موجة خسائر اقتصادية عنيفة تنتظر إيران بعد تنفيذ الحظر النفطي

توقعات بالاتجاه نحو مزيد من الانكماش... والتضخم يسجل مستويات قياسية... وطهران تتسلح بشعار "فصل النفط عن السياسة"

البيت الأبيض يهدف إلى حرمان إيران من إيرادات نفطية حيوية تبلغ 50 مليار دولار سنوياً (رويترز)

من المتوقع أن يزيد القرار الأميركي الأخير بشأن وقف الاستثناءات من العقوبات على نفط إيران، مشاكل اقتصاد إيران الذي يشهد العديد من الأزمات الاقتصادية.

ويواجه اقتصاد إيران جملة من التحديات، حيث من المتوقع أن يعود إلى الانكماش مجدداً بحسب التوقعات الدولية، بالتوازي مع تزايد احتمال تدهور العملة الإيرانية "الريال" وارتفاع معدل التضخم إلى مستويات قياسية خلال الفترة المقبلة، وهو ما سوف يجعل أداء الاقتصاد الإيراني أسوأ بكثير من الأعوام التي فرضت فيها العقوبات الدولية (2012-2015)، وهي الفترة التي سبقت التوصل إلى الاتفاق النووي، الذي رُفعت بمقتضاه تلك العقوبات.

كانت الإدارة الأميركية قد فاجأت أسواق النفط العالمية بإلغاء الإعفاءات التي منحتها في السابق لثماني دول، من بينها الصين والهند، لمواصلة شراء النفط الإيراني، حيث يأتي في وقت تخطت فيه أسعار النفط العالمية حاجز 70 دولاراً للبرميل في الشهر الحالي، بسبب اضطرابات الإنتاج في كل من ليبيا وفنزويلا، بجانب اتفاق أوبك والمنتجين المستقلين الخاص بوضع سقف للإنتاج.

إصرار أميركي على تنفيذ العقوبات

وعلى ما يبدو فإن الإدارة الأميركية مُصرَّة على تنفيذ أهدافها الخاصة بالوصول بصادرات النفط الإيراني إلى مستوى "صفر"، وذلك من أجل حرمان إيران من عائداتها، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في اليوم نفسه، بقوله "إن البيت الأبيض يهدف إلى حرمان إيران من إيرادات نفطية حيوية تبلغ 50 مليار دولار سنوياً، وذلك بهدف إجبار طهران في نهاية المطاف على كبح برنامجها النووي واختباراتها للصواريخ الباليستية وتدخلها في شؤون الشرق الأوسط".

مقابل ذلك، أكدت إيران قدرتها على تصدير النفط وعدم جدوى القرار الأميركي. وفي الوقت نفسه هدد العديد من المسؤولين الإيرانيين بتعطيل مسار الملاحة في مضيق هرمز ما لم تعبر شحنات النفط الإيراني إلى الأسواق الدولية، حيث قال علي رضا تنكسيري، قائد قوات البحرية بالحرس الثوري في هذا السياق "وفقًا للقانون الدولي فإن مضيق هرمز ممر بحري، وإذا مُنعنا من استخدامه فسوف نغلقه".

أما بالنسبة إلى الدول المُعفاة سابقا، فقد أبدى معظمها، باستثناء الصين وتركيا والعراق، استعداداً للتجاوب مع القرار الأميركي، وتعهدت البحث عن بدائل أخرى للنفط الإيراني مستبعدة أي تأثير للقرار على وارداتها من النفط.

خسائر عنيفة بعائدات النفط قبل القرار

ورصدت دراسة حديثة أعدها مركز المستقبل للدراسات العديد من التحديات التي تواجه إيران، بخاصة مع القرار الأميركي الأخير، فقبل إلغاء الإعفاءات بلغت صادرات إيران من النفط والمكثفات في مارس (آذار) الماضي مستوى قياسياً قدره 1.7 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2018، بشكل يمكن تفسيره في ضوء مسارعة الدول المُعفاة للحصول على كميات كبيرة من النفط الإيراني قبل انتهاء مهلة الإعفاءات الأميركية في بداية مايو (أيار) المقبل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورجحت الدراسة تصاعد خسائر الاقتصاد الإيراني بعد إلغاء الإعفاءات الأميركية، حيث سيحرم من عائدات سنوية من النقد الأجنبي تقدر بنحو 50 مليار دولار، الأمر الذي سوف ينتج تداعيات سلبية على النشاط الاقتصادي في البلاد وكافة المتغيرات الاقتصادية.

وكان صندوق النقد الدولي قد قدر، في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي"، أن الاقتصاد الإيراني سوف ينكمش بنسبة 6% في عام 2019، وهو أعلى من تقدير سابق له كان يصل إلى 3.6%، وكان قد توقّع حينها بلوغ معدل التضخم نحو 37.2%.

ولكن مع الأخذ في الاعتبار القرار الأخير، فمن المرجح أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بثلاث أو أربع نقاط إضافية في الأقل، على نحو سيجعل أداءه أسوأ بكثير من فترة العقوبات الدولية (2012-2015).

الريال يتجه نحو الانهيار

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يقفد الريال الإيراني مزيداً من قيمته في الفترة المقبلة على ضوء نقص النقد الأجنبي، علماً بأن سعر الصرف الرسمي في إيران يبلغ 42 ألف ريال مقابل الدولار، في حين يصل في السوق السوداء إلى نحو 144 ألف ريال مقابل الدولار، بما يعني أنه مع دخول القرار حيز التنفيذ، فمن المحتمل أن تزيد الفجوة بين السوقين بمستويات كبيرة.

وبالتوازي مع ذلك، من الواضح أن إلغاء الإعفاءات سيكون له تأثير سلبي آخر على معدل التضخم في البلاد، حيث قد يصل إلى 50% أو حتى أكثر من ذلك في العام، وفقاً لتوقعات جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي، وهو ما يعني أن أسعار السلع والخدمات سترتفع بشكل كبير في الأسواق خلال الفترة المقبلة، وأن الاقتصاد مقبلٌ في النهاية على مرحلة من الركود التضخمي.

خيارات محتملة

وأشارت الدراسة إلى أن القرار الأميركي بإلغاء الإعفاءات يفرض خيارين أمام إيران لكي تتمكن من تصدير نفطها للأسواق الدولية: يتمثل أولهما، في تهريب النفط للخارج، وذلك على غرار فترة العقوبات الدولية، حيث كانت إيران تنقل، في العادة، شحنات النفط عبر مسارات بحرية غير مكشوفة، مستعينة في ذلك بآليات مثل تغيير أسماء السفن أو تسجيلها لدى دول أخرى وإيقاف أجهزة تحديد مواقع السفن ونقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في عرض البحر وغيرها، فضلاً عن التهريب عبر الطرق البرية. وهنا، تشير بعض التقديرات إلى أن إيران بمقدورها تهريب نحو 200 ألف برميل يومياً إلى الأسواق الدولية.

أما الخيار الثاني فيتمثل في إقناع طهران بعض شركائها للتوسط لدى الإدارة الأميركية من أجل السماح لهم بشراء النفط الإيراني حتى لو بكميات محدودة، وهو ما يبدو جلياً في حالة تركيا، حيث أشارت وزارة الخارجية التركية إلى أنها تسعى إلى إقناع الولايات المتحدة بالسماح لشركة "توبراش" للتكرير بمواصلة شراء النفط الخام من إيران بدون التعرض لعقوبات. ولا شك أن نجاح أنقرة أو غيرها من مشتري النفط في تحقيق ذلك سيعود عليها بمكاسب، أقلُّها الحصول على إمدادات رخيصة من النفط الإيراني.

"أوبك" تفصل النفط عن السياسة

وفي بيان اليوم، قال محمد باركيندو، الأمين العام لمنظمة "أوبك"، إن المنظمة تحاول فصل النفط عن السياسة وذلك في أعقاب اتّهام إيران الولايات المتحدة بأنها تستخدم النفط كسلاح ضدها.

وكتبت وزارة النفط الإيرانية على "تويتر"، نقلا عن باركيندو خلال معرض للنفط والغاز في العاصمة الإيرانية طهران، أن "أوبك تحاول فصل النفط عن السياسة".

ونقلت الوزارة عنه "أبلغت زملائي في (أوبك) أن يتركوا جوازات سفرهم في المنزل عند حضورهم إلى هذه المنظمة".

ورداً على سؤال من صحفي بشأن ما إذا كان من الممكن من الناحية الفنية تطبيق العقوبات الأميركية على طهران، أجاب باركيندو "من المستحيل استبعاد النفط الإيراني من السوق".

فيما رحبت السعودية بالتحرك الأميركي لإنهاء جميع الإعفاءات، وقالت إنها مستعدة لتلبية احتياجات مستهلكي النفط عبر إحلال إمدادات طهران.

المزيد من اقتصاد