Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما وراء ظاهرة طرد الدبلوماسيين بين روسيا والدول الغربية؟

ماذا يعني استدعاء السفير وما هي الحالات الصفرية في تطبيق بنود اتفاقية فيينا؟

بوتين وجه أكثر من مرة الاتهامات للقوى الغربية بأنها أوجدت المنظمات الإرهابية بالشرق الأوسط أو في الجمهوريات السوفياتية السابقة (رويترز)

لا تعتبر ظاهرة تبادل طرد الدبلوماسيين والسفراء بين الدول أمراً جديداً في تاريخ العلاقات الإقليمية والدولية على مستوى المنظومة العالمية، بل إنه إجراء معتاد أكثر من غيره من الإجراءات باعتباره خياراً مهماً، للتعبير عن درجة عالية من التحفظ أو الرفض، وحجم التوترات بين الطرفين وربما أكثر، وهو ما ترجم أخيراً في دخول كل من روسيا والولايات المتحدة من جانب، وروسيا وعدد من الدول الأوروبية على جانب آخر في إطار طرد الدبلوماسيين، تحت مسميات وذرائع وأسباب مختلفة أعلنها كل طرف وفقاً لظروف كل حالة، وهو ما ينذر بكثير من التبعات التي ستطول الاتفاقيات الدبلوماسية وبخاصة اتفاقية فيينا الشارعة، والتي أقرها القانون الدولي لحماية وضبط الحصانات الممنوحة للبعثات الدبلوماسية لكل دولة على أراضي الدول الأخرى، وربما يكون هذا التطور الراهن في  منظومة العلاقات الدولية الأكثر تعرضاً لحالات طرد دبلوماسيين منذ توقيع اتفاقية فيينا، الخاصة بتنظيم العلاقات الدبلوماسية بين الدول عام 1961، حيث يمكن وبموجب المادة التاسعة من الاتفاقية الحق لأي دولة كإجراء دبلوماسي، اعتبار سفير دولة أخرى على أراضيها، أو أي دبلوماسي آخر شخصاً غير مرغوب به من دون ذكر الأسباب.

حالات متعددة

وفقاً لما جرى، يمكن رصد العديد من الحالات التي حدثت، وما تزال تحدث في مسار علاقات روسيا والدول الغربية، وكذلك مع دول شرق أوروبا أيضاً، وذلك على النحو التالي:

إقدام بعض دول شرق أوروبا على طرد دبلوماسيين روس من أراضيها على خلفية إعلان موسكو طرد دبلوماسييَن إيطالييَن باعتبارهما غير مرغوب فيهما على الأراضي الروسية، وذلك كرد على قيام روما بفعل الشيء ذاته تجاه دبلوماسيين روس في وقت سابق، بالتأكيد على قيامهم بأنشطة تجسس على الأراضي الإيطالية.

وفي المقابل، طردت إيطاليا اثنين من الدبلوماسيين في السفارة الروسية في روما بعد اعتقال ضابط في البحرية الإيطالية متلبساً بتسليم وثائق سرية لمسؤول عسكري روسي في قضية تجسس أثارت غضب روما. وقال وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، إن ذلك أمر خطر جداً. واستدعت وزارة الخارجية الإيطالية في روما السفير الروسي، سيرغي رازوف، وأكدت السفارة الروسية اعتقال الملحق العسكري لها، من دون ذكر تفاصل أخرى، لكنها أعربت عن أملها ألا تؤثر الحادثة في العلاقات بين البلدين.

قيام جمهورية التشيك بطرد 18 دبلوماسياً روسياً احتجاجاً على انفجار وقع في شرق التشيك في مخزن ذخائر، وهي الحادثة التي يعود تاريخها إلى أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2014، وقالت السلطات التشيكية أخيراً، إنه تم بتدبير من الاستخبارات الروسية. وواقعياً يمكن اعتبار الإجراء التشيكي نوعاً من المجاملة للغرب، إذ تتهم وزارة الدفاع التشيكية الوحدة رقم (29155) في الاستخبارات الروسية، وهي الوحدة المسؤولة عن العمليات الخاصة، بالمسؤولية عن التفجير. والواضح أن واشنطن تقف وراء القرار التشيكي، إذ أعلنت وزارة الخارجية الأميركية وقوف الولايات المتحدة بقوة إلى جانب جمهورية التشيك في تصديها الحازم لما وصفته بالأنشطة التخريبية الروسية على الأراضي التشيكية.

وجاء الرد الروسي بطرد 20 دبلوماسياً تشيكياً من الأراضي الروسية، وأكدت روسيا عدم وجود علاقة لها بهذا التفجير، واتهمت براغ بافتعاله وإلصاق تهمته لموسكو إرضاء للولايات المتحدة، (السفارة الروسية في براغ هي أكبر بعثة أجنبية في المدينة).

كما طالبت جمهورية التشيك من دول الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، بطرد عملاء الاستخبارات الروسية العاملين تحت سواتر دبلوماسية في أراضيها، حيث قامت أربعة بلدان من شرق أوروبا بالتفاعل مع المطلب التشيكي، وأسفر ذلك عن طرد سبعة دبلوماسيين روس من أراضي كل من سلوفاكيا ولاتفيا وليتوانيا وإستونيا، ما سيعتبر نهاية حقبة الوجود الروسي بالنسبة لدول الكتلة السوفياتية سابقاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما من اللافت أن سبق وأعلنت رومانيا طرد اليكسي جريشنييف نائب الملحق العسكري الروسي في بوخارست، بزعم تعارض مسلكه مع مقتضيات وظيفته الدبلوماسية المنصوص عليها في اتفاقية فيينا الحاكمة لعمل الدبلوماسيين في خارج دولهم، كما أصدرت المجر وبولندا وسلوفاكيا بياناً مشتركاً عبّرت فيه عن أسفها للأنشطة التي يباشرها الدبلوماسيون الروس على الأراضي الأوروبية بالمخالفة للقانون الدولي.

لهذا يمكن القول إن خفض عدد موظفي السفارة كان أحد أكبر تبعات الحرب الدبلوماسية من عمليات الطرد المتبادلة بين روسيا والدول الغربية، إذ فقد 152 مسؤولاً من السفارات الروسية في الخارج أو السفارات الأجنبية في موسكو اعتمادهم.

ومع ذلك لا يمكن فصل حرب طرد الدبلوماسيين عن الموقف المتوتر بين روسيا وأوكرانيا التي تحظى بدعم قوي من واشنطن ودول الغرب في مواجهة ما تعده تدخلاً روسياً في شؤونها الداخلية بعد احتلال جزيرة القرم، ودعم الانفصاليين في إقليم دونباس الذي يشهد نزاعات عسكرية مستمرة. وقد تطور الموقف في وقت عزز كل جانب حشوده العسكرية، مما اضطر روسيا لإغلاق ثلاث مناطق في البحر الأسود في وجه السفن الأجنبية على إثر إرسال الأميركيين مدمرتين إلى المنطقة.

كما بادرت روسيا إلى سحب جزء من قواتها عند الحدود الأوكرانية بعد إعلان كل من موسكو وواشنطن استمرار التنسيق بينهما في عدد من القضايا الدولية بما فيها الوضع على الحدود الأوكرانية، كما أعلن بوتين لدى استقباله الرئيس البيلاروسي استعداده لاستقبال الرئيس الأوكراني كبادرة حسن نية.

تأثيرات ممتدة

ولقرارات الطرد من قبل الأطراف المعنية خلفيات وتأثيرات مباشرة متعددة، جاء في مقدمها إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن حزمة من عقوبات جديدة ضد روسيا، شملت إضافة إلى العقوبات والقيود الاقتصادية طرد دبلوماسيين، وأظهر الاتحاد الأوروبي بوادر دعم لواشنطن، عززت نجاحها في تعزيز ما وصف بأنه جبهة أميركية أوروبية تعمل بشكل منسق لمواجهة التهديدات الروسية، فضلاً عن استمرار حال التوتر الدبلوماسي في منطقة وسط وشرق أوروبا، حيث كانت تعتبر موسكو الأعضاء السابقين في الاتحاد السوفياتي، مثل لاتفيا وإستونيا وليتوانيا وأوكرانيا، وحلفاء سابقين في حلف وارسو، مثل بولندا وجمهورية التشيك وبلغاريا، شركاء أوروبيين مهمين بعد عام 1991، عام تفكك الاتحاد السوفياتي.

في حين حافظ عدد من هذه الدول في شرق أوروبا، حتى بعد انضمامها لحلف "الناتو" والاتحاد الأوروبي، على العلاقات القوية في مجال الطاقة مثل خطوط أنابيب الغاز وعقود إمداد النفط والغاز طويلة الأجل والاستثمارات الصناعية مع روسيا، وهو ما يعني أن موسكو كان لها وجود ضخم بالنسبة لتلك الدول.

كما تم تسريب قائمة مسربة لتسع دول تطلق عليها روسيا بأنها معادية، إضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، وكانت الدول السبع الأخرى أعضاء سابقة في حلف وارسو، منها خمسة كانت في الاتحاد السوفياتي.

وتزامن مع معظم قرارات الطرد المتبادل بين العواصم المختلفة، صدور بيانات تعكس المدى الذي بلغته التوترات بين الروس والغرب، إذ تقود الولايات المتحدة مع إدارة الرئيس جو بايدن حملة تجديد تحالفات قديمة توحي بأن العالم في طريقه من جديد إلى حرب باردة من نوع مختلف، تستقطب دوله ووحداته السياسية في محورين مختلفين.

الإطار القانوني 

في المقابل، يمكن الإشارة إلى أهم الأسس الحاكمة للإطار القانوني لظاهرة طرد الدبلوماسيين في نقاط عدة، أولها أن القانون الدبلوماسي يعتبر أحد مجالات القانون الدولي التي تتحكم في عمل البعثات الدبلوماسية الدائمة والمؤقتة، وأحد المفاهيم الأساسية للقانون الدبلوماسي هو مفهوم الحصانة الدبلوماسية، والذي يشتق من حصانة الدولة، والعناصر الرئيسة للقانون الدبلوماسي هي حصانة فريق العمل الدبلوماسي، وحصانة البعثة الدبلوماسية ومقارها، كما تلتزم الدول بالقانون الدولي لأنه يقوم على أساس المعاملة بالمثل، فعلى سبيل المثال، إذا ما قامت دولة بطرد الدبلوماسيين التابعين لدولة محددة، فإن الدولة الأخرى غالباً ما تقوم بطرد الدبلوماسيين التابعين للدولة الأخرى.

وتعتبر الدول كاملة السيادة ولها الحق في إيفاد وقبول المبعوثين الدبلوماسيين، أما الدول ناقصة السيادة كالدول المحمية أو التابعة أو المشمولة بالوصاية، فهي عادة لا تملك إرسال مبعوثين دبلوماسيين من طرفها، ويستند تطبيق هذه العبارة قانونياً إلى اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية الموقعة عام 1961، والتي تنص مادتها التاسعة على حق الدولة المعتمد لديها، في أي وقت، ومن دون ذكر الأسباب، أن تبلغ الدولة المعتمدة أن أي عضو من طاقم بعثتها أصبح شخصاً غير مقبول أو غير مرغوب فيه. ووفقاً للاتفاقية فإن على الدولة المعتمدة أن تستدعي الشخص المعني أو تنهي أعماله لدى البعثة وفقاً للظروف، ويمكن أن يصبح الشخص غير مقبول أو غير مرغوب فيه قبل أن يصل إلى أراضي الدولة المعتمد لديها.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية في العام 1980 في قرارها التاريخي في قضية الرهائن الدبلوماسيين الأميركيين في إيران، أن القانون الدولي ذاته تأسس على العلاقات الدبلوماسية بين الدول، إذ تتعلق المادة (41) بضرورة التزام المبعوث الدبلوماسي بمراعاة واحترام قوانين وأنظمة الدولة المضيفة، وتؤكد الممارسة الدولية أن مسالة تحديد ما إذا كان المبعوث الدبلوماسي أصبح شخصاً غير مرغوب فيه ترجع إلى السلطة التقديرية لحكومة الدولة المضيفة التي تُعتبر وحدها القاضي في هذا الصدد، أما إذا أعلنت الدولة المضيفة مبعوثاً دبلوماسياً شخصاً غير مرغوب فيه، فيجوز أن تعلن عن ذلك للدولة الموفدة في كل الأوقات ومن دون بيان أسباب قرارها، ويترتب على هذا الاجراء التزام خاص على الدولة الموفدة يتمثل في قيامها إما باستدعائه أو بإنهاء مهمته في البعثة الدبلوماسية.

لهذا، وبموجب نص المادة التاسعة من اتفاقية فيينا، وفي حال رفض الدولة الموفدة خلال فترة محددة الوفاء بالتزاماتها هذه المترتبة، يجوز في هذه الحالة للدولة المضيفة أن ترفض الاعتراف بالمبعوث المعني فرداً في البعثة الدبلوماسية، ونتيجة لذلك يفقد هذا المبعوث كل امتيازاته وحصانته المقررة له بموجب الاتفاقية، ويحق للدولة المضيفة طرد المبعوث.

وبذلك نجد أن "اتفاقية فيينا 1961" للعلاقات الدبلوماسية تعطي طريقاً للحكومات، لتمكّنها من طرد الدبلوماسيين الذين لا ترغب في وجودهم على أراضيها، وينص بند الاتفاقية التاسع على أنه يحق للدولة المستقبلة، في أي وقت ومن دون تقديم المبررات لقرارها، إخطار الدولة المرسلة بأنها تعتبر أشخاصاً ضمن بعثتها الدبلوماسية في سفارتها، "غير مرغوب فيهم، وفي هذه الحالة، على الدولة المرسلة سحب الأشخاص المحددين، أو إنهاء خدمتهم في بعثتها الدبلوماسية، ومن أبرز أسباب طرد الدبلوماسيين هو التجسس، أو ارتكاب جريمة جنائية، أو تجاوز الدبلوماسي حدوده من وجهة نظر الدولة المضيفة، وهذا ما حدث مع سفراء بعض الدول الأوروبية خلال مشاركتهم في تظاهرات روسيا، والطرد يكون على الفور ويبقى أخطر من طرد الدبلوماسيين تدهور العلاقات بين بلدين، قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل.

هل هناك ضرورة لإعادة النظر في بنود الاتفاقية؟

وفي كل ما سبق، تبدو الصورة ملحة لإعادة النظر في بعض بنود اتفاقية فيينا الحاكمة، إذ إنه وفي حالات متعددة يبدو النص القانوني غير واضح، فاستدعاء سفير دولة للتشاور لا يعطي له استمراره في حيازة الحصانة، وهو مقيم خارج أراضي الدولة التي تم تعيينه فيها، وقد يتخذ هذا الإجراء أشكالاً عدة، أشهرها أن تقوم دولة باستدعاء سفيرها لدى دولة أنشئت إلى بلاده للتشاور، وقد يتم ذلك من خلال تباطؤ الدولة في إرسال سفير جديد لها محل سلفه الذى انتهت مدته بشكل طبيعي، وقد يتم ذلك أيضاً من خلال قيام السفير بإجازة في بلده تستمر طويلاً، وقد يتم الاستدعاء من خلال إعلان رسمي من دولة السفير بسحبه من الدولة المعتمد لديها اعتراضاً على سياسات غير مقبولة.

وأهداف هذا الاستدعاء متعددة ومتدرجة، تبدأ من مجرد طلب إيضاحات بشأن موضوع ما وقد يكون الاستدعاء لإبلاغ السفير احتجاجاً واضحاً، وقد يصل هدف الاستدعاء إلى إبلاغ السفير بأنه شخص غير مرغوب فيه، وهو تعبير يعنى انتهاء صفته في الدولة وضرورة مغادرة أراضيها خلال 48 ساعة.

الخلاصات الأخيرة

تبدو العلاقات بين روسيا والغرب شبيهة بمرحلة الثمانينيات من القرن الماضي، عندما وصلت الحرب الباردة إلى ذروتها، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجه أكثر من مرة الاتهامات للقوى الغربية بأنها أوجدت المنظمات الإرهابية في الشرق الأوسط، أو في الجمهوريات السوفياتية السابقة، بهدف تغيير أنظمة الحكم في بعض الدول.

كما أن للإدارة الأميركية تاريخاً من المواجهات مع روسيا وقت الحرب الباردة وفي أعقابها، وإزاء أن الرئيس الأميركي جو بادين قد تحدث عن قيادة وريادة العالم من جديد والانخراط مجدداً في شؤون العالم، فمن المتوقع أن تستمر المواجهات ويتم تكرار طرد الدبلوماسيين، وهو ما سيمتد أيضاً لدول غرب وشرق أوروبا بالتبعية.

المزيد من تحلیل