Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الطبقة العاملة البريطانية تصوت لمصلحة حزب المحافظين فما السبب؟

ينقلب أسفل العالم السياسي إلى عاليه مع ميل أصحاب الياقات الزرق إلى اليمين فيما يغوي حزب العمال أبناء الطبقات المتوسطة ضمن ما يمكن تسميته الانقلاب الطبقي العظيم

كسب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي شعبية واسعة في فئات غير متوقع تأييدها له (غيتي)

لم أصدق ذلك في بادئ الأمر. وقد استغرق استيعابه وفهمه مدة طويلة. ويبدو أن ذلك جاء مناقضاً تماماً لكل شيء عرفناه دائماً عن السياسة في بريطانيا، الأمر الذي استدعى إجراء تعديل كبير على نظرتنا للعالم. فقد عكست العلاقة بين الطبقة وطريقة تصويتها التقليدية. ومن المرجح حالياً أن تأتي الحصة الأكبر من أصوات حزب المحافظين من الطبقة العاملة، وليس من الوسطى، والعكس صحيح بالنسبة لحزب العمال.

لم يصبح ذلك واضحاً حتى انتخابات الأسبوع الماضي، حين باتت هذه الحقيقة بصورة مفاجئة عنصراً لا بد منه في التحليلات السياسية كلها، ولكن حينما سقطت بلدة "هارتليبول"، وهو الاسم الذي ربما كان يعني أيضاً "حزب العمال دائماً" في لغات الاسكندنافيين القدماء ممن استوطنوا إنجلترا، في يد حزب المحافظين الذي يقوده بوريس جونسون، أدرك الجميع أن شيئاً ما غير عادي يحصل. وحينما فاز حزب العمال في اليوم نفسه بانتخابات المجلس البلدي في "تشبينغ نورث"، وأيضاً بمنصب العمدة في مناطق غرب إنجلترا ومقاطعتي "كامبريدج شاير" و"بيتربوروه"، أخذنا ندرك أن العالم قد انقلب رأساً على عقب.

لقد تراكم إدراك ذلك الأمر منذ بعض بعض الوقت. حين فاز حزب العمال في "كانتربري" و"كينزينغتون" في 2017، بدا كأن الأرض قد أخذت تميد تحت أقدامنا، وكذلك الحال عندما خسر الحزب نفسه عدداً من المقاعد في مناطق الطبقة العاملة في شمال إنجلترا ووسطها في 2019. كنت أعلم أن العلاقة بين الطبقة وطريقة تصويتها التقليدية قد ضعفت منذ عام 2005. ففي كل انتخابات جرت منذ ذلك التاريخ، صار الترابط بينهما أوهى، حتى بدا كأنه قد اختفى تماماً في 2019، فيما أخذ بعض مستطلعي الآراء، كشركة "يوغوف" مثلاً، يشير إلى هذه العلاقة قد انعكست.

وكي أقول الصدق، كنت أمتع النفس بالسخرية من أولئك الكوربينين (نسبة إلى جيرمي كوربين، زعيم حزب العمال السابق) إلى درجة منعتني من تقدير الأهمية العميقة للتغيير. ولقد عانى بعض أنصار جيرمي كوربين حالة نشاز معرفي، إذا أشار المرء إلى أن حزب العمال بقيادة كوربين صار يفوز بأصوات عدد أكبر من أبناء الطبقة المتوسطة مما كان يناله من أصوات هؤلاء إبان زعامة توني بلير الذي يلقبونه بـ"مونديو مان"، ويعتبرونه سياسياً محافظاً من عيار خفيف يتملق للأثرياء.

لم يكن لدينا نحن البليريين (نسبة إلى بلير) سوى القليل من الأسباب التي تجعلنا نبتهج خلال تلك السنوات، الأمر الذي اقتضى منا أن نصنع بأنفسنا ما يسلينا. في المقابل، ثمة نقطة جدية ظهرت على الدوام، إذ أيد "حزب العمال الجديد" (التسمية التي أطلقها بلير على حال الحزب إبان قيادته) الطبقة العاملة بقدر أكبر ما اعترف به منتقدوه على الإطلاق. وقد أظهر ذلك أيضاً كريس كلارك في تحليله المفصل الذي يثير الإعجاب متناولاً المقاعد البرلمانية كلها واحداً واحداً والانتخابات العامة كلها واحدة فواحدة أيضاً.

واستطراداً، صحيح أن توني بلير فاز بمقاعد مناطق ثرية أكثر مما فعل قادة حزب العمال الذين سبقوه، بل ومن جاؤوا بعده أيضاً، غير أنه فاز أيضاً بمقاعد مناطق محرومة أكثر مما فعل أسلافه أو من خلفوه أيضاً. وبدا "العمال الجديد" أكثر نجاحاً في الفوز بأصوات ناخبي الطبقة العاملة القائمة مما فعل كوربين الذي كرس نفسه لخدمة البروليتاريا مثله الأعلى، في الوقت الذي روج لسياسات تكونت إلى حد كبير من تقديم إعانات ضخمة لأبناء الطبقات الوسطى (البروليتاريا هي طبقة العمال الصناعيين، وتستعمل الكلمة أيضاً في الإشارة إلى الشريحة الدنيا في الهرم الاجتماعي).

لم يفهم حقاً الكوربينيون (أتباع كروبين) حينما أشرنا إلى أن الإعفاء من الرسوم الدراسية، وإنهاء اختبار مدى الأحقية في تلقي المساعدات الخاصة برعاية الأطفال المجانية، وتوفير وجبات الطعام المدرسية المجانية للجميع، من شأنها كلها أن تفيد أولئك الذين يتمتعون بوضع مادي أفضل، بدلاً من أن تنفع الفقراء. وكان من المناسب بشكل كبير أنه عند تقديم كل هذه الميزات للطبقة الوسطى، فإن معدي بيان حزب العمال الانتخابي في 2017، من المقلق أن كير ستارمر وصف هذا البيان بأنه وثيقته التأسيسية، قد فاتهم أن يدرجوا وعداً بإعادة إعانات الرعاية الاجتماعية إلى مستواها السابق قبل خفضها من قبل المحافظين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكذلك من غير العادي أن حزب العمال وضع في أيدي أشخاص وصفوا أنفسهم بأنهم "اشتراكيو الصراع الطبقي" لكنهم لم يلبثوا أن وجدوا أنفسهم يكافحون من أجل الفوز بأصوات البرجوازيين، وفق ما ذكرت نادية ويتومي، وهي النائبة الجديدة عن دائرة "نوتنغهام إيست، في مقابلة أجرتها معها مجلة "نيو ستيتسمان" هذا العام.

وعلى الرغم من ذلك، لم يعد كوربين على رأس الحزب، ما يعني أن تلك اللعبة قد انتهت، وقد حان الوقت لإجراء بعض التحليل الجدي عما يحدث في البنية التحتية السياسية. لقد أدهشني ديفيد غوك، عضو مجلس الوزراء المحافظ سابقاً الذي طرد من حزب المحافظين، بما ذكره عن مدى تغير حزبه، إذ أعرب عن اعتقاده أن "الاحتمال المرجح يتمثل في أن "الحزب لن يعود إلى فلسفة المحافظين في نسختها قبل بريكست". لقد اعتقد غوك أن تغييراً أساسياً قد جرى، وأنه حدث أيضاً في السياسة الأميركية.

استناداً إلى ذلك، بدأت أتتبع ما سميته الانقلاب الطبقي العظيم، ملاحظاً أن استطلاعات الرأي الصادرة منذ 2019 قد أشارت إلى أنه بات من المرجح حالياً أن تصوت الطبقة العاملة لمصلحة المحافظين على حساب حزب العمال، وأن أداء حزب العمال في أوساط ناخبي الطبقة الوسطى أفضل منه بين ناخبي الطبقة العاملة. وقد بدا أننا تجاوزنا الحدود الفاصلة بين طرفي الانقسام الطبقي، وبات العبور من طبقة إلى أخرى ممكناً.

لكن لا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً، أليس كذلك؟ ربما شكل ذلك وهماً ناجماً عن تصنيف الدرجات الاجتماعية الذي اعتمده منظمو استطلاعات الرأي المذكورة آنفاً. يشار إلى أن أغلب شركات استطلاع الرأي تستخدم التصنيفات التقليدية في أبحاث السوق، حيث يطلق على الفئات "أ" و"ب" و"سي1" (وظائف غير يدوية) بشكل فضفاض اسم الطبقة الوسطى، في حين توضع الفئات "سي2" و"د" (وظائف غير يدوية)، ويطلق على "إي" (عمال مؤقتين وعاطلين عن العمل) كلها معاً في مجموعة واحدة تدعى الطبقة العاملة. إنها تصنيفات بدائية، غير أن التمييز بين العمال اليدويين وغير اليدويين يشكل الفارق الرئيس. إن الصورة غائمة بعض الشيء، وكذلك تختلف من صاحب استطلاع رأي إلى آخر، ولكن، بصورة عامة، تمتع حزب المحافظين في الأشهر الأخيرة بتقدم بسيط بين ناخبي مجموعة "سي2. د. إي" منه في أوساط ناخبي فئات "آ. ب. سي1".

وتستخدم "أوبيوم"، وهي إحدى شركات استطلاع الرأي، تصنيفاً أبسط، يقسم على أساسه العمال إلى فئتين هما "ذوو الياقات الزرق" (العمال اليدويون) و"ذوو الياقات البيض" (العمال غير اليدويين). وفي استطلاعات الرأي الثلاثة التي أجرتها في أبريل (نيسان) الماضي، وجدت هذه الشركة أن معدل تقدم حزب العمال بلغ نقطتين بين العمال من أصحاب الياقات البيض، في حين أن تقدم حزب المحافظين بلغ 9 نقاط بين العمال من أصحاب الياقات الزرق.

ومن الممكن اتباع طرق أخرى في تصنيف العمال. ونظراً إلى مدى عدم تبلور الأفكار المتعلقة بالطبقة وإلى طبيعتها الذاتية، فإنني أعتقد أن إحدى أفضل هذه الطرق تتمثل في سؤال الناس ببساطة إلى أي طبقة ينتمون. هناك أمران لافتان للنظر في شأن هذا النوع من البحث، يتمثل أولهما في أن أعداد الناس ممن يصفون أنفسهم بـ"الطبقة العاملة" حالياً تفوق ما كانته في أربعينيات القرن العشرين. وقد وجد استطلاع أجري هذا العام تحت عنوان "بريتين ثينكس" ("بريطانيا تعتقد") أن 54 في المئة من الناس قد سموا أنفسهم طبقة عاملة، بينما وصلت نسبة من اعتبروا أنهم من الطبقة العاملة في 1948 إلى 45 في المئة، بحسب استطلاع للرأي أجراه "معهد غالوب" في تلك السنة حين كان عدد من يمارسون أعمالاً يدوية أكبر مما هو حالياً.

واستكمالاً لتلك الصورة، لقد أجرت الاستطلاع الجديد ديبورا ما تينسون، التي عينت للتو مديرة للاستراتيجية في حزب العمال من قبل كير ستارمر، في سياق التعديل الوزاري الذي أجري في أعقاب الانتخابات. وإذا أراد حزب العمال فعلاً فهم الانقلاب الطبقي العظيم، يكون قد اختار الشخص المناسب للنهوض بتلك المهمة.

وثمة نتيجة أخرى مدهشة أظهرتها النتائج التي توصلت إليها ماتينسون، تمثلت في أن معظم الناس لا يرون أنفسهم كـأعضاء في طبقة معينة على الإطلاق. وحين يجبرون على الاختيار بين الطبقة العاملة أو الطبقة الوسطى، فإن النتائج لا تأتي متطابقة بصورة جيدة مع التقسيم إلى مجموعتي "آ. ب. سي1" و"سي2. د. إي"، على الرغم من أن مجموعة "آ. ب. سي1" قد تفكر في نفسها على أنها طبقة متوسطة فيما قد تظن "سي2. د. إي" أنها طبقة عاملة. في المقابل، يفيد ثلثا الناس، بصرف النظر عن مرتبتهم الاجتماعية أو خيارهم الطبقي الإجباري، إنهم لا يفكرون في أنفسهم "بوصفهم منتمين إلى أي طبقة اجتماعية معينة".

 

وفي وجهة مقابلة، لا تزال الطبقة أمراً مهماً. وتذكرني تلك النتيجة بالنكتة القديمة عن طالب سأل زميلته عقب إنهائها دراستها الجامعية (في مرحلة البكالوريوس) عن موضوع بحث الدكتوراه الذي تجريه. وتالياً، إن سؤالاً مثل "كيف يعمل النظام الطبقي في أميركا" قد تكون إجابته "لم أعرف أن هناك نظاماً طبقياً في أميركا"، و"هذه هي كيفية عمله"، لكن من الواضح أن الطبقة لا تقتصر على العمل الذي يؤديه شخص ما، إذ تتصل أيضاً بالثقافة، والهوية، والدخل، وربما قبل كل شيء، التعليم.

لهذا السبب، لا ينبغي أن يكون الانقلاب العظيم مفاجئاً تماماً. فخلال فترة ما، ارتبط التعليم العالي بالتصويت لمصلحة حزب العمال، وتالياً، فإن توسيع التعليم العالي يعني أن حملة الشهادات الجامعية صاروا يشكلون جزءاً أكبر في شريحة ناخبي حزب العمال. وأعطى الاستفتاء حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) هذه النزعة، دفعة قوية، إذ مال حاملو الشهادات الجامعية إلى التصويت لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي، فيما ارتبط أولئك الذين قد صوتوا لمصلحة الخروج بحزب المحافظين على نحو متزايد.

ووفق الوزير السابق غوك، إن هذه نزعة عميقة، تسير على الأرجح في اتجاه وحيد، بالتوازي مع ما يجري في الولايات المتحدة. وهناك، بحسب ديفيد شور، محلل البيانات اللامع، "أصبح المهنيون من حملة الشهادات الجامعية أساساً في الحزب الديمقراطي". وكذلك يرى شور أن "الأثرياء جداً ما زالوا ميالين إلى حزب المحافظين"، غير أن التعليم هو الذي يمثل الفجوة الكبرى التي تفصل بين الأحزاب، ويرتبط بشكل وثيق بالدخل وبالمكانة. بعبارة أخرى، يشكل (الدخل) الموقع الذي تصبح فيه الطبقة الاجتماعية حقيقية.

واستناداً إلى ذلك، دعونا نستغنِ عن الطبقة بالكامل، ونفكر بالدخل. اعتقدت أن ذلك يشكل الموضوع الذي ستفشل فيه نظرية الانقلاب الطبقي العظيم. وربما يعود ذلك إلى وجود عديد من حملة الشهادات الجامعية ممن يؤدون وظائف "الجناح اليساري" المنخفضة الأجر نسبياً، ويكون هؤلاء من مؤيدي حزب العمال. وفي المقابل، من المرجح أيضاً أن يكون حملة الشهادات الجامعية الأثرياء في حزب المحافظين. وعلى العكس من ذلك، اعتقدت أنه من الممكن ألا يتمتع كثيرون من الأشخاص ذوي الأجور المنخفضة، بهوية طبقية قوية ومع ذلك فإنهم يصوتون لمصلحة حزب العمال.

واستطراداً، يشكل ذلك الأمر الأخير الاختبار الحمضي (لنظرية الانقلاب الطبقي)، وقد وجدت أن الحقائق تقدم علاقة مدهشة. ففي انتخابات عام 2019 التي فاز فيها بوريس جونسون بفارق 12 نقطة مئوية، تقدم المحافظون بـ15 نقطة بين خمس الناخبين (1/5) الأكثر فقراً في البلاد، بينما تقدموا في أوساط خمس الناخبين الأكثر ثراء بمجرد 9 نقاط. ويناقض ذلك الوضع تماماً ما كانه الحال قبل سنتين في انتخابات 2017 حين تقدم حزب العمال على المحافظين بين الناخبين من أصحاب الدخل المنخفض (بنقطة واحدة) في حين تقدم المحافظون بـ8 نقاط في أوساط أصحاب الدخل المرتفع.

ولقد أخذت تلك الأرقام من دراسة عن الانتخابات البريطانية تشكل أكبر بحث أكاديمي استقصائي للسلوك المتبع في التصويت. وفي تحليل أعده ماثيو غودوين وأوليفر هيث لمصلحة "مؤسسة جوزيف راونتري"، يعلق الكاتبان بإن "هذه التغيرات تعني أنه، في الأقل من حيث السياسة الانتخابية، لم يعد من الممكن وصف حزب المحافظين بإنه حزب الأغنياء، فيما لم يعد من الممكن القول إن حزب العمال يمثل حزب أصحاب الدخل المنخفض، إذ يحظى هؤلاء المحافظون حالياً بشعبية أكبر بين أصحاب الدخل المنخفض، مما هي عليه في أوساط ذوي الدخل المرتفع".

وأضاف الكاتبان أن "حزب العمال يحظى حالياً بين الأغنياء جداً بالشعبية نفسها التي يتمتع بها بين أصحاب الدخل المنخفض. هكذا، فقد شهد الحزبان تغيرات في قاعدة دعمهما التقليدية. وهذا يعكس كيف أبطل بعض القواعد التأسيسية للسياسة البريطانية. ويشير أيضاً إلى حصول إعادة مواءمة عامة للسياسة البريطانية، مع انسياق الناخبين من أصحاب الدخل المتدني بشكل متزايد إلى موطن سياسي جديد في استجابة إلى مجموعة محددة من المخاوف، جرى التعبير عنها بالشكل الأوضح في سياق قضية بريكست، مع أن التعبير عن تلك المخاوف لا يقتصر على ذلك بالضرورة".

وفي ذلك الصدد، تشكل تلك المعطيات أخباراً كبرى بالنسبة لمن تعلموا من بيننا سياساتهم تيمناً بجون كيرتس والجدال الأكاديمي حول "تفكيك التواؤم الطبقي" في ثمانينيات القرن العشرين. وقد جادل كيرتس وزملاؤه في "كيف تصوت بريطانيا" (1987) و"فهم التغيير السياسي" (1991)، أن الطبقة لم تكن في طور التحول إلى شيء اقل أهمية في شرح السلوك المتبع عند التصويت مع مرور الوقت، إلا أن التغيرات في هذا السلوك أظهرت "تقلباً من دون اتجاه"، يعكس تغيرات سياسية من نوع إطلاق الحزب الديمقراطي الاشتراكي.

والآن، وفق ما يجادل غودوين وهيث، نحن نشهد حقاً إعادة مواءمة طبقية، تجري بفعل التصويت لمصلحة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، غير أنها كان قيد التشكل في انتخابات 2017 و2019 وحتى تلك التي جرت الأسبوع الماضي. وبذا، يكون التغير في بعض النواحي واضحاً إلى حد لا يكاد يحتاج معه إلى أدلة استقصائية في دعمه. ومن الأمثلة على ذلك، صورة العمال اليدويين في شمال إنجلترا مع الملصق الذي صنعوه في بيوتهم ويوردون فيه "نحن نحب بوريس" المطبوع في البيان الانتخابي لحزب المحافظين. واستطراداً، يعبر فوز حزب العمال بمقاعد دوائر انتخابية جامعية، عن الوزن الثقيل للاحتقار الذي تكنه المؤسسة المعارضة لبريكست حيال حكومة الخروج من الاتحاد الأوروبي التي صورت (الحكومة) نفسها كما لو إنها مجموعة من الغرباء الذين لاعلاقة لهم بهذا الفصيل أو ذاك، لكنها تدافع عن صوت الذين لا صوت لهم.

في المقابل، يبرز تغيير صادم للغاية في نواح أخرى، إلى درجة أن حزب العمال على وجه الخصوص يحتاج إلى سنوات كي يتصالح معه. ويتجسد ذلك في إن احتمال تصويت أصحاب الدخل المنخفض لمصلحة حزب يعتقد أنه موجود كي يفيدهم، بات أقل من إمكانية تصويت ذوي الدخل المرتفع له، ممن يفترض أنهم سيدفعون التكلفة.

واستطراداً، تدور كل افتراضات حزب العمال وخطاباته حول "الأكثرية وليس الأقلية"، وتعني الأكثرية هنا هؤلاء الذين ينتمون إلى فئة أصحاب الدخل الذي يتراوح بين المستويين المتوسط والمنخفض. وتستند كل الافتراضات والتعليقات السياسية إلى فكرة قوامها أن المحافظين يشكلون حزب الأغنياء، ورجال الأعمال والنخبة، ولكن، وفق وصف شور عن أميركا، تنزع النخبة حالياً إلى التوجه يساراً. وينضوي المهنيون في الولايات المتحدة ممن يحملون شهادات جامعية في الحزب الديمقراطي، تماماً على غرار ما ينتقلون هنا (في المملكة المتحدة) إلى حزب العمال (مع جزء جانبي يتجه إلى حزب الخضر وحزب الديمقراطيين الأحرار).

وسيكون لهذا عواقبه الوخيمة، بحسب شور. وتتمثل إحدى هذه التداعيات في أن الحزب الديمقراطي يملك المال. وإذ يمتلك عدد أكبر من المانحين الصغار مما لدى الحزب الجمهوري، بحسب شور، فإن هؤلاء قد يسمون مانحين "صغاراً" لكنهم يميلون في حقيقة الأمر إلى أن يكونوا من الأغنياء. ويتمتع ذلك الحزب أيضاً ببيئة إعلامية أكثر اعتدالاً مما كانته في الماضي. وعلى الرغم من كل الضجيج الذي أثير حول نشر "فوكس نيوز" المواد الدعائية الخاصة بالحزب الجمهوري، فإن الحقيقة الأكثر أهمية تتأتي من أن معظم الصحافيين في معظم المؤسسات الإعلامية هم من حملة الشهادات الجامعية من الميالين بصورة شخصية إلى الحزب الديمقراطي.

في سياق مماثل، يحدث هنا (في المملكة المتحدة) الشيء نفسه. قد لا تكون السياسة البريطانية غارقة في المال كالسياسة الأميركية، غير أن اليسار اعتاد أن يكون أكثر إنفاقاً، لكنه الآن لم يعد كذلك. وعلى الرغم من كل ما اشتكى منه معارضو كوربين في مسألة خطة إشراك الأنصار في عمل الحزب لقاء رسم معين، أي مشروع إد ميليباند الرامي إلى السماح للأشخاص المسجلين كمؤيدين للحزب بالتصويت في انتخابات زعامته لقاء 3 جنيهات استرلينية، فالحقيقة أن حزب العمال قد جمع مبالغ ضخمة من اشتراكات أعضائه الكثيرين، بشكل رئيس عبر رسوم اشتراك كاملة باهظة ومن خلال تبرعات "صغيرة" أيضاً. وكذلك نشرت مفوضية الانتخابات في الشهر الماضي أرقاماً عن الإنفاق على الانتخابات الأوروبية والانتخابات العامة (البريطانية) في 2019، تظهر أن حزب العمال وحزب الديمقراطيين الأحرار معاً قد تجاوزا من حيث الانفاق حزب المحافظين وحزب البريكست، أي إن أنصار البقاء في الاتحاد الأوروبي أنفقوا أكثر من أنصار الخروج.

من زاوية أخرى، تختلف وسائل الإعلام البريطانية كلياً عن نظيراتها في أميركا، لكن مجدداً يميل المراسلون بصورة طاغية إلى أن يكونوا من أنصار البقاء (في الاتحاد الأوروبي)، ما لم يكونوا فعلاً من أعضاء حزب العمال. ويعمل بعض هؤلاء في صحف تؤيد حزب المحافظين بصورة علنية، أو أنهم يعملون لدى إذاعات أو محطات تلفزيونية المطلوب منها قانونياً أن تكون محايدة، إلا أن ميول بعض من يعملون يجب أن تحدث فرقاً.

في المقابل، من المرجح أن أكبر العواقب ستكمن في تغيير القضايا التي تتنافس عليها الأحزاب. وإذا صح أن أصحاب الدخل المنخفض لن يصوتوا لمصلحة حزب يعتقد أنه موجود كي يرجح كفة "ميزان القوى والثراء لمصلحة العمال"، وفق ما أورد (الوزير العمالي السابق) توني بن في البيان الانتخابي في فبراير (شباط) 1974، فلربما سيبدأ هذا الحزب بالاهتمام بأشياء أخرى.

وربما لهذا لم يلاحظ كوربين أن بيانه الانتخابي قد تضمن تحويل الموارد لمصلحة الأغنى، أو أنه أغفل الوعد بإعادة الإعانات إلى مستواها السابق على خفضها من قبل المحافظين. وربما لهذا السبب سمح حزب العمال (هنا، في المملكة المتحدة) والديمقراطيون (هناك، في الولايات المتحدة)، لأنفسهم بتغير خطهم والانشغال بقضايا "الحرب الثقافية" التي نفرت بعض مؤيديهم من أصحاب الدخل المنخفض الذين لديهم ميول محافظة اجتماعياً.

وكخلاصة، لقد أتى أحد أكثر التعليقات دلالة حول انتخابات "هارتليبول" الاستثنائية من مرشح "الحزب الديمقراطي الاشتراكي"، الحزب الذي بعث من جديد بوصفه نسخة متشككة في الاتحاد الأوروبي، عن ذلك التنظيم الذي كان عليه في الأصل حين انفصل عن حزب العمال في عام 1981، إذ ذهب هذا الحزب إلى أن "حزب العمال يمثل حالياً الأغنياء الذين يقولون للفقراء إن الأغنياء الآخرين هم مشكلتهم".

وأخيراً، ثمة سؤال كبير في شأن كون الانقلاب الطبقي العظيم مجرد حدث ثانوي مؤقت ناجم عن بريكست، ستعود بعده السياسة إلى شكلها المألوف بصورة أكبر، حينما يصبح الخروج من الاتحاد الأوروبي اعتيادياً بوصفه جزءاً لا يتجزأ من النظام. لا أعتقد ذلك، لأن التوسع في التعليم يشكل الاتجاه على المدى البعيد.

من الصعب أن نتخيل حزب المحافظين وقد حل محل حزب العمال بوصفه المعني بإعادة توزيع الثروة أو تحقيق مساواة أكبر. ويبدو شعار "رفع المستوى" لدى جونسون، محاولة مختلسة تهدف إلى احتلال ذلك الموقع. وفي المقابل، ربما شكل ذلك الموقع الميدان الذي ستدور عليه معارك انتخابية ستننقل اهتماماتها من الاقتصاد إلى أسئلة الهوية. ولئن خضنا انتخابات عام 2019 على نحو غير مألوف، بمعنى أن المعركة دارت حول مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي، فلعلها جاءت نموذجاً من انتخابات مقبلة.

© The Independent

المزيد من آراء