Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يؤدي تأزم العلاقة بين الجيش والسودانيين إلى فض شراكة الحكم؟

القوات المسلحة أمام اختبار الثقة بتسليم مطلقي الرصاص على محتجين سلميين

تعهد الجيش السوداني بتقديم قتلة المحتجين إلى العدالة (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ينتظر السودانيون نتائج التحقيق الذي تعهد الجيش بإجرائه، إثر سقوط قتيلين برصاص قواته، خلال إحياء الذكرى الثانية لفض اعتصام القيادة العامة، الثلاثاء في 11 مايو (أيار) الحالي، وخاصة بعد تأكيده أنه لم يصدر أي تعليمات باستخدام الذخيرة الحية تجاه المواطنين في محيط المبنى.

وفي أعقاب هذه الحادثة، سادت البلاد حالة من التأزم وانعدام الثقة بين الشارع والمؤسسة العسكرية، ما أدى إلى إغلاق محتجين الطرقات الرئيسة في العاصمة المثلثة (الخرطوم وأم درمان وبحري) بالأحجار خلال عيد الفطر...  فما تأثير هذا الاحتقان الشعبي تجاه القوات المسلحة، على مستقبل الشراكة في الحكم بين المكونين العسكري والمدني؟ وكذلك على استقرار البلاد سياسياً؟

عقيدة شريرة

يقول الأمين العام لحزب الأمة القومي، الواثق البرير، إن "هناك كثيراً من التداعيات التي تشهدها البلاد، ولقد حاولنا التنبيه إليها قبل وقوع هذه الأحداث المؤسفة، ونعتقد بالنسبة لنا في حزب الأمة أن هناك عثرات وتعقيدات في المشهد السوداني لا بد من التعامل معها بحسم وقوة، وعلى القوى السياسية أن تتحمل مسؤولياتها في إيجاد مخرج يعيد التوازن للبلد"، موضحاً أن "ما حدث في الذكرى الثانية لفض اعتصام القيادة العامة يشير إلى وجود خلل كبير، ستكون السيطرة عليه صعبة في في حال استمراره، لذلك حددنا 30 يوماً للتوصل إلى حقيقة هذه الجريمة وتقديم الجناة إلى العدالة والمحاسبة، لأنها واضحة المعالم، حيث ارتكبت في محيط القيادة العامة، وعلى القوات المسلحة تحديد من أطلق الرصاص لمحاكمتهم من دون تضييع للوقت".

وأضاف البرير، "من أهم الأسباب التي أدت لوقوع هذه الأحداث تأخر التحقيق في فض الاعتصام الأول للقيادة العامة منذ عامين، بالتالي تكرر المشهد مرة ثانية، لأن مرتكبي هذه الجريمة لم يلمسوا أن هناك عدالة وإرادة داخل أجهزة الحكم".

ولفت إلى أنه "أصبح من الواضح جداً أن الأجهزة الأمنية والعسكرية لم تستوعب التحول الديمقراطي والحريات العامة، والتغيير الثوري الذي حدث في البلاد بوقوع ثورة ديسمبر (كانون الأول) التي أطاحت بنظام الرئيس السابق عمر البشير، حيث ما زالت تتمسك بالعقيدة الشريرة السابقة نفسها، الأمر الذي يؤكد أنها في حاجة إلى إعادة تأهيل لفهم التطورات السياسية الجديدة".

مراجعة الشراكة

وأشار الأمين العام لحزب الأمة القومي إلى أن "الشراكة تحتاج إلى مراجعة بين المكونين العسكري والمدني، فلا بد أن تبنى على قدر عالٍ من الثقة، من دون أن تكون هناك أجندة خفية لأي من الطرفين، بل توازن داخل مجلسي السيادة والشركاء، يستند إلى تمثيل الكيانات المؤثرة والفاعلة جماهيرياً وتاريخياً، فالعلاقة حالياً غير متكافئة، وهو ما انعكس على القرارات والمراسيم التي تصدر من دون مناقشات عميقة وواسعة".

وحمل البرير مجلس الوزراء جزءاً من الإخفاقات التي حدثت من ناحية أن "كثيراً من الملفات الأمنية وغيرها لم يتحقق فيها أي تقدم. وما أحداث الجنينة التي وقعت في مطلع أبريل (نيسان) الماضي وما سبقها، وتكرار أحداث اعتصام القيادة العامة، وما يجري من تفلتات أمنية بشكل عام، إلا دليل يؤكد أن هناك مشكلة أدت إلى عدم قدرة الحكومة على وضع يدها على هذه الملفات المهمة". 

وأكد أن المشهد يتطلب جلوس القوى السياسية للتفاكر والتوافق حول منهج جديد حفاظاً على الوطن من التفتت، فلا بد من حاضنة سياسية حقيقية تقود البلاد إلى بر الأمان، في ظل وجود مجموعات سياسية عدة تحمل أجندات مختلفة، وبعضها يسعى إلى عدم إنجاح عملية الانتقال الديمقراطي.

خطاب كراهية

في المقابل، قال الباحث السوداني في الشؤون العسكرية اللواء مهندس ركن أمين إسماعيل مجذوب، إن "انتشار خطاب الكراهية والعنف اللفظي بين السودانيين والقوات المسلحة، أمر خطير جداً ويعود إلى عدد من الأسباب والحوادث التي حدثت منذ ثورة ديسمبر 2019، وحتى الآن"، مشيراً إلى أن "ترك الأمور بهذا الشكل سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان، وحدوث ما لا تحمد عقباه، لكن أعتقد أن القيادة العسكرية قادرة على تجاوز هذه المرحلة بذكاء، كما أن الشعب السوداني مشهود له بالوعي ويستطيع تجاوز مثل هذه الأمور".

وأضاف، "ما حدث عند فض الاعتصام عام 2019 وفي الذكرى الثانية غير مقبول، ولا بد من محاسبة المتورطين"، مشيراً إلى إنشاء "لجنة تحقيق برئاسة المحامي نبيل أديب، والآن تم تشكيل محاكم ووضع بعض الأفراد قيد التحقيق، ويؤمل أن تظهر النتائج قريباً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال مجذوب، "هناك مبادئ لا بد أن يعلمها الجميع، منها مبدأ مسؤولية القوات المسلحة عن الأمن الوطني والسياسي والإنساني والغذائي والمائي، وكل هذه المسؤوليات تتقاطع مع ما هو موجود على الساحة السياسية".

وأشار إلى أن "هذا الاحتقان ولد فراغاً سياسياً، حيث لا يوجد أي نوع من التواصل بين القوى السياسية والشعب السوداني، في وقت توجد فيه تخوفات مما يحدث على الحدود السودانية – الإثيوبية وملفات سد النهضة والصراع التشادي، فضلاً عما يحدث في حرب الموانئ، والنفوذ الدولي على ساحل البحر الأحمر".

وطالب القيادات السياسية في الساحة السودانية بأن "تتحرك لدعم ما هو موجود الآن، ومؤازرة القوات المسلحة فيما تحمله من أعباء، وبحث سبل إكمال الفترة الانتقالية، وخاصة أن الجيش انحاز للثورة الشعبية، وشارك كمجلس عسكري انتقالي، فضلاً عن مشاركته حالياً في مجلسي السيادة والوزراء بموجب الشراكة مع المكون المدني التي حددتها الوثيقة الدستورية".

ويتساءل مجذوب، "كيف سيتم فض هذا التلامس؟ وكيف ستخرج القوات المسلحة من الحياة السياسية بعد الاطمئنان إلى ما هو موجود؟"، منوهاً بأن حالة السيولة السياسية الموجودة الآن تخلق نوعاً من التخوفات على مستقبل الدولة وتحالفاتها، وكذلك على كيفية تحقيق الأمن الاقتصادي ورفاهية المواطن.

وأضاف، "صحيح أن القوات المسلحة مسؤولة عن الأمن وحماية الشعب السوداني وحدوده وسيادته، لكن من المهم أن تتم المحاسبة في أي تجاوزات".

ويعتقد الباحث في الشؤون العسكرية أن "الخروج من هذا المأزق يتمثل في إيجاد مشروع قومي يحدد كيفية حكم السودان، وطبيعة العلاقة بين القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى، والسياسيين والشعب السوداني حتى تكون هذه الفواصل واضحة مع مزيد من التدريب والتنوير للكوادر العسكرية بما حدث من تغيير بعد الثورة".

إيقاف المتورطين

وكان وزير الدفاع السوداني الفريق ياسين إبراهيم، أعلن، الأربعاء 13 مايو، عن وضع كل المتهمين بإطلاق الأعيرة النارية من أفراد القوات المسلحة قيد الإيقاف، تمهيداً لتسليم مرتكبي الجريمة إلى العدالة خلال أيام معدودة.

وأطلع إبراهيم مجلس الوزراء خلال جلسة طارئة على تفاصيل الأحداث المؤلمة، معبراً عن أسف المؤسسة العسكرية مما جرى، مؤكداً تعاونها التام مع الجهات العدلية والقانونية للوصول إلى الحقائق.

ودان رئيس الوزراء عبدالله حمدوك الحادث، قائلاً إنه "جريمة مكتملة الأركان استخدم فيها الرصاص الحي ضد متظاهرين سلميين، وهو أمر لا يمكن السكوت عنه مطلقاً".

وطالب وزراء الداخلية والدفاع والإعلام ومدير جهاز الاستخبارات العامة والنائب العام ووالي الخرطوم بإكمال تحرياتهم والتسريع في إجراء التحقيق حول ما حدث لتسليم المطلوبين للعدالة بصورة فورية ومن دون إبطاء.

وأكد النائب العام السوداني تاج السر الحبر أنه أخطر رسمياً القوات المسلحة بتسليم الأشخاص المتورطين في حادث القتل، بما في ذلك من أمر بإطلاق النار، مع تسليم الأسلحة إلى النيابة.

وأعرب عن أمله في تعاون القوات المسلحة لاستكمال إجراءات التحري وتقديم المتهمين للمحاكمة. كما أعلن عن إصدار منشورات تمنع استخدام القوة المفرطة في مواجهة التجمعات السلمية، باعتبار أن حق التعبير مكفول بنص الوثيقة الدستورية والقانون.

المزيد من تقارير