Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"والداي وأنا" لدافيد هوكني عودة الفنان إلى الواقعية العائلية

الإبداع الأجمل الذي ينتجه الحنين وأزمة منتصف العمر

دافيد هوكني أمام بعض أعماله (غيتي)

هم ثلاثة من الكبار، وربما يمكن أن يكونوا أربعة إن نحن أضفنا إليهم دميان هيرست من خارج أنماطهم الإبداعية، أمنوا لبريطانيا حضوراً كبيراً في عالم الفن التشكيلي على الأقل خلال النصف الثاني من القرن العشرين: لوسيان فرويد، فرانسيس بيكون، والباقي على الحياة حتى اليوم من بينهم دافيد هوكني. ولئن كانت المجايلة تجمع بينهم، فإن ثمة في الوقت نفسه قاسماً مشتركاً آخر يوحدهم إلى حد ما، وهو عدم انتمائهم إلى أي تيار فني خاص، بل حتى عدم وجود تيار فني يجمعهم معاً. فهم، في نهاية الأمر، ذئاب متفردة في عالم الرسم تمكن كل واحد منهم، على حدة وبمفرده، أن يشكل تياراً في حد ذاته وغالباً بشكل يجعل تيارات عديدة تعلن انتسابهم إليها من دون أن يوافقوا هم على ذلك.

تيارات متلاحقة

بل إن واحداً منهم هو دافيد هوكني عرف كيف يخلق لنفسه "تيارات" متلاحقة خاصة به تميل حيناً إلى التصويرية وحيناً إلى "تكعيبية ما" وفي بعض المناسبات إلى واقعية مفرطة فيما تستقر في مناسبات أخرى عند نوع من واقعية شعرية وأحياناً عند ما سماه البعض مازحين: واقعية هندسية أو "واقعية أحواض السباحة". ولعل هذا التنقل بين التيارات، بل إيجاد بعضها من العدم، كان هو ما أعطى فن دافيد هوكني خصوصيته المطلقة. ولعل الكتاب الضخم (منشورات دار طاشن العالمية) الواقع في نحو 500 صفحة حافلة بالرسوم والذي بلغ ثمن النسخة المميزة الواحدة منه نحو 4000 جنيه إسترليني (بيعت جميعها خلال شهور كما تؤكد دار النشر)، يشهد على ذلك إذ يجمع الأعمال الكاملة للرسام مرتبة متتالية بصورة ترينا تطوراته وأكثر من هذا: ارتباط تبدلاته الأسلوبية تبعاً لما إذا كان يعيش في لندن أو في جوارها أو في لوس أنجليس التي عاش فيها طويلاً أو نيويورك أو ألمانيا...

حنين منتصف العمر

بشكل عام يمكن ربط تغيرات هوكني الأسلوبية بالتبدل الجغرافي لأمكنة إقامته. وهو أمر يدفعنا إلى ملاحظة قد تكون هنا بالغة الأهمية، وهي أن هوكني ينصرف حين يكون في إنجلترا إلى رسم لوحاته الأكثر واقعية ومن بينها البورتريهات، فيما نراه، مثلاً، في لوس أنجليس يرسم مناظر طبيعية ضخمة تشتغل أحياناً انطلاقاً من نزعة فوتوغرافية، مقابل نزعة تجريبية تهيمن على لوحاته النيويوركية... والحال أن ما سنتوقف عنده هنا هو تلك المرحلة خلال سنوات السبعين من القرن العشرين التي حقق خلالها هوكني بعض لوحاته الأكثر واقعية، لا سيما منها تلك التي رسمها في سنوات أقام خلالها في لندن، وكان أضحى في تلك المرحلة من العمر التي توصف عادة بأنها "منتصف العمر"، ويعيش خلالها المرء نوعاً من الحنين إلى ما مضى من سنوات عمره. ومن هنا لم يكن غريباً أن تتميز من بين اللوحات، الكثيرة على أي حال، التي رسمها خلال تلك المرحلة (بين 1973 و1976 خاصة) لوحات رسم نفسه في بعضها واقتبس في بعضها الآخر مواضيع، غلب عليها طابع هندسي مسرحي، مقتبسة من هوغارث. ولكن أنجز خلالها خاصة تينك اللوحتين اللتين يصور فيهما والديه بشكل يبدو الأقرب إلى الواقعية. باختصار حقق هنا بورتريهين يبدوان لنا اليوم أساسيين من بين أعماله. وهما اللوحتان اللتان نتوقف عندهما هنا. وبخاصة عند اللوحة المعنونة "والداي وأنا".

رواية الأخ

يحكي لنا هوكني بنفسه أن فكرة هاتين اللوحتين واتته حين كانت أمه نزيلة المستشفى عند بدايات السبعينيات. وهناك لاحظ كيف أن أباه الذي بالكاد كان يجد ما يقوله لها في الحياة العادية بعد 45 سنة من الزواج، راح يزورها كل يوم ويمضي ساعات معها. "ومن هنا فكرت أن في إمكاني أن أصور تلك المفارقة في لوحة تمثلهما جالسين معاً في البيت بحميمية إنما دون أي تواصل أو كلام. هو منصرف إلى شأن خاص به، وهي بدورها منصرفة إلى شأنها الخاص" تتأمل ابنها الرسام الذي نشاهده على أي حال منعكس الصورة على مرآة تفصل بينهما في اللوحة الأولى التي رسمها عام 1970، بينما يختفي من الصورة في اللوحة الثانية التي تكاد تصور الجلسة نفسها، ولكن بعد سنتين حيث نلاحظ ازدياد انهماك الوالد في تصفح كتاب، بينما لا تزال الأم وقد بدأ الكبر يبدو عليها، أكثر احتفالاً بما يفعله ابنها. وإذا كان دافيد هوكني حين يتحدث عن هاتين اللوحتين يحرص على أن يكون حديثه مفهومياً بمعنى أنه يحاول أن يستخلص المعاني وتصوراته للحياة المشتركة من خلال اللوحة كما حرصه على تفسير تلك المكانة التي يحتلها المثلث الأحمر في اللوحة الأولى ودلالاته إذ يراه رمزاً جامعاً للرؤوس الثلاثة المرسومة في اللوحة، من الواضح أنه ترك لأخيه جون هوكني مهمة مختلفة تماماً. فالأخ وكما يروي هو بنفسه في نص طريف نشره بعد سنوات من إنجاز اللوحتين، كان هو الذي عهد إليه دافيد بإحضار الوالدين "إلى الأستوديو الذي أقامه في بناء اشتراه في ناتنغ هال، لكي يرسمهما معاً لمرة نادرة في حياتنا المشتركة المنفصلة في المكان والزمان".

عذاب كبير

وبالفعل تمكن جون هوكني من أداء المهمة التي كلفه بها أخوه وكان شاهداً على ما سوف يصفه بـ"العذاب الكبير الذي عاناه دافيد لإنجاز اللوحة الأولى على الأقل" وهي تلك التي يظهر فيها الرسام في المرآة "بالطريقة التي يظهر فيها الرسام فان ديك في لوحته الكلاسيكية "عرس آل أندولفي" أي في مرآة تسجل حضوره في المكان" كما أكد له أخوه الرسام. ويقول جون اليوم، إن تلك اللوحة الأولى كانت المحاولة الثالثة الناجحة التي بذلها أخوه الرسام خلال فترة طويلة من الزمن. علما أن إنجاز البورتريه العائلية الثانية بعد ذلك بعامين لن تكون على مثل تلك الصعوبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المرحلة الأجمل

كان من الواضح أن دافيد هوكني كان يفكر في اللوحة التالية وهو يرسم الأولى، بل يعتقد أن المعاناة التي بذلها تكفي لما لا يقل عن لوحتين. وهكذا نراه ينجز بالفعل خلال سنوات قليلة هاتين اللوحتين اللتين تمثلان بالنسبة إليه قمة "واقعيته الخاصة" ولكن أيضاً تعليقه العميق من ناحية على حياة "الثنائي" في العصور الحديثة، ومن ثم على أزمة التواصل بين البشر حتى ولو كانوا من أقرب المقربين إلى بعضهم البعض. وقد يمكننا أن نقول هنا إن هاتين اللوحتين قد افتتحتا في مسار دافيد هوكني تلك المرحلة التي يعتبرها نقاد كثر، الأجمل في مساره الفني، والتي غالباً ما تألفت من "بورتريهات مزدوجة" يرسمها بأسلوب يكاد يكون واقعياً ودائماً ما تمثل شخصين ربما يكون هوكني نفسه أحدهما (كما في تلك اللوحة التي تمثله جالساً إلى طاولة في مواجهة بيكاسو)، علماً أنه لن يصعب على أحد أن يتعرف على بعض الشخصيات المرسومة، ومنها شخصيات مشاهير كانوا من معارف هوكني أو بعض أصدقائه المقربين...

طفولة الفن

دافيد هوكني اليوم في الرابعة والثمانين من عمره فهو، من مواليد عام 1937 وتعرض أعماله المنتشرة في شتى أنحاء العالم. صحيح أن زمن لوحاته المبكرة مثل "بيغ سبلاش"، والضخمة مثل "غراند كانيون" قد ولى لتحل مكانه مرحلة اللوحات الأصغر حجماً والأقل طموحاً من الناحية التجريبية؛ غير أن نسغ المخاطرة لا يزال يتملكه دافعاً إياه إلى تجوال متواصل بين الأساليب والألوان والمواضيع والتبدلات التي تكون جذرية أحياناً، ومع ذلك لا يزال في إمكان لوحاته أن تتسم بتقاطع باهر مع ما يسميه هو "طفولة الفن" أي الولادة المباغتة لمواضيع ومضامين وأشكال فنية تؤكد أنه لا يزال لديه أشياء كثيرة يقولها، بالأحرى يرسمها، من ناحية ومن ناحية أخرى لا يزال قادراً على التجريب وخوض مغامرات فنية جديدة دون خوف على الإطلاق...

المزيد من ثقافة