Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تؤجل إثيوبيا الملء الثاني لسد النهضة؟

يرى مراقبون أن تراجع أديس أبابا عن موقفها "يعدّ هزيمة" ويعتقدون أن الحل بيد السودان الذي "سيّس الأزمة"

ما زال الاتفاق الملزم عقبة في طريق إتمام مفاوضات سد النهضة الإثيوبي (أ ف ب)

دخل السودان وإثيوبيا أجواء الحرب النفسية مع اقتراب موعد الملء الثاني لسد النهضة المقرر في يوليو (تموز) المقبل، في ظل تباعد المواقف وفشل المفاوضات في إيجاد تسوية واتفاق بين الأطراف المعنية حول الأزمة، فتسيّدت الاتهامات والإشاعات تحركات الجانبين السوداني والإثيوبي.

لكن ما طبيعة الاتهامات، ومدى صحتها؟ وإلى ماذا تقود في نهاية المطاف؟ وما السيناريوهات المتوقعة لمعالجة هذه الأزمة بعد وصول المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي إلى المنطقة؟

طبيعة السياسة الخارجية

يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة أفريقيا العالمية في الخرطوم عبد الوهاب الطيب البشير، "في ما يتعلق بالصراع السوداني الإثيوبي حول قضية سد النهضة، والنبرة الجديدة لأديس أبابا باتهامها الخرطوم بأنها تخلط الأوراق والأزمات، ولا تفصل بينها، وكذلك مطالبة السودان بإقليم بني شنقول الذي يقع في حدوده سد النهضة باعتباره جزءًا من أراضيه، في تقديري أن هذه المسألة ترجع إلى طبيعة النظم السياسية المتغيرة والمتحولة في المنطقة، وذلك بتعديل النظامين السابقين في البلدين خلال العامين الماضيين، فأدى هذا التحوّل الكبير في النظم السياسية إلى تبدّل السياسة الخارجية للدولتين".

وأضاف البشير، "لكن يبدو أن طبيعة السياسة الخارجية لإثيوبيا تغيّرت أكثر من تغيّرها في السودان، حيث اتّسمت الحكومة الإثيوبية الحالية بالعدائية تجاه الخرطوم، بسبب سد النهضة والخلاف الحدودي حول الفشقة، وهذا يرجع إلى طبيعة آبي أحمد وخلفيته الأرومية وصراعه مع التيغراي في أعقاب تأجيل الانتخابات، الذي قاد إلى الحرب في هذا الإقليم بعد تحالفه مع الأمهرا وإريتريا، فضلاً عن نزعاته التوسعية المسنودة من جانب الأمهرا للتغلغل في منطقة الفشقة الحدودية، وهو ما جعل السودان يتحرك للسيطرة على أراضيه في هذه المنطقة".

3 سيناريوهات

وتابع البشير، "مسألة استيلاء السودان على أراضيه الحدودية أغضب قومية الأمهرا التي أصبحت جزءًا رئيساً من مفاصل الدولة الإثيوبية بعد إزاحة التيغراي، الأمر الذي جعل توجهات أديس أبابا بشأن قضية المياه مختلفة عما كانت عليه في عهد الرئيس الإثيوبي السابق ميليس زيناوي، ما أدى إلى تصاعد النزاع، وتعنّت إثيوبيا حتى لا تمنح السودان فرصة أكبر، إذ تريد كسب السد وأراضي بني شنقول التي تفوق مساحتها أكثر من ثلاثة ملايين فدان. فإثيوبيا اتبعت ثلاثة طرق لتحقيق مآربها، تتمثل في بث الشائعات والاتهامات، فهي تتهم السودان بأنه يربط قضية السد بالنزاع الحدودي حول الفشقة، وأنه يلعب لصالح طرف ثالث وتقصد مصر".

ويواصل، "لكن، في رأيي أن المعيار الحقيقي في التفاعل بين السودان وإثيوبيا هو المصالح، لذلك ترى الخرطوم أن مصالحها تقتضي الربط بين قضيتي الحدود والسد في آن واحد، ولا يمكن تجزئة القضايا والمشكلات، فيما ترى أديس أبابا أن يُحلّ كل ملف بمعزل عن الآخر، وهذا منهج تتبعه الأنظمة الإقليمية القائمة على الهيمنة والمساومة والتعاون، فالنظام الإثيوبي يتّبع الآن مع حكومة الخرطوم نمط المساومة أكثر من التعاون".

ويعتقد البشير أنه "يجب على إثيوبيا أن تغيّر منهجيتها في السياسة الخارجية مع السودان، وفي التفاوض حول قضية سد النهضة، وكذلك قضية الحدود حول أراضي الفشقة، وإلا سيقود هذا الأمر إلى واحد من ثلاثة سيناريوهات هي الصراع، أو التوازن، أو التعاون، فالآن السيناريو الأخير غير موجود، إذ إن الطرفين في مرحلة التوازن الحرج مع قرب عملية الملء الثاني، مما سيقود إلى سيناريو الصراع، وهو مرحلة خطيرة، وهذا ما جعل أميركا تبعث جيفري فيلتمان مبعوثاً خاصاً جديداً يسمّى بالمبعوث الأميركي للقرن الأفريقي، وهي إدارة جديدة للخارجية الأميركية تُعنى خصيصاً بقضايا محددة هي سد النهضة والخلاف الحدودي بين السودان وإثيوبيا ومشكلات أديس أبابا الداخلية ومسألة الانتخابات الإثيوبية وحرب التيغراي وحقوق الإنسان داخل إثيوبيا، وما يجري في الصومال من انعدام توازن وتوترات داخلية، فتسعى واشنطن إلى إيجاد تسوية بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا تحقق المصلحة للجميع، وتمنع المنطقة من توترات وحرب قد تؤثر في الأمن الإقليمي".

وتوقّع أستاذ العلوم السياسية أن "تعدّل أديس أبابا من موقفها"، وأن تحدث انفراجة في أزمة السد، وذلك لكونها "تعاني أزمات داخلية"، بالتالي تحاول بأن لا تدخل في أزمة إقليمية ودولية جديدة تضاف إلى مشكلاتها الداخلية، خصوصاً نزاع القوميات الذي بدأ في مناطق عدة، أبرزه صراع الأرومو والعفر، وأحداث العنف في منطقة بني شنقول قمز التي أقيم عليها سد النهضة، وصراع التيغراي الذي يعدّ أكبر مهدد للأمن القومي الإثيوبي، إضافة إلى صراع قوميات أخرى كثيرة ضد سياسات حكومة آبي أحمد، فضلاً عن تحركات المعارضة الإثيوبية التي تقودها قومية الأرومو التي ينتمي لها آبي أحمد، كما أن أديس أبابا تخشى الدخول في حرب ربما تكون طويلة الأمد، مما ينهكها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تسييس القضية

في المقابل، يشير المحلل السياسي الإثيوبي موسى شيخو إلى أنه "بالنسبة لموقف الدولتين من أزمة سد النهضة، نجد أن إثيوبيا ترى أن السودان لم يعُد لديه ما يهمه كثيراً، بمعنى أن ليست لديه قضية جادة في أزمة السد، وتعتقد أن الجانب السوداني اتجه نحو تسييس القضية، وتطابق موقفه مع الموقف المصري تشفّياً من إثيوبيا، بسبب الخلاف الحدودي بين الدولتين. فالسودان بحسب وجهة النظر الإثيوبية يربط موضوع السد بأزمة الحدود، التي هي قضية لا تستدعي كل هذا التصادم، لأنه قبل أن تنطلق القوات السودانية إلى عمق الأراضي المتنازع عليها في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، كانت الأمور في أحسن حال، إذ إن اللجنة الفنية المشتركة التي تعمل على رسم الحدود بين البلدين قد وصلت إلى نقطة متقدمة لحل هذا الخلاف نهائياً، لكن السودان فاجأ الإثيوبيين وهم يخوضون حرباً في إقليم تيغراي بإعادة الانتشار في ما قال إنها أراضيه، بينما ترى أديس أبابا في هاتين القضيتين (سد النهضة والخلاف الحدودي) تصعيداً سودانياً سياسياً كبيراً، والسبب هو الطرف الثالث في ما تسمّيه الحكومة الإثيوبية".

وزاد شيخو، "إثيوبيا ترى أنه كان يمكن أن تصل مع السودان إذا جلسا في مفاوضات ثنائية، إلى تفاهمات تؤدي إلى انفراج الأزمة الحدودية، فتصريحات رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك الأخيرة التي ذكر فيها بأنه إذا جرى الملء الثاني لسد النهضة من دون اتفاق سيكون السودان تحت رحمة إثيوبيا، فهذا كلام سياسي وليست له علاقة بالأمور الفنية. ففنياً، يتمثل مطلب الجانب السوداني في أن يجري تبادل البيانات والمعلومات، وبدّدت أديس أبابا هذه المخاوف بتوجيهها رسالة إلى كل من السودان ومصر بأنه بإمكان خبرائهما المتخصصين في السدود الاطلاع على ما يجري في السد حتى لا يحدث ضرر على الأقل في الملء الثاني، الذي أصبح الشغل الشاغل للدولتين، لأنه في حال وجود هؤلاء الخبراء من الجانبين في موقع السد، وشاركوا في عملية الملء، فإن مخاوفهما تكون انتهت وتمت معالجتها".

وأضاف، "من المؤسف أن السودان صعّد الأمر وربط عملية الملء الثاني بإيجاد اتفاقية، وهو أمر غير ممكن، لأن الاتفاقية لا تكون جزئية، بل تكون نهائية وشاملة، إذ لا يمكن أن تكون هناك اتفاقية خاصة بالملء فقط، فهناك نقاط تتعلق بإدارة الملء والتشغيل وإدارة السد في فترة الجفاف والجفاف الممتد. وكان بإمكان السودان إرسال خبرائه في السدود، ويتفادى الضرر كما اتخذ احتياطاته اللازمة داخل بلاده، وكذلك التنسيق مع الجانب الإثيوبي لتفادي هذا الضرر، وتتواصل المفاوضات. وهذا ما كانت تتوقعه أديس أبابا من الخرطوم، لكن الأمور اتجهت بعيداً، فبدأت مصر والسودان يتحدثان عن عدم الاستقرار في إثيوبيا، فيما اتهمت أديس أبابا الخرطوم بتدريب إثيوبيين وإرسالهم إلى القتال داخل أراضيها، كما اتهم مجلس الأمن الوطنى الإثيوبي مصر والسودان بتأجيج الأوضاع في إقليم بني شنقول. كل هذه الأمور لا تعدو بأن تكون تحركات سياسية بعيدة من المفاوضات الفنية البحتة التي تُعنى بالأمر الرئيس".

هزيمة وديون

ويعتقد المحلل السياسي الإثيوبي أن الكرة الآن في ملعب السودان، "يجب عليه أن يتحرك، لأنه هو المتضرر الأول، وكذلك المستفيد الأول، وأن مصر أقل ضرراً، لأن لديها السد العالي ما يجعلها تتحمّل في حال حدوث نقص في منسوب المياه، أما الخرطوم فمصالحها غير المصالح المصرية، كما أن قضيتها غير القضية المصرية، فإذا فكّر السودان بهذه الطريقة يمكن أن يحدث اختراق وتقدم في المفاوضات. وفي ما يختص بإثيوبيا، فإنها لا تستطيع تأجيل موعد الملء الثاني المحدد في يوليو المقبل لأسباب سياسية، إذ إن إيقاف أو تأجيل الملء الذي بلغ نحو 79 في المئة، في هذا الوقت الحساس، خصوصاً أنها تقبل على انتخابات عامة يعتبر هزيمة لها، وكذلك لأسباب اقتصادية، إذ شيّدت هذا السد بتمويل من جيب شعبها وعرق جبينه، وستجني منه مليار دولار سنوياً، كما أن الإثيوبيين الذين موّلوا هذا السد ينتظرون التنمية والطاقة الكهرومائية، إضافة إلى أن الشركات الأجنبية القائمة على أمر هذا السد تنتظر استحقاقاتها بحسب الخطة المرسومة، بالتالي إن أي تأجيل في الملء تترتب عليه ديون ومطالبات مالية كبيرة من قبل هذه الشركات".

وأردف، "إذاً، إثيوبيا لهذه الأسباب وغيرها مضطرة إلى أن يكون الملء الثاني في موعده، كما أنها تستبعد حدوث أي ضرر بالنسبة إلى مصر والسودان، حيث ذكر الوفد الإثيوبي في مفاوضات كينشاسا التي عقدت مطلع أبريل (نيسان) الماضي بأن بلاده عندما أقدمت على الملء الأول طلبت من القاهرة والخرطوم أن تكونا على اطلاع بأيام الملء، وأن يكون هناك تصريف وحجز للمياه، لكنهما لم تردّا وصمتتا، ولم تصدرا أي بيان آنذاك يتحدث عن الأضرار التي يمكن أن تلحق بهما من جراء الملء الأول. لكن بعد انفجار قضية الحدود السودانية الإثيوبية، بدأ الطرف السوداني الرسمي يتحدث عن أضرار وفيضانات لحقت به، فيما طالبت إثيوبيا رداً على ذلك بأن يجري تشكيل لجنة محايدة للتأكد أن ما لحق بالسودان من ضرر كان بسبب الملء الأول".

المزيد من تقارير