Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصيادون... صداع في رأس الدبلوماسية المصرية

أزمات متكررة لاحتجازهم في دول مجاورة على الرغم من امتلاك البلاد سواحل طولها نحو 3 آلاف كيلومتر

صيادون مصريون أفرج عنهم بعد دخول المياه الليبية دون إذن  (أ ف ب)

على الرغم من امتلاك مصر سواحل طولها نحو 3 آلاف كيلومتر، فإن الصيادين المصريين كثيراً ما يتوجهون لسواحل دول مجاورة، ما يعرضهم للاحتجاز، وتدخل أجهزة الدولة في محاولات للإفراج عن مواطنيها، وكان آخر تلك الوقائع إفراج إريتريا عن عشرات الصيادين المصريين بعد احتجاز دام أشهراً، بتهمة الوجود في المياه الإقليمية الإريترية دون تصريح، وتدخل وزير الخارجية سامح شكري عبر اتصال هاتفي مع نظيره الإريتري، عثمان صالح، في فبراير (شباط) الماضي، كما تحرك عدد من نواب البرلمان للإفراج عنهم. وتكررت تلك الأزمة سابقاً في عدة دول منها تونس وليبيا واليمن.

ثروة سمكية محدودة

يدفع امتلاك مصر سواحل على البحرين الأحمر والمتوسط، بالإضافة إلى نهر النيل وقناة السويس وعدد من البحيرات، إلى التساؤل حول الأسباب التي تدفع الصيادين لعدم الاكتفاء بتلك السواحل والذهاب بصورة غير شرعية إلى سواحل دول أخرى.

يرجع أيمن عمار، الرئيس السابق للهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، لجوء الصيادين المصريين إلى سواحل الدول المجاورة إلى عدم كفاية الإنتاج السمكي في السواحل المصرية، قائلاً "قدرنا أن السمك قليل في شواطئنا"، وفسر ذلك بأن "البحر المتوسط من البحار المستنزفة ونظيره الأحمر مليء بالشعاب المرجانية باستثناء خليج السويس". وأوضح أن "عدد مراكب الصيد الحاصلة على تراخيص وطاقتها الإنتاجية أكبر من المتوافر من الأسماك في السواحل المصرية، وعندما لا يجد الصياد ما يكفيه من أسماك في المياه الإقليمية المصرية، يضطر إلى الاتجاه لسواحل الدول المجاورة"، موضحاً أن "أزمات احتجاز الصيادين المصريين تتكرر على مدار العقود الثلاثة الماضية". وأضاف أن "الصياد المصري يغامر لأن الربح المادي مُغرٍ جداً من رحلات الصيد، خصوصاً أن حالات الاحتجاز عددها محدود مقارنة بما يقوم به الصيادون المصريون من رحلات صيد في سواحل الدول المجاورة".

الإضرار بعلاقات مصر الدبلوماسية

وأضاف عمار لـ"اندبندنت عربية"، "أنه لا توجد وسائل علمية تزيد من الإنتاج السمكي في الشواطئ المصرية"، مؤكداً أن حل أزمة احتجاز الصيادين المصريين في دول الجوار هو توقيع الدولة المصرية اتفاقيات للسماح لمراكب الصيد المصرية بالعمل في سواحل إريتريا واليمن والصومال في البحر الأحمر، وليبيا وتونس في المتوسط"، موضحاً أنه "كانت توجد اتفاقية بين مصر واليمن، لكن ظروف الحرب اليمنية تحول دون تطبيقها حالياً".

ودعا الرئيس السابق لهيئة تنمية الثروة السمكية إلى "تحسين منظومة الصيد في البحيرات، عبر مجموعة من الإجراءات مثل إنشاء ميناء صيد صغير وأماكن تخزين في بحيرة المنزلة، بدلاً من العشوائية التي قد تؤدي لفساد الأسماك، بالإضافة لتوفير قاعدة معلومات تساعد على إدارة صيد وصناعة الأسماك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال عمار، إن "الصيادين المحتجزين يكلفون الدولة المصرية الكثير من علاقاتها الدبلوماسية وسمعتها في الإقليم". وأشار إلى "قيامهم بممارسات خاطئة تدفع الدول للتشدد في احتجازهم مثل صيد السمك الصغير"، مشيراً إلى "أن من مهام هيئة الثروة السمكية الرقابة على الصيادين ومراكب الصيد، لكن العقوبات المنصوص عليها في قانون صيد الأسماك رقم 124 لعام 1983 غير كافية، بعد أن أصبح القانون غير مواكب للتطورات والغرامات فيه هزيلة بالنظر لقيمة العملة حالياً". وأضاف أن تعديلات على القانون تناقش حالياً في مجلس النواب، وإنه كان ضمن اللجنة التي أعدت التعديلات التي يصفها بأنها حاسمة لأزمات الصيادين، حيث تنص التعديلات المقترحة على إلغاء تصريح أي مركب يحتجز في الخارج، كما يضع عقوبات على من يضبط بالأسماك الصغيرة تبدأ بغرامة 50 ألف جنيه (3192 دولاراً أميركياً) وتصل للسجن حال تكرار المخالفة، مؤكداً أن التعديلات التشريعية تحل نحو 70 في المئة من قضايا الإنتاج السمكي.

الحل ليس تشريعياً

لكن ضياء الدين داوود، عضو مجلس النواب عن محافظة دمياط المطلة على البحر المتوسط، لا يجد الحل في التعديل التشريعي، وقال "إن مجلس النواب انتهى من مراجعة ثلثي تعديلات الحكومة على قانون الصيد، الذي قدمته الحكومة للبرلمان في دور الانعقاد الماضي، وتعطل النقاش حوله بسبب اندلاع جائحة كورونا، ثم تمسكت به الحكومة في دور الانعقاد الجديد الذي بدأ في يناير (كانون الثاني) الماضي". وشدد على "أن تغليظ العقوبات في التعديلات الجديدة قد يكون مطلوباً، لكنه لن يمنع أزمات الصيادين وعملهم في شواطئ الدول"، مؤكداً أن "الحل الجذري هو توقيع الدولة المصرية اتفاقيات مع الدول المجاورة، إلى جانب تحسين الظروف المعيشية للصياد، ودعم الدولة لتطوير وتحديث الأسطول البحري المصري، لزيادة أرباح الصيادين ما يغنيهم عن الإبحار لشواطئ الدول الأخرى".

وجاء الإفراج عن الصيادين المحتجزين في إريتريا بعد تحركات برلمانية من أعضاء مجلس النواب، وخاصة الممثلين لمحافظة دمياط التي ينتمي لها معظم الصيادين الذين كانوا محتجزين، ومنهم النائب ضياء الدين داوود، الذي أكد أن الشواطئ المصرية لم تشهد راحة بيولوجية في العشر سنوات الأخيرة، ما يعني عدم إتاحة الفرصة لتكاثر الأسماك في موسم معين يصل إلى نحو 3 أشهر سنوياً، كما يقوم بعض الصيادين باستخدام شباك مخالفة للمواصفات والصيد الجائر، ما يؤدي إلى إهدار كميات كبيرة من الأسماك، بالتالي يبحث الصياد المصري عن دول لا تمتلك أساطيل صيد وغزيرة الإنتاج السمكي، ويتجه لها لتحقيق عائد مناسب، بخاصة بعد أن تضاعفت تكاليف رحلات الصيد، سواء المحروقات والصيانة والثلج.

وأضاف عضو مجلس النواب، أن "كثيراً من الصيادين المصريين يذهبون لسواحل دول أخرى بالاتفاق مع شركات قطاع خاص في تلك الدول، لكن مع تردي الوضع الأمني في بعض الدول يتعرض الصيادون لمضايقات وقرصنة أحياناً واحتجاز من بعض الجهات التي تحتجزهم"، مؤكداً أن "الحل الجذري للأزمة أن تسعى الدولة المصرية لعقد اتفاقيات مع دول الإقليم، للسماح لأسطول الصيد المصري بالتمدد في شواطئ تلك الدول".

مناشدات الخارجية

ووجهت وزارة الخارجية المصرية عدة نداءات للصيادين المصريين بعدم دخول المياه الإقليمية لأي دولة، إلا بعد الحصول على التراخيص اللازمة من سلطات تلك الدول، احتراماً للقوانين الدولية والمحلية في تلك الدول، وحفاظاً على أرواحهم ولتفادي الوقوع تحت طائلة قوانين تلك الدول.

وأكدت الوزارة، في بيان سابق، أن مخالفات الصيادين تضع وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية المصرية في مواقف ضاغطة لتناول هذه المخالفات مع السلطات المحلية لدول الاحتجاز، وبذل جهد دبلوماسي مكثف للإفراج عن الصيادين، وأكدت أن الدول تراعي دائماً الرعايا المصريين، وتأخذ العلاقات الطيبة القائمة التي تربطهم بمصر في الاعتبار، بحسب بيان سابق لوزارة الخارجية المصرية.

برأي داوود، "لن تسفر أي جهود للتوعية في أثناء الصيادين المصريين عن الصيد في الدول المجاورة، لأن (الحاجة أم الاختراع)، وطالما بقيت ظروفهم الاقتصادية صعبة ولا يحقق الصيد بمصر عائداً مناسباً، سيضطرون إلى شواطئ الدول الأخرى"، موضحاً أن "خرق القيود يقوم به الصيادون المصريون حتى في الشواطئ المصرية، بخرق حظر الصيد المفروض في شواطئ شمال شبه جزيرة سيناء، المفروض منذ سنوات بسبب العملية العسكرية التي يقوم بها الجيش المصري ضد العناصر الإرهابية هناك".

وأشاد عضو مجلس النواب بدور وزارة الخارجية ومؤسسات الدولة في إعادة الصيادين المصريين من الدول التي تحتجزهم، حيث أعادت إريتريا الصيادين دون محاكمة وفي طائرة خاصة.

ارتفاع تكاليف التشغيل

المشكلة الأساسية أمام الصيادين المصريين بحسب مجدي مرعي رئيس اتحاد صيادي محافظة كفر الشيخ (شمال مصر)، هي "مخالفات بعض العاملين في الصيد الذين يصيدون ما يسمى (الزريعة)، وهي الأسماك الصغيرة قبل إتاحة الوقت الكافي لتكاثره، ما يؤدي لنقص الإنتاج السمكي المتاح في ظل غياب الرقابة على الشباك المستخدمة في الصيد، وطالب مرعي بمنع الدولة الصيد في حدود 5 أميال بحرية من الشاطئ، وتطبيق رقابة صارمة لمنع صيد السمك الصغير وإتاحة الفرصة للتكاثر".

وانتقد رئيس اتحاد صيادي كفر الشيخ ارتفاع تكاليف تشغيل مراكب الصيد، موضحاً، أنه "أطلق أخيراً سفينة صيد تحمل محروقات بقيمة 200 ألف جنيه (12771 دولاراً)، ما يدفع الصيادين إلى المجازفة والذهاب إلى المياه الدولية والمناطق البحرية الخاصة بدول أخرى، لتغطية مصاريف تشغيل المركب، لأنه لا يمكن لرحلة صيد في المياه المصرية أن تحقق مكاسب تكفي تكلفة تشغيلها".

وأوضح أن "أزمة تكرار احتجاز الصيادين المصريين في دول مجاورة لن تتوقف، إلا إذا تدخلت الدولة لتحسين الأوضاع الاقتصادية للصياد وتخفض تكاليف تشغيل سفن الصيد". وأشار إلى أن "الحكومة بدأت الاهتمام بالصياد بعد عقود من التجاهل، ووعدت وزيرة التضامن الاجتماعي بصرف إعانة مالية للصيادين المتوقفين عن الصيد لمدة 3 أشهر، لإتاحة الفرصة لتكاثر الأسماك". كما طالب بإنشاء وزارة معنية بشؤون الصيد، وفصله عن صلاحيات وزارة الزراعة، واستبعد أن تكون السفن تضل طريقها في البحر باعتبار كافة سفن الصيد المصرية مجهزة بأجهزة التوجيه الملاحي (GPS) وكافة التجهيزات الموجودة في السفن الكبرى.

وقال مرعي، إن "دولاً مثل ليبيا ومالطا وتونس ليس لديها من يعمل بالصيد، ويعتمدون على الصياد المصري في جمع ما يكتنزه البحر المتوسط من ثروة سمكية". وأضاف أن "المياه الاقتصادية المصرية تعمل بها مراكب صيد عملاقة تابعة لعدة دول مثل اليابان وإنجلترا، خاصة في موسم سمك التونة". وطالب السلطات المصرية بدعم القطاع الخاص في مجال الصيد من خلال اتفاقيات تعطي ضمانات للعمل في مياه الدول الأخرى، مشيراً إلى "وجود سفن صيد مصرية تعمل في شواطئ السنغال وموريتانيا والصومال، بالاتفاق مع شركات داخل تلك الدول، تكون تابعة للقطاع الخاص، بالتالي تحتاج السفن المصرية إلى ضمانات لعدم تعرضها للمضايقة أو الاحتجاز من الحكومات".

إنتاج مصر من الأسماك

بحسب تقرير صدر عام 2018 للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ عدد الصيادين العاملين على مراكب مرخصة أكثر من 36 ألف صياد، في أكثر من 28 ألف مركب مرخصة بمختلف أنواعها في البحرين الأحمر والمتوسط ونهر النيل والبحيرات وقناة السويس، بينما يقدر رئيس اتحاد صيادي كفر الشيخ عدد العاملين في الصيد والحرف المرتبطة بالأسماك في مصر بنحو 10 ملايين شخص، ويرجع الاختلاف بين الأرقام الرسمية والمعلنة إلى وجود كثير من يعملون في الصيد موسمياً، بينهم طلاب في الجامعات وأصحاب حرف أخرى، مضيفاً أن الصيد استوعب العاملين العائدين من دول الخليج بعد تسريحهم بسبب تداعيات أزمة فيروس كورونا.

وبلغ إنتاج مصر من الأسماك العام الماضي مليوناً و920 ألف طن من الأسماك، 20 في المئة منها من المصايد الطبيعية والباقي نتاج الاستزراع السمكي، بحسب تقرير صادر عن هيئة تنمية الثروة السمكية التابعة لوزارة الزراعة، وفي فبراير (شباط) عام 2020 أعادت السلطات المصرية 32 صياداً احتجزوا لعدة أشهر في اليمن.