نقابة أصحاب المحطات خطراً يتهددها، وقد سأل أحد أعضائها جورج البراكس "إلى متى سيبقى أصحاب المحطات مستهدفين وعرضة للمخاطر الجدية في كل يوم وكل ساعة، ولكل أشكال السرقة بسبب سياسة تقنين اعتمادات استيراد المحروقات؟"، مؤكداً أن "عجز الدولة عن وقف عمليات التهريب لا يُعالج بحرمان أصحاب المحطات من حاجة السوق من المحروقات بالكميات الضامنة للمواطنين".

وفي فترة سابقة من هذا الشهر، أعلنت قوى الأمن الداخلي، أن شعبة المعلومات بتاريخ 10 مايو 2021 نفذت كمائن ونقاط مراقبة ليلية ضمن محافظة الشمال لرصد تحركات المهربين، وتمكنت في ضبط آليتين لتهريب المازوت والبنزين المدعوم.

الحل مؤقت

بعد أسبوع على تفاقم الأزمة، استيقظ لبنان على خبر تسليم البنزين إلى المحطات. ومنذ الصباح الباكر، وعلى طول الطرقات اصطفت طوابير السيارات. ووصل طول بعضها إلى الكيلومتر. ويؤكد بعض المواطنين أنهم انتظروا لأكثر من ساعة قبل أن تفتح المحطة عند التاسعة، وبعدما فتحت أبوابها باعت البنزين بكميات مقننة. أما إحدى الشابات فتؤكد أنها تضطر إلى إجراء اتصالات ليلية وحجز موعد للحصول على 20 ليتراً من البنزين. فيما يُضطر آخرون إلى استخدام علاقاتهم ومعارفهم من أجل "تأمين كمية محدودة من أجل الانتقال إلى العمل".

ويلفت ممثل تجمع توزيع المحروقات فادي أبو شقرا عبر "اندبندنت عربية" إلى أن "حل مشكلة شح البنزين بدأ اليوم، وخلال أسبوع سيحظى اللبناني بفرصة ملء خزان وقود سيارته". ويقوم الحل على تسليم الشركات الكميات الكافية من البنزين إلى المحطات. ويعبر أبو شقرا عن تفاؤل حذر لمدة أسبوع، "لأننا في لبنان"، عازياً السبب الأساسي للمشكلة بعدم صرف  مصرف لبنان للاعتمادات.

بنزين البسطات

أمام إقفال محطات الوقود، انتشرت ظاهرة بيع البنزين في بعض الشوارع بأسعار مرتفعة، وابتزاز المواطن المحتاج إلى الوقود لبلوغ مركز عمله أو العودة إلى منزله. ويقوم الباعة بملء "غالونات" بلاستيكية سعة 10 ليترات  المُعدة أصلاً للمياه، ويتم نشرها على حافة الطرقات العامة. ويتولى بعض الصبية بيعها، حيث يطالب بمبلغ 35 ألف ليرة لبنانية وما فوق ثمناً للغالون، أي ضعف الثمن الرسمي. وهو مبلغ يساوي تقريباً التسعيرة النظامية لصفيحة البنزين.

وأدت أزمة الوقود إلى عرقلة الحياة العامة في لبنان. وتلوح مخاطر إضافية في ظل الحديث عن وقف الدولة سياسة دعم المواد الأساسية، ومنها الوقود. ومع بدء تطبيق استراتيجية العودة الحضورية إلى التعليم، امتنع عدد كبير من المعلمين في القطاع الرسمي عن الحضور بسبب انقطاع البنزين. فيما امتنع بعض الأهل عن إرسال أبنائهم. وانتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورة لـ"تقرير" أرسله أحد الأهالي إلى مديرة مدرسة أبنائه، تذرع فيه بعدم توصيل أبنائه بسبب انقطاع مادة البنزين من محطات المحروقات. ولم يلتزم بعض الأهالي العودة بسبب الارتفاع الكبير الذي طرأ على تسعيرة باصات المدارس، بحجة ارتفاع ثمن المحروقات وتقليل عدد الركاب بسبب جائحة كورونا وارتفاع كلفة قطع الغيار.

أما في قطاع النقل العام، فإن شح البنزين أو رفع الدعم عنه يتهدد استمرارية سائقي التاكسي والنقل العام. ويعبّر بسام طليس، رئيس اتحاد النقل البري، لـ "اندبندنت عربية"، عن تخوفه من المستقبل لأن "سائق التاكسي يُعاني،  فمهنته متصلة مباشرة بتوفر الوقود". ويؤكد طليس على محاولة اتحادات النقل البري تجنب رفع التعرفة لأنها تؤثر على عامة الناس، وتحديداً الفقراء الذين تدهورت قيمة دخلهم، كما أن الموظف العام والخاص لم يحصل على زيادة في معاشه. من هنا، يعتقد أن الحل البديل يكون عبر "دعم صفيحة البنزين والمازوت لسائقي النقل البري"، وثانياً  "بدل خسائر عن قطع الغيار والصيانة".

ويكشف طليس عن لقاءات تجريها الاتحادات مع ممثلين للحكومة من أجل "اعتماد بطاقة تمويلية للسائقين، أسوةً بباقي المواطنين اللبنانيين المحتاجين"، و"إقرار عدد محدد من صفائح البنزين المدعومة للسائقين العموميين"، وقد دخلت المباحثات إلى تحديد العدد والمستحقين. ويشير إلى أن جميع الخطوات تهدف إلى "الهرب من رفع التعرفة"، رافضاً الخوض في "الرؤية المستقبلية"، لأن كل "الأمور تخضع  للنقاش في وقته".

المزيد من العالم العربي