Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النساء والفتيات يتحملن وطأة الجوع المدقع في جنوب السودان

في البلدان التي تجتاحها الحروب والمجاعة فإن النساء آخر وأقل من يتناول طعاما

ماري البالغة 22 سنة، أم لأربعة أطفال، تعيش في بيبور، بؤرة أزمة الجوع المروعة التي تجتاح جنوب السودان (منظمة بلان إنترناشونال)

تشكل مدينة بيبور بؤرة أزمة الجوع المروعة التي تجتاح جنوب السودان في الوقت الراهن. هذه الأزمة يصفها عاملون في منظمات غير حكومية ناشطة في المنطقة، بأنها قد تكون الأكثر ضراوة في "الذاكرة الحية" للبشرية.

لكن في حين أن المجاعة التي تعصف بمدينة بيبور تساهم في تدمير كل من الرجال والنساء هناك وتضع حداً لحياتهم، فقد تبين من خلال دراسات أجريت حديثاً أن النساء هن غالباً "آخر وأقل من يتناولن طعاماً" في الدول التي تواجه حروباً أو ترزح تحت وطأة الجوع. ولتوضيح الأمر بصورة أفضل، فإن قرابة 60 في المئة من أصل 690 مليون شخص يعانون في الوقت الراهن من الجوع أو من انعدام الأمن الغذائي في مختلف أنحاء العالم، هم من النساء والفتيات.

في مدينة بيبور، تكافح غالبية الأسر في هذا الوقت من أجل البقاء على  قيد الحياة من خلال تناول وجبة واحدة فقط من الطعام كل يوم، في حين يضطر آخرون إلى مواصلة حياتهم بلا أي طعام لأيام كاملة. حتى أن بعض التقارير أفاد عن حدوث وفيات بسبب الجوع.

وفي حديث مع "اندبندنت"، أشار ريتشارد أورينغو مدير برنامج "بلان إنترناشونال" Plan International (منظمة إنسانية وتنموية مستقلة تعمل في 71 دولة في جميع أنحاء العالم لتعزيز حقوق الأطفال والمساواة للفتيات) في جنوب السودان، إلى أن "هذه المشكلة تنعكس بشكل أكبر على النساء والفتيات، فالتقاليد والمعايير الثقافية السائدة تقضي بأن تكون النساء والفتيات آخر من يفترض به أن يحصل على غذاء. وهذا يعني أيضاً أنه إذا نضب الطعام فلن يحصلن على أي وجبة، على الرغم من أنهن اللاتي يتكلفن عناء إحضار الطعام وطهيه. وفيما تفرض الأزمة على الأسر أن تتناول وجبةً واحدة في اليوم، فإن مفاعيلها هي أشد وطأةً على النساء وأكثر سوءاً".

ويضيف أورينغو أن الأولوية تعطى لـ"أرباب الأسر" كالآباء أو الأبناء، موضحاً أن التقليد يقضي بأن تهتم النساء بالأعمال المنزلية، وألا يتعاطى الرجال بشؤون الطعام، إلا فقط عندما يتناولونه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع مدير برنامج منظمة "بلان إنترناشونال" الذي يساعد في توزيع الأطعمة على الأسر في تلك المنطقة قائلاً: "تقوم النساء بإحضار الطعام ويتكبدن عناء حمله إلى المنزل لمسافات طويلة، الأمر الذي يجعلهن عرضة لخطر الاستغلال الجنسي. وإذا كانت الأسر غير قادرة على تأمين طعام يكفي لجميع أفرادها، فيتوجب حينها أن يُبعد أحدهم لتخفيف العبء عنها. وهذا ما يؤدي عادة إلى زيجات مبكرة وقسرية للفتيات، وهو أمر مروع".

ويرى ريتشارد أورينغو، أنه من "المحبط" أن يعاني بعض الناس من الجوع في وقت يوجد فيه "فائض من الطعام الذي يتعفن" حول العالم. وينبه إلى أن التخفيضات العالمية التي تجرى على برامج المساعدات، تترجم تقليصاً في الأغذية للأسر المبتلاة بآفة الجوع، محذراً من أن هذه الأزمة في مدينة بيبور جنوب السودان تحديداً، ستتفاقم وتزداد سوءاً بسبب الفيضانات المتوقعة في الشهر المقبل أو نحو ذلك.

ويلفت هذا الرجل الذي عمل على مدى 15 عاماً في المنظمات غير الحكومية، إلى أن الصحة العقلية لزملائه تتعرض لضغوط شديدة، موضحاً أنه هو الآخر يعاني بسبب عدم تمكنه خلال الأشهر الأربعة الماضية من العودة إلى بلاده للقاء زوجته وأطفاله الأربعة في كينيا.

ويوجه أورينغو صرخة بقوله: "نريد للعالم أجمع أن يعرف حقيقة الوضع في جنوب السودان. إنه لأمر مخيب للآمال في بعض الأحيان، فنحن نتوقع أن يشعر العالم كله بالقلق وأن يبدي اهتماماً بهذه المشكلة".

تجدر الإشارة إلى أن منظمة "بلان إنترناشونال" التي يدير أورينغو برنامجها في جنوب السودان، قامت في شهر مارس (آذار) الماضي في مقاطعة بيبور، بعلاج نحو1,032  طفلاً أعمارهم ما دون الخامسة، نتيجة سوء تغذية حاد أو متوسط.

وكان خبراء الأمن الغذائي الدولي قد رجحوا في ديسمبر (كانون الأول) الفائت، أن تكون مقاطعة بيبور فد وقعت بالفعل في براثن المجاعة، مشيرين أيضاً إلى أن الفيضانات والنزاعات الدموية هناك، تمنع الناس من الحصول على المساعدات.

معلوم أن دولة جنوب السودان، هي أحد أكثر البلدان فقراً في العالم، وقد استنزفتها حرب أهلية شرسة في الأعوام الأخيرة أودت بحياة عشرات الآلاف من الناس. وتسبب النزاع الدائر فيها بنزوح نحو ثلث أهالي البلاد التي يبلغ عدد سكانها أكثر من أربعة ملايين شخص، عن منازلهم.

أما مقاطعة بيبور التي تقع في شرق البلاد، فتشهد هي بالتحديد صراعاً دموياً مميتاً بين قبائلها، كما أنها تعد من أكثر المناطق التي يفتك بها الجوع. وتقدر مبادرة "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" The Integrated Food Security Phase Classification (IPC) التي تراقب الأمن الغذائي حول العالم، أن نسبة هائلة من سكان جنوب السودان تصل إلى 60 في المئة- أي قرابة 7 ملايين و200 ألف شخص- سيعاني أفرادها من انعدام حاد في أمنهم الغذائي، في الفترة الممتدة ما بين أبريل (نيسان) ويوليو (تموز) هذه السنة، الأمر الذي يتطلب تقديم مساعدة ملحة لهؤلاء ليتمكنوا من تفادي شبح الموت.

وفي هذه المرحلة، من المرجح أن يتم تصنيف سكان ولاية جونقلي التي تقع فيها منطقة بيبور، والذين يقدر عددهم بنحو 800 ألف شخص، على أنهم شعب "في حال طوارئ" أو "في وضع منكوب".

ماري* وهي أم لأربعة أطفال، تبلغ من العمر 22 عاماً وتعيش في بيبور، تقول إن ترشيد تناول كميات قليلة جداً من الطعام لديها لأطول فترة ممكنة، بات أمراً روتينياً.

هذه المرأة اضطرت أسرتها إلى الفرار من موطنها مرات عدة خلال العام الماضي، وأمضت أياماً متواصلة في التنقل بحثاً عن مكان آمن للمكوث فيه- في ظل مأساتين فظيعتين متزامنتين سببتهما فيضانات جارفة وهجمات عنيفة.

وتقول في وصف معاناتها: "لم نتمكن، بسبب المسافات الطويلة التي كان يتحتم علينا أن نقطعها، من حمل أي مواد قيمة بما فيها الأطعمة، لأنها كانت ستعيق حركتنا". وتضيف: "قبل فيضانات عام 2019، كنت أهتم بالزراعة وأنتظر حصاد ما يكفي من الحبوب. لكن لسوء الحظ، عندما حلت الفيضانات جرفت معها معظم محصولي الزراعي. أما القليل من الحصاد الذي تمكنت من ادخاره، فاستولى عليه المعتدون الذين غزوا قريتنا في المرة الأولى، بحيث اضطررت إلى إنقاذ أطفالي، ولم أتمكن تالياً من الإبقاء على أي من تلك الحبوب".

الآن، تجد ماري نفسها مجبرة على أن تُعيش وأولادها على أي طعام احتياطي قد يتمكن جيرانها والأقارب من التخلي عنه. وقد أُعطي ابنها الثاني مكمل CSB ++  الغذائي ("سوبر سيريال بلاس" محضر من الذرة وفول الصويا والحليب المجفف ومن فيتامينات ومعادن) لمساعدته على مواجهة سوء التغذية الذي يعاني منه، والذي اضطرت الأسرة كلها لاحقاً لتناوله نتيجة الندرة الفائقة للموارد الغذائية.

وتقول هذه الأم الشابة: "إن الطعام الوحيد الموجود لدي في المنزل هو هذه الأكواب الثلاثة من السورغم (حبوب ذرة بيضاء رفيعة طعمها سكري). أقوم بطهي كوب واحد لهم في اليوم كي نتمكن من الحصول على طعام لفترة أطول. أما في حال تحتم علينا التعايش بها على مدى أسبوع، فهذا يعني أننا سنقسم الأكواب الثلاثة إلى كميات أقل لكل يوم، أو أن نتغافل عن تناول بعض الوجبات".

وتشكل أزمات الجوع في جنوب السودان عبئاً غير متناسب على النساء والفتيات بشكل خاص، بسبب حالات الزواج القسري الذي يفرضه عليهن ذووهن، في محاولة للتخلص من مسؤولية إطعامهن، كما أن عقد القران يعد وسيلة لتحقيق أموال إضافية للأسرة.

وتلفت منظمة "بلان إنترناشونال" إلى أن النزاع الذي طال أمده في تلك البلاد، جعل من اختطاف القبائل نساء وأطفالاً من الجماعات المعارضة في الأعوام الأخيرة، وسيلة للانتقام منها. في حين أنه غالباً ما يتم تزويج النساء والأطفال المختطفين في مقابل الحصول على أبقار.

فيرونيكا* الشابة التي ترعرعت في إحدى قرى منطقة بيبور، كانت تبلغ من العمر 18 عاماً فقط، عندما اختطفها مسلحون في عام 2019 لتنقل في ما بعد إلى قرية خاطفها.

وتقول مستذكرة ما حدث معها: "ذهبت مع صديقتي لجلب الحطب، لنفاجأ بعدها برجال يهرعون نحونا، ويعمدون إلى طرحنا أرضاً موجهين بنادقهم إلى رأسينا. كنا جاثمتين على الأرض فيما كانوا يلتفتون من حولهم في مختلف الاتجاهات للتأكد من أنه لا أحد يشاهدهم. ومن ثم، أرغمنا على المضي سيراً على القدمين في رحلة استغرقت ثلاثة أيام".

وتضيف فيرونيكا بأنها شعرت بوحشة قاتلة وبحنين شديد لقريتها أثناء إقامتها مع خاطفها، و"لم تتمكن من لجم دموعها" في كل مرة تذكرت فيها أن أحباءها يشعرون بقلق وحيرة لغيابها، ويتساءلون عن مكان وجودها.

وتتابع قائلة: "فكرت غير مرة في الفرار، لكني لم أجرؤ على القيام بذلك لأنني لم أكن أعرف الطرق التي سلكناها عبر الأدغال. كنت أخشى أن أضيع وسط الغابات وأواجه مخاطر أشد سوءاً كالتعرض للقتل. وبعد مرور نحو سنة على احتجازي، رتب الخاطف لي زواجاً من صديقه مقابل مجموعة من الأبقار. الآن، لدي طفل يبلغ من العمر نحو عامين".

في نهاية المطاف، حظيت فيرونيكا بفرصة جديدة، إذ أُنقذت من خاطفها على يد زعيم محلي، لكن يبقى أن تُعاد إلى كنف أسرتها. أما طفلها فوضع في عهدة والده لأن حضانة الأطفال تعود إلى الأب بحسب التقاليد السائدة في معظم المجتمعات في البلاد.

* غُيرت الأسماء لحماية هوية الأشخاص الذين تناولهم هذا التقرير

© The Independent