Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"قوائم بديلة" لاحتفال المصريين بالعيد بعد قرارات الإغلاق

منظمة الصحة العالمية تدعو المحتفلين بأن يجعلوه "فطراً" آمناً بلا عدوى

تأمل الحكومة المصرية أن يمر عيد الفطر بإغلاق تام تجنبا لمخاطر كورونا  (أ ف ب)

استقرت أسعار الكعك، وسادت أجواء الإجازة، وصدرت قرارات الإغلاق الوقائي. وفي الوقت نفسه، استعد الفريق الآخر بكعك بديل وإجازة مخططة مسبقاً وقرارات من شأنها أن تمحو آثار الإغلاق وتتغلب على جهود الحظر والاحتراز وكل ما من شأنه أن يعرقل طقوس الاحتفاء بعيد الفطر المبارك.

عيد الفطر يهل للعام الثاني على التوالي ومصر والكوكب في قبضة الفيروس بسلالاته وتحوراته وموجاته. وبينما عائلات بأكملها تصارع الفيروس في بيوتها حيث خبرة مكتسبة في إجراءات العزل المنزلي وبروتوكول علاجي بات معروفاً لتخفيف الأعراض وتقبل الأمر الواقع باعتباره إرادة الله، تجري استعدادات استقبال العيد على قدم وساق.

خبرة الكر والفر

اكتسب المصريون خبرة جيدة في قواعد الكر لاقتناص فرص الاحتفال البديل والفر خوفاً من تطبيق قرارات الإغلاق وقوانين المنع والحظر فعلياً وليس نظرياً فقط. لم تمر دقائق بعد ما أعلن رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي عن الغلق الكامل للحدائق والمنتزهات العامة والشواطئ حتى كان العديد من الأسر المصرية يدبر الخطط البديلة في حال طبقت الحكومة الإغلاق المعلن عنه بالفعل.

مخططات السفر إلى الإسكندرية والتوجه نحو العين السخنة وقضاء يوم في أحضان الطبيعة في حدائق المنتزة أو الحيوان أو حتى الأسماك وجدت نفسها قيد جدية تنفيذ القرارات. خلف كل باب مغلق تدور السجالات الأسرية حول إجازة العيد التي أفسدتها قرارات الإغلاق بعدما تنفس الطلاب الصعداء بقرار الانتهاء المبكر للعام الدراسي، ومعها نقاشات البدائل المطروحة للترفيه في العيد بعد انقضاء شهر الصيام وتعطش الجميع لتنفس الصعداء. ولا تخلو التجهيزات الأسرية من خلاصة الخبرة المستفادة من أشهر عاشها الجميع في كنف الوباء وما استوجبه من انصياع لقرارات حكومية بحظر تجول أو إغلاق كلي أو جزئي أو قيود فُرِضت على نوعية الأنشطة المسموحة وساعات التجول المفتوحة.

الإغلاق وخرقه

في حال تصرفت الدولة بجدية مع تطبيق قرارات إغلاق المتنزهات والشواطئ العامة، ستكون هناك قوائم بديلة جاهزة للاستخدام الفوري. فإذا تم إغلاق الشاطئ الرملي؟ فإن المقاعد البلاستيكية جاهزة على الأرصفة المتاخمة للشواطئ. وإذا تم منع دخول المواطنين المتنزهات العامة؟ فرحابة الشارع وسعة الميادين تفي بالغرض. وإذا تم إغلاق المراكز التجارية حيث يحلو التسكع ويستطيب المشي على غير هدى؟ فإن شوارع وسط المدينة وأرصفتها تسع من الأحبة والمعيدين الآلاف وربما الملايين.

حالة من القلق اعترت من كانوا يخططون للاحتفال بأعراسهم خلال عيد الفطر، بسبب صدور قرار منع إقامة الحفلات في الفنادق وقاعات المناسبات، لا سيما أن الأعياد موسم عقد الأفراح والليالي الملاح. المتحدث باسم مجلس الوزراء نادر سعد استشعر قلق المقبلين على زواج العيد، فتحدث عن مصير قاعات الأفراح المفتوحة والمغلقة. المفتوحة لا غبار عليها شرط مراعاة الأعداد بحد أقصى 300 مدعو، على أن ينتهي الفرح ويتم إغلاق القاعة قبل التاسعة مساءً. أما القاعات المغلقة، فملفها مغلق. لا أفراح أو ليال ملاح فيها لحين إشعار آخر.

 

قط وفأر إلى الأبد

آخر ما يمكن توقعه هو أن يستسلم المصريون لقرارات الإغلاق وقوانين الاحتراز. فطالما هناك قط، سيظل هناك فأر إلى الأبد. وطالما احترف طرف الكر، أبدع الطرف الآخر في الفر. "بيزنس" تأجير الفيلات الخاصة لعقد الأفراح وليالي الملاح يعيش أزهى مراحله وأبهى تعاقداته. أصحاب هذه الفيلات ينظرون بعين الإجلال والتقدير للفيروس الذي أنعش مشروعاتهم الصغيرة وجعل فيلاتهم ملجأً وملاذاً للهاربين من قيود الحكومة لرحابة التحايل وسعة المراوغة.

الفيلات التي يتم الإعلان عنها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بعيداً من أعين الدولة تلقى إقبالاً كبيراً هذه الأيام. وصاحبة الصيت منها كاملة الحجز طيلة أيام العيد، لكنها تظل منظومة معروفة ومتداولة بين نسبة ضئيلة من المصريين وليس الملايين.

تعويض شم النسيم

ملايين المصريين كانوا ينتظرون عطلة عيد الفطر لتعويض "رنجة" و"فسيخ" وفسحة وإغلاق شم النسيم الذي تزامن وكل من شهر رمضان ووباء "كوفيد-19". الخطط التعويضية تبخرت في هواء قرارات مجلس الوزراء الصادرة في ضوء توصيات اللجنة العليا لإدارة أزمة كورونا. القرارات شملت غلق المحال والمراكز التجارية والمقاهي ودور السينما والمسارح في التاسعة مساءً مع السماح بخدمة التوصيل وذلك حتى يوم 21 مايو (أيار) الجاري، إضافة لغلق الشواطئ والمتنزهات والحدائق وحظر إقامة أي فعاليات أو احتفالات. حتى صلاة العيد فيسمح بإقامتها فقط فى المساجد التى تقام فيها صلاة الجمعة مع حظر اصطحاب الأطفال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الأطفال أحباب الله يجدون بدلاً من البديل عشرة. فبين أسطح العمارات السكنية ومداخلها والشوارع الجانبية البعيدة من أعين "الحكومة" (اللفظ الدارج الذي يستخدم للإشارة إلى الشرطة) تجري مخططات لإقامة صلاة العيد من دون حد أقصى لعدد المصلين أو وقت محدد للصلاة أو مسافات تراعي التباعد الاجتماعي.

التباعد والكثافة

التباعد الاجتماعي الذي يقف على طرف نقيض من كل من الكثافة السكانية حيث 50 ألف مصري ومصرية في الكيلومتر المربع الواحد، وكذلك من العادات والتقاليد التي تحب اللمة وتمقت التباعد سواء اعتبرته منظمة الصحة العالمية جسدياً أو اجتماعياً.

منظمة الصحة العالمية تبذل قصارى جهدها هي الأخرى لإقناع المحتفلين بعيد الفطر بأن يجعلوه عيداً آمناً بلا عدوى قدر الإمكان. ولأن قطاعات غير قليلة من المحتفلين بالأعياد يعتبرون الإجراءات الاحترازية قيداً يحد من الفرحة وتضييقاً يقلص البهجة، فقد ناشد مكتب شرق المتوسط في المنظمة الجميع "الاحتفال بأمان".

هذه المرة الاحتفال بأمان لا يقف عند حدود مناشدات الترشيد في أكل الكعك والبسكويت المتخمين بالمواد الدهنية والسكرية، ولكن يمتد إلى الاحتفال بأمان من دون تعريض النفس والآخرين لخطر الإصابة بعدوى "كوفيد-19". بالونة وسجادة صلاة وكمامة ولقاح تشكل رسالة المنظمة للجميع في عيد الفطر. "نستحق جميعاً أن نحتفل بعيد الفطر بأمان ولكن علينا أن: نحد من التجمعات الاجتماعية، نحافظ على التباعد البدني، نرتدي الكمامة، نغسل أيدينا، نحصل على التطعيم".

رسالة منظمة الصحة العالمية تمتد إلى مقترحات خاصة بصلاة العيد، حيث استخدام سجادة الصلاة الشخصية الخاصة بكل مصلٍ، والالتزام بارتداء الكمامة أثناء الصلاة، وحبذا لو صليت في بيتك مع أفراد أسرتك المقربين فقط مع تذكر الدعاء للمرضى".

حتى الترفيه في العيد لم يفت عن المنظمة التي طالبت الجميع تجنب الأماكن المغلقة والتأكد من جودة الهواء في الأماكن المفتوحة، وحبذا لو لجأ الجميع للتجمعات الافتراضية على الإنترنت فهي الأكثر أماناً.

التطعيم في العيد

مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الطبية محمد عوض تاج الدين لا يألو جهداً في تأكيد أهمية التطعيم ومأمونيته، لا سيما في ظل تصاعد حدة الإشاعات ونشر المخاوف بين المواطنين في شأن التطعيم المضاد لـ"كوفيد-19". وقال قبل أيام أن التطعيم أمر ضروري ومهم، مرجحاً أن تستمر مراكز التطعيم في أداء عملها خلال عيد الفطر.

احتمالات توجه مواطنين لتلقي اللقاح في أثناء عطلة العيد قليلة جداً، لا سيما أن الرسائل التي يتلقونها تظل متضاربة. أمين عام نقابة الأطباء المصرية أسامة عبد الحي قال إن بعض الأطباء وأعضاء الأطقم الطبية يعزف عن تلقي اللقاح، لأن "درجة الأمان غير معروفة بعد، وأيضاً لسرعة إقرار هذه التطعيمات كاستخدام للطوارئ، إذ لم تستغرق الإجراءات وقتاً كافياً للتأكد من مأمونيتها".

الرنجة واللقاح

مأمونية تلقي اللقاح تنافس هذا العام مأمونية تناول الرنجة وغيرها من الأسماك المملحة التي أجل أكلها الملايين من المصريين من شم النسيم المتزامن ورمضان هذا العام لحين حلول عيد الفطر. جهود الأطباء الذين تتم استضافتهم في برامج الإذاعة والتلفزيون موزعة بالعدل بين الحديث عن اللقاح ومأمونية تلقيه بل والمسؤولية الإنسانية لحماية النفس والآخرين من خطر الإصابة بـ"كوفيد-19"، وبين الحديث عن الأسماك المملحة وحتمية توخي الحذر في التأكد من صلاحيتها للاستخدام الآدمي وترشيد أكلها وشرب كميات كبيرة من الماء أثناءها وبعدها.

وينص العرف المصري على أن تبدأ البيوت في صناعة "كعك العيد" أو "الكحك" كما يسميه المصريون ومعه أصناف الحلوى المرتطبة بالعيد من غريبة وبسكويت. لكن العرف في زمن المصاعب الاقتصادية والضغوط الحياتية جعل من صناعة الكعك في البيوت مظهراً من المظاهر التي كانت معرضة للانقراض. لكن يحسب للوباء أنه أعاد إحياء عرف مصري أصيل، وإن اقتصر الإحياء على الفكرة وليس المحتوى.

تجارب الكعك المنزلي

للعام الثاني على التوالي تمتلئ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بتجارب كعكية منزلية حيث صورة صينية كعك "منال" لحظة دخولها الفرن، ونتيجة اعتماد "شيماء" على "غوغل" في تجهيز الكعك البيتي للمرة الأولى، ولحظات مشاركة ابن أسماء في تزيين كعك أسماء في المطبخ، وغيرها العشرات من توثيقات صناعة كعك العيد في البيوت. بدأت صرعة العودة لصناعة الكعك في البيت في عيد الفطر في العام الماضي، ضمن ابتكارات إبداعية لملء أوقات الحظر في بدايات الوباء. وهذا العام، وفي ظل استمرار الوباء، يعود البعض إلى تصنيع الكعك في البيت كنوع من العلاج المطبخي النفسي.

وعلى الرغم من أن المعالج النفسي الأميركي عبر الطهي مايكل كوسيت لم يكن يفكر في صناعة كعك العيد في البيت بعد عقود من الاعتماد على الكعك الجاهز كنوع من العلاج النفسي لأهل البيت من القلق والتوتر والضغط الناجمة عن العيش في كنف وباء يتربص بالجميع، إلا أن نظريته القائمة على اعتبار الطهي نوعاً من التأمل اليقظ الذي يساعد في التغلب على مصادر القلق والتوتر الشديدين في أوقات الطوارئ تنطبق على صناعة الكعك المنزلي باقتدار.

كعك وملابس العيد

القدرة الشرائية تختلف من بيت لآخر ومعها تختلف أنواع وأسعار الكعك المعروض للبيع في كل ركن من أركان مصر. يبقى الكعك رمزاً للبهجة ومؤشراً على فرحة الصائمين بانتهاء الصيام. وعلى رغم مطالبات البعض بالتوقف عن شراء أو تصنيع الكعك هذا العام كنوع من التعاطف مع الأسر الكثيرة التي فقدت أحد أفرادها بسبب الوباء على مدار عام مضى، إلا أن الغالبية تعتبر الكعك عنصراً ملطفاً ومسكناً ومهدئاً في زمن الوباء والقلق والخوف.

زمن الوباء والقلق والخوف أثر كذلك في طقس شراء ملابس العيد، لا سيما للصغار. في كل عام على مدار عقود طويلة مضت، كان الجميع يشكو غلاء أسعار الملابس الجاهزة. وفي كل عام، كانت الملايين تشتري الملابس سواء قبل أو بعد ترديد الشكوى وربما أثناءها، وكأن الشكوى عادة ينبغي حفظها وتقليد يتحتم استمراره.

لكن الاستمرارية في زمن الوباء صعبة، لا سيما حين يعيد المواطن الشكاء ترتيب أولويات الشكوى فتهيمن كورونا على الصدارة ولا يتبقى لديه من الجهد ما يسمح له بالشكوى المعتادة من الغلاء والأسعار وضيق ذات اليد. حركة شراء ملابس العيد للصغار منتعشة، لكن الانتعاش آخذ في نزول السلم الطبقي. أعداد متزايدة من الأسر باتت تلجأ إلى أسواق الملابس المستعملة أو قرينتها حيث الملابس "بواقي التصدير" أو بمعنى آخر ذات عيوب التصنيع. لكن هذا لا يمنع من وجود فريق للمانعين للشراء من الأصل، وحجتهم في ذلك: "ليس من المعقول أن نشتري ملابس العيد الجديدة لنرتديها بينما نجلس على الأرائك في البيوت". وسيمضي عيد الفطر في مصر بإغلاق جزئي كما تحب الحكومة أن يكون، واحتفال كلي كما يصر المصريون أن يكون.