Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مجرمو الشرف" في الكويت يغسلون أيديهم بـ"المادة 153"

قانون الجزاء يخفف الحكم على قاتل المرأة لدواعٍ "أخلاقية" بالسجن ثلاثة أعوام وغرامة بقيمة 45 دولاراً

تشهد الكويت حراكاً شعبياً وبرلمانياً لتعديل القانون الذي يحمي "مجرمي الشرف" (غيتي)

"أنا الضحية القادمة"، إحدى الرسائل التحذيرية التي أطلقتها نساء وناشطات كويتيات ضمن جهود يبذلنها لمناهضة ضعف القوانين في حماية المرأة والمطالبة بمنحها الأمان في وطنها.

 لم تهدأ تحركات دعم المرأة في الكويت ونشاطها في المطالبة بمراجعة التشريعات والقوانين التي تسيء لحقوقها، بعد مقتل فرح حمزة أكبر التي ذهبت ضحية لطعنة نفذها رجل يلاحقها منذ أشهر، على الرغم من التبليغ عنه مراراً، بحسب ما قالت أختها.

واعتبرت الكويتيات ما حدث بسبب ضعف الإجراءات القانونية في التعامل مع قضيتها، واستمرت المطالبات من خلال حملة أخرى باسم "عزاء النساء"، طالبن فيها بإلغاء أي قانون يخفف الحكم عن قاتلي النساء بدافع "الحفاظ على الشرف" تحت المادة 153 بغض النظر عن أي مبررات.

وبعد لبس الرداء الأسود وإطلاق صرخات باسم "أنا الضحية القادمة"، تفاعل مجلس الأمة الكويتي مع قضية هذه المجموعة، فقابل رئيس المجلس مرزوق الغانم في مكتبه قائدات الحملة، تتقدمهن العنود الشارخ لمناقشة آخر تطورات حماية المرأة من العنف في دولة الكويت ودعم التحرك النيابي والمقترحات المقدّمة لإلغاء المادة 153 بحضور نائب رئيس مجلس الأمة أحمد الشحومي.

45 دولاراً عقوبة جرائم الشرف

وتنص المادة 153 من قانون الجزاء الكويتي لعام 1960م على أنه "إذا فاجأ الرجل زوجته في حال تلبّس بالزنا أو ابنته أو أمه أو أخته وقتلها في الحال أو قتل من يزني بها أو قتلهما معاً، فإنه يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاثة أعوام وبغرامة لا تتجاوز ثلاثة آلاف روبية (تعادل 45 دولاراً) ، أو بإحدى العقوبتين"، وهي بهذه الصياغة كأنها تشرّع للرجل قتل قريبته من الدرجة الأولى بحجّة الشرف حتى إن لم تكن القضية مرتبطة بهذا السبب بالضرورة، فأصبح بصياغته فرصة سانحة لارتكاب جريمة القتل من دون ردع العقوبة المغلظة التي تصل إلى القتل قصاصاً.

وبحسب آخر إحصاء تداولته الصحف الكويتية، ذكرت الأجهزة الأمنية أنها سجّلت 65 بلاغاً خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2019 حتى نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته، بسبب اعتداءات متنوعة على نساء في قضايا تتعلّق بالسلوك والأخلاق.

وأشارت المصادر إلى أنه على الرغم من أن تلك الجرائم من القضايا المسكوت عنها،إلا أن البلاغات كثيرة وجاءت من مواطنين وخليجيين ومقيمين في الكويت.

16 عاماً لمحاولة إلغاء التشريع

وبدأت أول مطالبة بإلغاء المادة 153 عام 2005، عندما حصلت المرأة الكويتية على حقها السياسي في الترشح للبرلمان، فبدأت مجموعة ناشطات كويتيات بحملة للمطالبة بإلغاء مادة من القانون تخفف من عقوبة الرجل الذي يقتل امرأة تحت ذريعة "حماية الشرف".

وضمّت المجموعة العنود الشارخ وشيخة النفيسي ولولو الصباح وسندس حمزة وأميرة بهبهاني، وانضمت إليهن لاحقاً نوار البراك وشروق بورحمه وفرح سوري ونور المخلد.

وذكرت العضوة المؤسسة في حملة إلغاء المادة 153 والناشطة الحقوقية والعضوة المؤسسة في فريق "إيثار" التطوعي السيدة سندس حمزة، أنه بسبب المادة يمكن "لخلاف شخصي أن ينهي حياة امرأة، ويمكن للمجرم الإفلات من العقاب بذريعة أنها جريمة قتل للدفاع عن الشرف".

الكويت ليست الدولة العربية الوحيدة التي لا تزال تخفف عقوبة جريمة قتل النساء تحت ذريعة "الشرف"، إذ تنتشر مواد مشابهة في قوانين كثير من البلاد العربية.

وتناقض المادة الحراك الذي تقوم به دولة الكويت في الانضمام إلى المعاهدات والاتفاقيات العالمية ضد التمييز العنصري ولصالح تمكين المرأة في المجتمع.

وشارك النساء في المطالبة بإلغاء هذه المادة أشخاص من الجنس الآخر يرون أن ما تقرّه هذه المادة هو قتل للعدالة وتعزيز لجرائم القتل الأسري، الذي تذهب ضحيته المرأة الكويتية، حتى إن كان السبب ليست له علاقة بالشرف.

وبعد 16 عاماً من المطالبات ذهبت سدى، جددت قضية "فرح أكبر" دعوات المجموعة وكانت دافعاً قوياً لإيصال أصوات النساء إلى أعلى المستويات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعملت هذه المجموعة وفق مبدأ التغيير الإيجابي في المجتمع من خلال النقاش والتعاون مع الجهات المعنية،  فنظّمت حلقات نقاشية ومعارض فنية وأطلقت حملات إعلامية لنشر ثقافة وقف العنف ضد المرأة، إضافة إلى الدورات التدريبية المجانية الخاصة بهذه القضية وتشكيل قوى الضغط لإحداث التغيير الإيجابي.

درس قانون الجزاء بعد الضغط

بعد الضغوط والحملات على مجلس الأمة، أعلن المجلس الأسبوع الماضي أن لجنة شؤون المرأة والأسرة والطفل ستقوم بدراسة وبحث موضوع المادة 153 من قانون الجزاء ومدى ملاءمتها مع واقع المجتمع، وبحث حوادث الاعتداء الأخيرة على المرأة، وتقدّم كل من أسامة الشاهين وعبد العزيز الصقعبي وصالح الشلاحي وحمد المطر، لإلغاء المادة 153 وبحث حوادث العنف تجاه المرأة، إضافة إلى المطالبات السابقة التي كانت خلف إحداها النائب في دورة سابقة صفاء الهاشم.

وقال رئيس اللجنة النائب أسامة الشاهين في تصريح بالمركز الإعلامي لمجلس الأمة إن اللجنة عقدت اجتماعها السابع بحضور مسؤولي وزارة الداخلية والإدارة العامة للمباحث الجنائية وإدارة التحقيقات ووزارة الشؤون والمجلس الأعلى لشؤون الأسرة ووزارة العدل ممثلة بإدارة الاستشارات الأسرية. وأضاف أن الاجتماع ناقش تكليف مجلس الأمة في جلسة 30 مارس (آذار) الماضي، بناءً على كتاب من اللجنة وكتاب آخر من النائب عبد العزيز الصقعبي بحث ظاهرة العنف ضد المرأة خصوصاً والأسرة بشكل عام.

وبيّن الشاهين أنه تم استدعاء الجهات المعنية للوقوف على الإجراءات العملية والفعلية وشددت اللجنة في هذا الصدد على وجوب صدور اللائحة التنفيذية لقانون حماية الأسرة الذي أُقرّ في 2020، إذ انتهت المهلة القانونية لصدورها في 15 مارس الماضي. ولفت إلى أن الحضور من الجهات المعنية أفادوا اللجنة بأن اللائحة في طور المراجعة النهائية من إدارة الفتوى والتشريع، مشدداً على ضرورة الإسراع في إقرار هذه اللائحة لتوفير مراكز حماية للمرأة وتلقّي البلاغات من خلال الخط الساخن وتدريب الموظفين المعنيّين بالقانون.

وكانت مطالبة النائب صفاء الهاشم التي تقدّمت بها العام الماضي نصّت على إضافة مادتين الأولى تتعلق بإلغاء المادة 153 من القانون رقم 16 لعام 1960 بإصدار قانون الجزاء المشار إليه، والثانية أن على رئيس مجلس الوزراء والوزراء - كل في ما يخصه - تنفيذ هذا القانون، ويُعمل به من تاریخ نشره في الجريدة الرسمية.

قانونيان يعارضان الإلغاء

وبرّرت مطالبتها بأن التشريعات الجنائية تتجه نحو تمتيع مرتكبي بعض الجرائم بالتخفيف من العقوبات متی تحققت ظروف وشروط تبرّر ذلك ويعود إلى القضاء النظر في مدى توافرها في ضوء ما تنصّ عليه أحكام القانون، غير أن هذا المنحى زاغ في بعض النصوص التشريعية عن الغاية منه عندما تحوّل إلى أداة إفلات من العقاب تحت تأثير أعراف وتقاليد اجتماعية أو عقائدية رسّخت أوضاعاً منافية لمبادئ العدالة والمساواة أمام القانون، بل إنها خالفت حتى أحكام الشريعة الإسلامية كما هو الشأن بالنسبة إلى ما يُسمّى بـ"جرائم الشرف".

وأكدت الهاشم أن هناك أصواتاً حقوقية وسياسية ومدنية تطالب بإعادة النظر في هذا النص بحجة مخالفته لأحكام الشريعة الإسلامية ومنافاته لأحكام الدستور وتعارضه مع الإعلانات والاتفاقيات والمعاهدات التي انضمت إليها دولة الكويت.

يأتي ذلك في وقت أثارت هذه المادة كثيراً من الجدل وسط دعوات إلى إلغائها منذ أعوام، إلا أنها لا تزال قيد المناقشات في مجلس الأمة منذ عام 2017، إذ يقف بعض القوى الاجتماعية وراء الإبقاء عليها.

 في هذا السياق، عارض المحامي علي العصفور والمستشار أنور العنزي إلغاء المادة، مشيرَين إلى أن إبطالها لن يكون حلاً سليماً للقضاء على الجريمة، فهو إن أسهم في الحد من هذه الجرائم الواقعة ضد المرأة، "ربما يؤدي بشكل آخر لانتشار الفساد والتمادي بحجّة أن الزوج أو غيره من مرتكبي مثل هذه الجرائم، سيحصل على إعدام إذا عاقب الزانية". ولفتا إلى أن "للنص أصلاً شرعياً عندما جرى وضعه، لا ينطبق على من شكّ أبداً، بل على من تفاجأ، لأن الإنسان لا يستطيع تمالك نفسه في مثل هذه الظروف".

وهو ما أكده المحامي حسين العبدالله في برنامج المنطق أنه من يتولّى الفصل في هذا النوع من المحاكمات 11 قاضياً، والمحكمة لا بد من أن تتحقق من مجموعة من شروط حتى تصدر هذا الحكم، ولا بد للمشهد من أن يحدث ثورة غضب عند الرجل.

القانون الكويتي يخفف عقوبة قتل الأم

وتشير الكاتبة سارة المكيمي إلى أن جريمة الشرف عادة تكون موجّهة إلى النساء، وتكون أسبابها متفاوتة وليست بالضرورة واقعة زنا بائنة ومثبتة، كوجودها في غرفة مع رجل لا يحلّ لها وليس بالضرورة في حالة زنى، أو خروجها معه، أو حتى الحديث معه بالهاتف، مشيرة إلى أن "مفهوم جرائم الشرف يتمدد بصورة مطاطية خطيرة، إذ يصبح كل ما يثير غيرة الرجل على أهل بيته من نساء سواء كانت زوجة أو ابنة أو أختاً، من الممكن أن يعتبرها القانون جريمة شرف تستحق تخفيف الجزاء".

وقالت إن القانون ذكر أن الأمّ لم تكن ضمن الإناث المشمولات بهذا القانون ولكن أضافها المشرّع لاحقاً ليعطي تخفيفاً جزائياً لقاتل أمه، إذا فاجأها بموقف لا يعجبه، إذ يشير نص بداية المادة "من فاجأ زوجته حال تلبّسها بالزنى، أو فاجأ ابنته أو أمه أو أخته... إلخ".

وأكدت الكاتبة أسيل أمين أن العقوبات في نص المادة غير رادعة، متسائلة هل ثلاثة آلاف روبية (أي ما يعادل 45 دولاراً) تعويض رادع لثمن روح إنسان؟، مبيّنة أن التعامل بالروبية تم استبداله في الكويت منذ ما يزيد على 58 عاماً، فلماذا القانون لا يزال يشير إليها في مواده ولا يتم تعديلها؟ ألا يساعد ذلك في نشر الجريمة، لا سيما في حالات الشك بالسلوك؟

وعلى الرغم من أن المحامية منى الأربش تستنكر قانون الجزاء بما يخصّ مادة جرائم الشرف، إلا أنها طالبت بعدم ربطها بقضية مقتل "فرح أكبر" التي قُتلت غدراً من رجل لا تربطها به علاقة حتى لا يُساء إليها.

الإمارت تلغي قانوناً مشابهاً

وفي الوقت الذي قامت دول عربية بإلغاء وتغيير مواد متعلقة بتخفيف العقوبة المرتبطة بجريمة القتل في قضايا الشرف مثل تونس والإمارات والأردن، وآخرها دولة الإمارات التي أعلنت العام الماضي تعديلات لـ"قانون العقوبات والإجراءات الجزائية"، بمعاملة "جرائم الشرف"، كأي قضية قتل أخرى، فإن دولة مثل الكويت ما زالت ملتزمة هذا القانون وسط مطالبات بإلغائه منذ بدء تكوين الحملة، أي قبل 16 عاماً مضت.

انتقال جرائم الشرف إلى فرنسا

وتعتبر فرنسا بحسب جيسي باتريشيا التي ذكرت في كتابها "مهاجرو شمال أفريقيا في فرنسا: الاندماج والتغيير"  الصادر عام 1995، الدولة الغربية التي ترتبط في كثير من الأحيان بجرائم الشرف والعنف المتصل بالجنس خارج الزواج بسبب وجود أقليات كبيرة من المهاجرين من بلدان شمال أفريقيا (لا سيما من تونس والجزائر والمغرب)، حيث تحدث جرائم الشرف بين هذه الأقليات.

وتشير تقارير إحصائية إلى أن ما لا يقل عن 126 امرأة في فرنسا قُتلن على أيدي أزواجهن خلال عام 2019م.

وبناء على هذه الحالة، خرجت مجموعة من النساء في تظاهرة حاشدة وسط باريس وعدد من المدن الأخرى للتنديد بالعنف ضد النساء، فاقترحت حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عقد مؤتمر، أو نقاش وطني، حول ما يُعرف بـ"جريمة قتل النساء" (Femicide).

والواقع أن قانون العقوبات الفرنسي لا يميّز في جرائم القتل، وهو لا يفرّق في الانتماء الجنسي للضحية بين ذكر وأنثى، وبذلك فإن المصطلح "Femicide"، أي جريمة قتل النساء، لا أسس قانونية له.