Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دعوى قضائية جزائرية ضد جنرالات فرنسا... خطوة معنوية أو عقابية؟

الخطوة تحتاج إلى ملف ضخم من الأدلة وباريس لن تسمح بالمساس بمؤسستها العسكرية

الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند اعترف بـ "المجازر" بحق الجزائريين (أ ف ب)

يبدو أن "ملف الذاكرة" سيقف حجرة عثرة أمام تعزيز العلاقات بين الجزائر وفرنسا، فبعد التوتر الذي صاحب تقرير المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا، ثم اللغط حول التجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر، جاء الدور على التحضير لرفع دعوى قضائية جزائرية ضد فرنسا في المحاكم الدولية.

تخليد ذكرى بمقاضاة فرنسا؟

مع انطلاق احتفالات ذكرى ما يعرف بـ "مجازر 8 مايو (أيار) 1945" في الجزائر، بدأت تظهر أولى بوادر مرحلة جديدة من العلاقات الجزائرية الفرنسية التي لن تعرف الهدوء ما لم يتم تجاوز "ملف الذاكرة" الذي بات يعرقل أي تقدم بل على العكس يدفع إلى التوتر.

وأعلن عبد الحميد سلاقجي، رئيس جمعية "8 مايو 45" "الاستعداد لرفع دعوى قضائية ضد مرتكبي المجازر التي تسببت بقتل وتشريد الآلاف من الجزائريين عام 1945، لأنهم خرجوا في مسيرات سلمية احتفالاً بانتصار الحلفاء على النازية، ومطالبين فرنسا بالاستقلال والوفاء بوعودها"، وقال إن هذه الأحداث "حركت الوعي لدى الجزائريين ومهدت لقيام الثورة والكفاح المسلح"، مضيفاً أن الجمعية بصدد تحضير ملف لمقاضاة مرتكبي تلك "المجازر" أمام الهيئات الدولية.

وأضاف سلاقجي، أنه سيتم رفع دعويين قضائيتين، الأولى أمام لجنة حقوق الإنسان في بروكسل، والثانية لدى محكمة العدل الدولية في لاهاي، مشدداً "نملك قائمة بأسماء المتورطين على غرار الجنرال ديفال وبورديلا وغيرهم".

خطوة معنوية 

وفي السياق نفسه، أبرز أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، محمد بورديم، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، "أن ما حدث أثناء خروج الجزائريين رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخاً لمطالبة فرنسا بالوفاء بالتزاماتها يندى له الجبين"، وقال إن "القوات الفرنسية أطلقت النار بطريقة عشوائية وقامت بممارسات وتصرفات تصنف في خانة الجرائم الحربية، وهو ما يجعل من مقاضاة المسؤولين عن هذه الأعمال ضرورة معنوية قبل أن تكون عقابية"، مشيراً إلى أن "أغلب القيادات الفرنسية التي أمرت بإطلاق النار أو مارست التعذيب والتنكيل لم تعد بيننا".

ويواصل بورديم، أن خطوة جمعية "8 مايو 45" مهمة من أجل إعادة الاعتبار للجزائريين، موضحاً أن التظاهرات التي انطلقت احتفالاً بنهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت منذ الأول من مايو المصادف لعيد العمال، وطالت أكثر من 20 مدينة من الغرب إلى الشرق، وكان هدفها الضغط على الفرنسيين من أجل الوفاء بوعودهم وأهمها استقلال الجزائر، لكن التظاهرات السلمية تحولت إلى مجازر من دون سابق إنذار، وختم أن "العلاقات الجزائرية الفرنسية لن تستقر ما دامت فرنسا لم تعترف بمجازرها وجرائمها في الجزائر وتعتذر"، وفقاً لتعبيره.

إحراج فرنسا

في المقابل، يرى المحلل السياسي، عبد الكريم عمران، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن رفع قضية لدى المحاكم الدولية يستدعي ملفاً ضخماً من الأدلة، وهو ما لم تتوفر عليه الجزائر بسبب استمرار تواجد الأرشيف الجزائري لدى فرنسا، مضيفاً أن عدة دول لجأت إلى القضاء الدولي، لكن لم تحقق مبتغاها بسبب الضغوطات من جهة، وضعف الملفات التي تدين المتهم من جهة أخرى، وعليه فإن تحرك جمعية "8 مايو 45" يندرج في سياق إحراج فرنسا ليس إلا، كما أنها خطوة معنوية أكثر منها مادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعتقد عمران، أن الملف لن يلقى أي تجاوب من لجنة حقوق الإنسان ومحكمة العدل الدولية، لعدة اعتبارات أهمها أن فرنسا لن تسمح بالمساس بمؤسستها العسكرية ولو بشكل معنوي، مضيفاً أن المسؤولين عن "المجازر" قد يقدمون دلائل أو قرائن تجعل الأحداث في إطار تطبيق القانون وبسط الأمن، كما قد يتخذون من تصرفات بعض الجزائريين مطية لاستعمال العنف مثل حمل سكاكين أو عصي، أو محاولة الاعتداء على الشرطة الفرنسية، وأردف أن مثل هذه القضايا صعب حلها على مستوى القضاء الدولي لأنها ترتبط بالدول وليس بالأشخاص.

فرنسا لن تقدم اعتذارات

واستبعدت فرنسا في يناير (كانون الثاني) الماضي تقديم "اعتذارات" عن حرب الجزائر إثر تسلم الرئيس إيمانويل ماكرون التقرير الذي أعده المؤرخ المكلف من الرئاسة بنجامان ستورا حول الاستعمار وحرب الجزائر (1954-1962). 

وأفادت الرئاسة الفرنسية حينها، أنها تعتزم القيام بـ"خطوات رمزية" لمعالجة ملف حرب الجزائر، لكنها لن تقدم "اعتذارات".

وتابع الإليزيه أن الرئيس إيمانويل ماكرون سيشارك في ثلاثة احتفالات تذكارية في إطار الذكري الستين لنهاية حرب الجزائر في 1962، هي اليوم الوطني للحركيين في 25 سبتمبر (أيلول)، وذكرى قمع تظاهرة الجزائريين في باريس في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1961، وتوقيع اتفاقيات إيفيان في 19 مارس (آذار) 1962.

وكلف ماكرون بنجامان ستورا، أحد أبرز الخبراء المتخصصين بتاريخ الجزائر الحديث، في يوليو (تموز) "إعداد تقرير دقيق وعادل حول ما أنجزته فرنسا حول ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر" التي وضعت أوزارها عام 1962، وما زالت حلقة مؤلمة للغاية في ذاكرة عائلات الملايين من الفرنسيين والجزائريين، بهدف إخراج العلاقة بين البلدين من الشلل الذي تسببه قضايا الذاكرة العالقة.

وقالت الرئاسة الجزائرية، في يناير، إن ماكرون أبلغ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اتصال هاتفي بـ"رغبته في استئناف العمل معاً على الملفات ذات الاهتمام المشترك، لا سيما الاقتصادية، والقضايا الإقليمية وملف الذاكرة".

يذكر أن تبون، قال في مقابلة مطولة مع صحيفة « لوبينيون» الفرنسية نشرت منتصف العام الماضي، إنه "يريد المضي قدماً في مسألة الذاكرة" مع فرنسا، مشيداً في نفس الوقت بماكرون، الذي "ينتمي إلى جيل جديد، ولم يكن على اتصال مع جماعات الضغط المناهضة للجزائر".

اعتراف

واعترفت فرنسا للمرة الأولى بهذه المجازر في عام 2012، وقال الرئيس الأسبق فرانسوا هولاند، في كلمة أمام البرلمان الجزائري، إنه "اعترف من هذا المقام بالمعاناة التي سلطها النظام الاستعماري الفرنسي على الشعب الجزائري، ومن ضمن هذه المعاناة مجازر سطيف وقالمة وخراطة التي تبقى راسخة في ذاكرة ووعي الجزائريين".

من جانبها، اعتمدت الجزائر السنة الماضية تاريخ 8 مايو كيوم للذاكرة، حيث أكد وزير المحاربين الطيب زيتوني، أن "مجازر 8 مايو 1945 تعد محطة حاسمة في تاريخ كفاح الشعب الجزائري ضد الاستعمار".

خطوات سابقة منسية؟

وهذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها جهات جزائرية إلى مثل هذه الخطوة، فقد سبق أن أبدى عدد من المؤرخين والحقوقيين الجزائريين استعدادهم لمقاضاة فرنسا أمام المحاكم الدولية، على خلفية الجرائم التي ارتكبتها خلال الحقبة الاستعمارية بين 1830-1962، حيث جمعوا ملفات 17 قضية تتعلق بـ"اغتيالات وعمليات سرقة وانتهاكات، ارتكبتها فرنسا".

كما أعلن منذ أشهر مضت، أكاديميون وحقوقيون وعسكريون سابقون، في جلسة عمل حضرتها "اندبندنت عربية"، أنهم بصدد جمع الأدلة المادية، ثم الوصول إلى 10 ملايين توقيع، لمباشرة متابعة فرنسا في المحاكم الجزائرية والدولية، وأبرزوا أن الخطوة ستتوسع لتشمل دولاً أفريقية عرفت جرائم ومجازر ضد الإنسانية خلال فترة الاستعمار الفرنسي لها.

المزيد من تقارير