Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سيدة الأكاديمية الفرنسية الأولى وحظها السيء مع الفن السابع

مرغريت يورسنار: ألوف الصفحات تعبيراً عن العقل ومكانته في الوجود

مرغريت يورسنار (غيتي)

لسنا ندري ما إذا كانت سيدة الأكاديمية الفرنسية الأولى مرغريت يورسنار قد أحبت السينما. فهي حتى رحيلها عن عالمنا أواخر عام 1987، هناك بعيداً في عزلتها في الجزيرة الصغيرة التي اختارتها قبل ثلث قرن وأكثر من رحيلها، موطناً لها، في جزيرة ضائعة في الشمال الشرقي للولايات المتحدة الأميركية، لم تشر إلى الفن السابع إلا نادراً على رغم أنها كتبت ألوف الصفحات في شتى الأنواع الأدبية. ومن العسير على أية حال أن نتصور أنها في تلك العزلة كانت تشاهد أفلاماً. ونعرف على أية حال أن السينما لم تقترب من أعمالها الروائية أو غير الروائية إلا ثلاث مرات لم تكن أي منها موفقة، باستثناء ذلك الفيلم التحريكي القصير الذي اقتبس عن حكاية صينية كتبتها للأطفال بعنوان "كيف أُنقذ وانغ فو" (15 دقيقة). ومع ذلك نعرف أيضاً أنهم كانوا كثراً أولئك السينمائيون الذين حلموا بتحويل روايتها الكبرى الأساسية "مذكرات هارديان" إلى فيلم سينمائي. ولئن كان البلجيكي أندريه ديلفو قد تمكن في عام 1988 من أفلمة روايتها الكبيرة الثانية "العمل باللون الأسود" وعرضه في مهرجان كان، فإن الفشل التجاري الذي كان من نصيب الفيلم شكل رادعاً لأية تجارب تالية ما أبقى "مذكرات هادريان" واحدة من تلك الروايات التي يقوم جزء من أسطورتها على صعوبة أفلمتها أو استحالتها.

السيدة لا تعبأ

يقيناً أنه ما كان من شأن مرغريت يورسنار أن تعبأ بذلك هي التي لم تكن كاتبة عادية بين الكاتبات... كانت على الدوام مُبدعة استثنائية في كتابتها كما في حياتها، في علاقاتها كما في طفولتها، في رواياتها كما في اختياراتها وترجماتها. كانت باختصار، واحداً من تلك العقول الاستثنائية، وواحدة من قلّة نادرة من الكتّاب، اعتُبرت حتى من قبل موتها، كاتبة كلاسيكيّة، بمعنيين: معنی توجّه موضوعاتها؛ ومعنى أسلوبها الذي أعاد للغة وللعقل اعتبارهما، في نفس الوقت الذي وصل فيه الأدب معها إلى قمة الذاتية. إنما من دون أن تضع ذاتها علناً في أي من كتبها، ولا حتى في سيرتها التي أصدرت منها جزءين توقف ثانيهما وهي بعد في السادسة من عمرها. ومع هذا: هادريان في "مذكرات هادریان" هو يورسنار و"زينون" في "العمل باللون الأسود" هي يورسنار... وألكسیس في "المعركة العبثية" هو الكاتبة نفسها، وحتی میشیما في رؤية الفراغ هو يورسنار... والطريف الطريف أن هذه الكاتبة العقلانية نادراً ما رسمت هواجسها وأفكارها عن طريق شخصيات نسائية... بل أصرّت دائماً على أمرين: استقاء المواضيع من التاريخ، وتصوير الشخصيات الرجالية الاستثنائية. (لكن معظم "رجالها" كانوا، إلى ذكائهم واستثنائيّتهم ومرورهم غير العادي على الأرض، مثليين جنسياً... فهل لهذا دلالة ما؟).

مرور استثنائي

المهم أن مرور مرغريت يورسنار على القرن العشرين لم يكن مروراً عادياً... ولعل هذا السبب هو الذي جعل خالدي الأكاديمية الفرنسية الذين ظلّوا ثلاثة قرون ونصف يصرّون على منع النساء من أن يصبحن أعضاء في أكاديميّتهم، يقبلون مرغريت يورسنار في أوائل الثمانينيات عضوة أُنثى بشكل استثنائي. ويبقى أن محبّي أدب مرغريت يورسنار، وهم كُثر ويتكاثرون، كان من حقهم أن يتساءلوا دائماً عن السبب الذي جعل جائزة نوبل تحجب عن صاحبة "رصاصة الرحمة" و"مذكرات هادریان"... مع أن اسمها ظل يطرح مراراً وتكراراً طوال خمسة وعشرين عاماً من بين الأسماء المرشحة لتلك الجائزة.

فرنسية بلجيكية وأميركية!

بشكل عام تعتبر مرغريت يورسنار (واسمها الأصلي مرغريت دي غريانكور) كاتبة فرنسية على رغم أنها ولدت (عام 1903) في بروكسل من أب فرنسي ينتمي إلى واحدة من أعرق عائلات الشمال، وأُمٍّ بلجيكية أقام جدودها طوال قرون في مدينة لياج، ثم بعد ذلك انتقلوا ليعيشوا في هينو. فقدت الأُم والطفلة بعد في الأيام الأولى من عمرها. أما الأب فكان قد انقطع تماماً عن التقاليد البورجوازية. إذ إنه منذ كان شاباً، انخرط في الجندية، لكنه اضطر للفرار مرتين بعد ذلك، وانتهى به الأمر لأن يختار العيش في المنفى. ومما لا ريب فيه أن ذلك الأب هو الذي أعطى ابنته حبه للسفر وللأدب معاً. إذ إن مرغريت الصغيرة اكتشفت، باكراً، مع أبيها بلداناً مثل إيطاليا وسويسرا واليونان.

في رفقة عقول القرون الوسطى

كانت مرغريت في السادسة عشر حين بدأت تفكر بالأدب بصورة جدية... وبعد ذلك بفترة قليلة قيّض لها أن تكتشف بعمق تينك الشخصيتين اللتين سوف تطبعانها إلى الأبد: الإمبراطور الروماني هادريان من ناحية، وطبيب العصور الوسطى زينون، من ناحية ثانية. وهي ما إن اكتشفتهما، حتى راحت أحلامها الأدبية تتحلّق من حولهما. وربما نقول، ببساطة، أن مرغريت، منذ مراهقتها، اختارت الشخصيّتين الكبيرتين لتجعلهما رفيقين وهميّين لحياتها، وموضوعاً لأحلام يقظتها. والحال أن هادریان وزينون، راحا يتطوران في وعيها أكثر وأكثر بمقدار ما كانت تكتسب مع مرور الوقت معرفة أکثر وخبرة أكثر في عالمي الأدب والحياة. هي التي تبدّت في ما بعد وعلى الدوام كاتبة بعيدة كل البعد من الاستلهامات المفاجئة والمباغتة، قريبة من صورة الفنان الذي يبقي العمل يتطور وينمو في خياله طويلاً، وطويلاً جداً قبل ظهوره على الملأ.

على خطى أندريه جيد

حملت رواية يورسنار الأولى عنوان "ألكسيس أو موضوعة المعركة العبثية" (1929) وأتت ضمن خط النصوص التي كتبت بتأثير من أندريه جيد... وهذا الكلام نفسه ينطبق على كتابها التالي "أوريديس الجديدة" (1931) هذا بالنسبة إلى البدايات الأولى لمرغريت يورسنار الروائية. أما الوجه الآخر لها، وجه الباحثة والمترجمة، فقد ظهر أول ما ظهر عبر كتابها عن الشاعر "بندار" (1932). أما التاريخ المعاصر، الذي نادراً ما كانت تهتم به، فقد ألهمها في عام 1934 رواية "زوادة الحلم" التي تدور أحداثها في إيطاليا خلال حكم موسولینی الفاشي. وفي ذلك العام نفسه ظهر الطبيب زينون للمرة الأولى في عمل مرغريت يورسنار، في واحدة من القصص القصيرة التي نشرتها في مجموعة "الموت يقود السرب" في عام 1935. وفي ذلك العام نفسه نشرت مرغريت يورسنار كتاب "نیران" الذي أتى عبارة عن مجموعة تأملات وأفكار ونثرات شعرية حول الوله والحب والعواطف، وهو كتاب يذكرنا أسلوبه في بعض الأحيان بأسلوب جان كوكتو. وفي عام 1938 أصدرت مرغريت يورسنار مجموعة قصصية جديدة بعنوان "أقاصيص شرقية"، كما أصدرت دراسة بعنوان "الأحلام والأقدار".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حب من طرف واحد

في عام 1939 أصدرت روايتها القصيرة "رصاصة الرحمة" لتروي حكاية حب من طرف واحد يدور خلال فترة الصراع ضد البلشفية في بلاد بحر البلطيق. ولقد اعتبر هذا الكتاب، أكبر عمل وضعته مرغريت يورسنار خلال تلك المرحلة الأولى من وجودها الأدبي ناهيك بأنها ستكون الرواية الكبيرة الأخرى لها التي حولت باكراً إلى فيلم سينمائي. وكان ذلك في عام 1976 ما فتح الطريق أمام احتمالات سينمائية مقبلة ووعود لم تتحقق في هذا المجال. والحقيقة أن نجاح الفيلم الذي حققه فولكر شلوندورف جعل تلك الرواية الأكثر شعبية بين كتابات يورسنار، مضفياً عليها مجداً أدبياً كان لا بد من العودة إليه حين تم اختيارها بوصفها أول سيدة تنتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية عام 1986. وتعتبر "رصاصة الرحمة" على أية حال من روايات يورسنار الكبرى، بل إنها إذ تشغل مكانة وسطى زمنياً في مسار الكاتبةـ تعتبر نوعاً من التلخيص لما سبقها والإرهاص بما سيتلوها حاملة في الحالتين نفس التيمات الوجودية والحياتية والعقلية التي وسمت أدب يرسنار ككل.

حب وحرب وخيانة

فهي من خلال علاقة حب من طرف واحد وخبطات مسرحية على خلفية معارك نهايات الحرب العالمية الأولى، وصراع الحلفاء الغربيين ضد المتمردين البلشفيين عند بداية ثورة هؤلاء، تدور أحداث في قصر في لاتفيا البلطيقية ترابط فيه قوات المانية بوجود كونراد صاحب القصر وأخته صوفيا. وهذه الأخيرة، إذ تغرم بضابط ألماني ستكتشف لاحقاً أنه لا يبادلها حبها لهوسه بأخيها كونراد، فتنضم إلى الثوار البلشفيين حتى يقبض عليه مع رفاقها وتحكم بإعدام تصر هي على أن ينفذه الضابط الذي تحبه فيفعل من دون تردد... على خلفية هذا الموضوع كتبت يورسنار تلك التي تعتبر الأقصر إنها الأقسى بين رواياتها، ولكن من دون أن تعلّق بكلمة تفيدنا بكيف نظرت إلى الفيلم الذي اقتبس منها.

المزيد من ثقافة