Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أطبق الوباء على أنفاس الناس فاختنقت الشواطئ

يضخ "الاقتصاد الأزرق" مئات تريليونات الدولارات في الاقتصاد العالمي وتُعد منطقة البحر الأبيض المتوسط الوجهة السياحية الرائدة

الشعاب المرجانية في البحر الأحمر تجذب سياح العالم إلى الغوص (أ ف ب)

عندما يحل فصل الصيف فهذا يعني بالنسبة إلى معظم شعوب العالم "البحر"، الذي يعد متنفس المدن، أو شرفتها الخارجية، فيخرج إليه الناس للاستجمام والراحة، والهرب من زحمة المدن وأعمالها، فيحملون معهم "عدة البحر" من مظلة واقية إلى الكراسي والطاولات والمأكولات والمشروبات ويتركون أولادهم يلعبون على الشاطئ. هذا في البلاد التي ما زالت شواطئها أملاكاً عامة. وهناك آخرون يفضلون رفاهية الرحلة البحرية فيختارون المسابح في الفنادق والمنتجعات التي توفر لهم خدمات ترفيهية كثيرة مقابل المال، وهناك البعض ممن يسافرون من أجل البحر أو ما يسمى السياحة الشاطئية، وهؤلاء أكثرهم من سكان البلاد الباردة الذين يستغلون عطلاتهم الصيفية للسفر إلى البلاد المشمسة ليكتسبوا السمرة ويستمتعوا بالعروض التي تقدمها لهم شركات السياحة البحرية، وتحديداً إلى شواطئ المتوسط والبحر الأحمر التي يبدأ الصيف فيها مبكراً.

اقتصاد السياحة الشاطئية

للاقتصاد العالمي رأيه في اقتصاد البحار أو "الاقتصاد الأزرق"، الذي يضخ مئات تريليونات الدولارات في الاقتصاد العالمي. والاقتصاد الأزرق هو "مجموعة الأنشطة البشرية التي تعتمد على البحر المدعومة بالتفاعلات البرية والبحرية، مثل التجارة البحرية الضخمة، وتربية الأحياء المائية، ومصايد الأسماك، والتكنولوجيات الحيوية الزرقاء، والسياحة الساحلية والبحرية والشحن وبناء وإصلاح السفن والموانئ، وطاقة المحيطات والطاقة البحرية المتجددة، بما في ذلك الرياح البحرية.

ما يهمنا من هذا الاقتصاد الضخم، هو السياحة الشاطئية. فحضور الناس إلى الشاطئ للاستجمام، هو اقتصاد متكامل بحد ذاته. فالمصطاف على شاطئ البحر من أجل "السمرة" أو البرونزاج، يحتاج إلى السفر مثلاً وإشغال فندق وشراء ملابس البحر واستخدام المساحيق المصنوعة من أجل الحماية من الشمس وتأمين سمرة صحية. وهذا كله يدخل في دورة اقتصاد السياحة الشاطئية الهائلة على مستوى العالم، لكن في الوقت نفسه لا بد من الوقوف على وضع هذا النوع من السياحة في ظل انتشار فيروس كورونا وقرارات منع السفر والتباعد الاجتماعي. فسياحة الشاطئ قبل كورونا في عام 2019، هي ليست كما بعده اليوم.

المتوسط مساحة تلاق

تعريف الباحث المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل للبحر الأبيض المتوسط هو الأكثر عمقاً، بسبب شغف هذا الباحث بالمتوسط الذي تلتقي عليه الحضارات وتتمازج، وتفتح باب التجارة وتبادل الثقافات في ما بينها على مصراعيه منذ بداية التاريخ. فبرأي بروديل، حوض المتوسط "بحر تلاقٍ لا فضاء فصل بين الشعوب".

أطلق الرومان على المتوسط اسم "بحرنا"، والأبيض بالنسبة إلى الأتراك، والبحر الكبير بالنسبة إلى اليهود، والمتوسط بالنسبة إلى الألمان، والمصريون القدماء أسموه الأخضر الكبير. ولا يوجد مثيل لهذا الحوض في العالم. فهو كبير بما يكفي ليسعنا جميعاً، ولكنه في الوقت نفسه، بشكله الفريد وجزره وخلجانه ومضايقه، يخلق وسائل لربط الشعوب التي تعيش حوله. ويبدو كما لو كان بحراً مغلقاً، ولكنه يوفر طرق النقل الرئيسة بين الشرق والغرب .

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، تُعد الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط الوجهة السياحية الشاطئية الرائدة في العالم، فمن بين 220 مليون سائح سنوياً تجذبهم تلك الدول، يتدفق أكثر من 100 مليون سائح منها إلى الشواطئ. وبالطبع هذه الأرقام صدرت قبل جائحة كورونا في عام 2019. وفي منطقة الشرق الأوسط يحل البحر الأحمر في المرتبة الثانية، خصوصاً في مصر، وهو مثوى لمحبي الغطس بسبب قلة عمق مياهه ودفئها، الذي يسمح بوجود أنواع كثيرة من الكائنات البحرية والشعاب المرجانية. وتتوقع المنظمات السياحية انفجاراً سياحياً على شواطئ هذا البحر مع المشاريع التي تقيمها السعودية ومنها مشروع "نيوم" الضخم، والمشاريع المصرية والسودانية التي وضعت خططها.

وبحسب المنظمة نفسها، تشكل الدول الأوروبية مصدراً لنحو 50 في المئة من حجم السياح على مستوى العالم، إذ يفضل 60 في المئة من السياح الأوروبيين قضاء إجازاتهم بالقرب من البحر، بخاصة في الدول المشمسة، وذلك مقابل 43 في المئة من السياح القادمين من الولايات المتحدة الأميركية و68 في المئة من السياح الصنيين.

البحر الأحمر والشعاب المرجانية

على صعيد دول البحر الأحمر تمثل تجربة المدن الشاطئية في مصر كشرم الشيخ والغردقة وطابا ومرسى علم ودهب مثالاً في جذب السياح، حيث أدى دخول السياحة الشاطئية في تلك المدن إلى ارتفاع عدد السياح القادمين لمصر من نحو 4.8 مليون سائح في عام 2000 إلى ما يقارب 14 مليون سائح سنوياً في الظروف العادية في عام 2019 قبل جائحة كورونا. ووفقاً للبيانات، فإن السياحة الشاطئية والترفيهية في مصر تستحوذ على نحو 95.7 في المئة من حركة السياحة الوافدة سنوياً.

وانضمت منظمة حفظ الطبيعة إلى البنك الدولي وغيره من شركاء التنمية في إنشاء مبادرة "رسم خريطة ثروة المحيطات"، وتبين أبحاث هذه المبادرة ونماذجها المبتكرة أن 70 مليون رحلة تدعمها الشعاب المرجانية كل عام إلى أكثر من 70 بلداً وإقليماً حول العالم، ما يجعل هذه الشعاب محركاً قوياً للسياحة. وإجمالاً، كانت الشعاب المرجانية تحقّق ما قيمته 36 مليار دولار سنوياً من القيمة الاقتصادية للسياحة الشاطئية قبل الإقفال ومنع السفر. ومن هذا المبلغ، يمثل 19 مليار دولار السياحة الفعلية "في الشعاب المرجانية" مثل الغوص والغطس وركوب القوارب الزجاجية ومشاهدة الحياة البحرية على الشعاب نفسها. و16 مليار دولار أخرى تأتي من سياحة "المناطق المجاورة للشعاب".

السياحة الشاطئية وكورونا

أدت إجراءات الحجر الصحي الصارمة المتبعة لوقف تفشي فيروس كورونا إلى توقف شبه نهائي لصناعة السياحة الشاطئية العالمية، فتعطلت سبل عيش الملايين، وأقفل باب ضخ أموال السياحة والترفيه والتنقل من السياح الذين اعتادوا تمضية عطلاتهم الصيفية على الشواطئ.

لكن على الرغم من التشدد في الحجر والإقفال على الصعيد العالمي، فإن الأهمية الاقتصادية للسياحة الشاطئية دفعت عديداً من الحكومات بإعادة فتح الشواطئ كلما تبيّن أن هناك انخفاضاً في عدد الإصابات. فوفقاً لتقارير منظمة الصحة العالمية فإن سياسات الإغلاق الصارمة قللت بشكل فعال من انتشار الفيروس، ما أدى إلى تجنب ما يقدر بحوالى 3.1 مليون حالة وفاة في 11 دولة أوروبية، ومنع 530 مليون إصابة في الصين، وكوريا الجنوبية، وإيطاليا وإيران وفرنسا والولايات المتحدة. وبالفعل تم استئناف السفر الدولي بين عدد من الدول على الرغم من أن بلداناً كثيرة لا تزال تعاني من انتشار الوباء.

وسيؤدي أي انفراج في الأزمة إلى اشتداد المنافسة بين البلدان على السياح بسبب زيادة العرض وعدم مطابقة الطلب، عبر تقديم حوافز لجذب السياح. لكن التعافي سيكون بطيئاً، ولن تتمكن شركات كثيرة من البقاء على قيد الحياة. وستكون البلدان الاستوائية وتلك التي تعتمد على السياحة على مدار العام هي الأكثر تضرراً من تباطؤ التعافي المنشود، وستكون فئة المخاطر الأعلى من بين البلدان الصغيرة ومنها جميع بلدان منطقة البحر الكاريبي مثلاً، ومعظم دول حوض المتوسط، التي يتزامن فصل الصيف فيها.

 السيناريوهات المستقبلية لسياحة الشاطئ

مع استمرار عدم اليقين بشأن وباء كورونا، تواجه صناعة السياحة عديداً من السيناريوهات المحتملة. وتتراوح هذه التوقعات، بين الانهيار التام للصناعة لأن الخوف من العدوى ينشر خوفاً عميقاً من الاتصال الاجتماعي. وسترتفع نسب البطالة ما سيتسبب بصراعات اجتماعية اقتصادية بحسب تقارير البنك الدولي، لأن السياحة الشاطئية ستتركز بعد ذلك في منشآت خاصة يعتبرها المصطافون آمنة. وستنتشر الأعمال الخفية عن أعين التفتيش والقواعد المفروضة، ما سيخلق سوقاً سياحية غير مرئية من قبل المؤسسات الرقابية الحكومية.

أما السيناريو المتفائل فيفترض حدوث تغيير في نهج السياحة من قبل الحكومة والقطاع الخاص. وبحسب منظمة السياحة العالمية، فمن المرجح أن يتداخل التعافي من فيروس كورونا مع التحول العالمي للأنظمة الاقتصادية الحالية، فبرأي كثير من الخبراء المتفائلين، سيمثل الوباء لحظة تحول أو فرصة لانفتاح جديد يؤدي إلى تكيف أسرع للحلول البيئية والسياحية لتتماشى مع الظروف الجديدة التي فرضها انتشار فيروس كورونا.

المزيد من سياحة و سفر