Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تراهن تونس على القطاع السياحي للخروج من الأزمة الاقتصادية؟

تداعيات خانقة تعصف بالمؤسسات المحلية والأنظار تتجه لمزيد من عودة النشاط في 2021

موقع حمامات أنطونيوس بقرطاج خال من السياح في ظل إجراءات الإغلاق عام 2020 (أ ف ب)

يمرّ القطاع السياحي في تونس بأزمة اعتبرت الأكثر صعوبة على الإطلاق منذ تأسيسه في فجر الدولة الوطنية حيث اعتبر شريان الاقتصاد، ومن أهم مموليه بالعملة الصعبة، ويتكبد قطاع السياحة منذ السنة الماضية تاريخ اكتشاف أول إصابة بوباء كورونا في تونس وإلى اليوم خسائر ضخمة، واعتبر إلى حدّ الآن القطاع الأكثر تضرراً جراء انتشار الوباء.

ومع نسق الخسائر التي باتت في منحى تصاعدي، انعكس ذلك على العديد من الأنشطة الاقتصادية المتعلقة به مباشرة مثل النقل والصناعات التقليدية والخدمات، ليصاب النشاط بالشلل التام في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2021 حيث تغلق معظم المؤسسات الفندقية أبوابها بسبب ارتفاع الإصابات والإجراءات الصحية المتخذة، وإن اعتبرت وزارة السياحة 2021 عام العودة التدريجية للنشاط السياحي إلا أن المؤسسات في انتظار عام 2022 التي تصفها البداية الفعلية، فإن المهنيين بقطاعي الفندقة ووكالات الأسفار يرون أن الوقت للعودة للانتعاش لن بكون قريباً.

انخفاض في عدد السياح الوافدين

ووصف وزير السياحة الحبيب عمار لـ "اندبندنت عربية" الفترة التي يمر بها قطاع السياحة في تونس بالصعبة جداً، مشيراً إلى أن الوباء تسبب في التوقف الكلي للنشاط السياحي منذ أكثر من سنة، إذ سجل انخفاض في عدد الوافدين بنسبة 78.7 في المئة وتراجعت العائدات السياحية بنسبة 64.5 في المئة، وفي خطوات لدعم المهنيين بالقطاع، تم إصدار جملة من القرارات الحكومية لمساندة العاملين، والمؤسسات السياحية، على غرار تمكين العمّال  بالمؤسسات التي توقفت عن النشاط بصفة مؤقتة كلياً، أو جزئياً، أو المتضرّرة، والأدلاء السياحيين، من منحة استثنائية وظرفية شهرية قدرها 200 دينار (74 دولاراً) طيلة ستة أشهر لكل فرد، كما يقع تنفيذ برنامج تكوين مستمر لفائدة 1250 عاملاً، في القطاع السياحي، المحالين على البطالة الفنية، مع تمكين المنتفعين بهذا البرنامج من منحة قدرها 300 دينار تونسي (111 دولاراً).

جدولة الديون

أضاف الوزير عمار أن الدولة تكفلت بمساهمات الأعراف (أصحاب المؤسسات السياحية) للثلاثية الرابعة لعام 2020، والأولى، والثانية، لعام 2021، وجدولة أصل الدين المتعلق بمساهمات صندوق الضمان الاجتماعي، إلى حدود الثلاثيّة الثالثة لعام 2020، إضافة إلى الإعفاء من خطايا التأخير عند استكمال خلاص أصل الدين، مع اعتبار خلاص القسط الأول كتسبقة، وتم تعليق إجراءات التتبع والتنفيذ في حق كل مؤسّسة سياحية تتولى احترام روزنامة هذه الجدولة.

ووقع إعفاء وكالات الأسفار من معلوم المساهمة في صندوق تنمية القدرة التنافسية في قطاع السياحة البالغ دينارين (0.74 دولار) على المقعد الواحد بعربات النقل السياحي، لمدة ستة أشهر انطلاقاً من يناير (كانون الثاني) 2021.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ما يتعلق بالصناعات التقليدية، التي تسير بالتوازي مع النشاط السياحي، ذكر وزير السياحة أنه تم التمديد في آلية الترفيع في دعم خط تمويل المال المتداول لفائدة حرفيّي الصناعات التقليديّة إلى عام 2021، وقد تم تمكين، أكثر من 700 حرفي من قروض ميسرة بمبلغ إجمالي 2.7 مليار دينار تونسي (مليار دولار).

وسيتم خلال الأيام القليلة المقبلة، تمكين 700 حرفي آخرين من قروض بمبلغ إجمالي قدره 2.8 مليار دينار تونسي (1.07 مليار دولار)، وخلال أوائل مايو (أيار) 2021 سيتم إسناد بقية القروض، وبذلك إسناد كامل المبلغ المخصص لحرفيي الصناعات التقليدية وهو 10 مليارات دينار تونسي (3.7 مليار دولار).

استقبال أولى الرحلات السياحية من روسيا

وأكد الحبيب عمار أنه على الرغم من الصعوبات التي تمر بها السياحة في تونس، فإن الطلب على الوجهة التونسية لا يزال قائماً، ومتعهدو الرحلات العالمية أكدوا رغبتهم في برمجة رحلات سياحية على الوجهة التونسية، وقال إنه تم استقبال أولى الرحلات السياحية غير المنتظمة والآتية من روسيا البيضاء في مطار جربة جرجيس الدولي، الجمعة 30 أبريل (نيسان) 2021 وعلى متنها 120 سائحاً روسياً".

أضاف، "ستتواصل الرحلات السياحية خلال الفترة المقبلة بنسق تدريجي وفي احترام كامل للبروتوكول الصحي، حفاظاً على سلامة التونسيين وكذلك السياح الوافدين"، مضيفاً أن المعيار الأهم لعودة السياحة يبقى في تحسن الأوضاع الصحية، لا سيما مع انطلاق عمليات التلقيح في العالم وفي بلادنا، ومع وجود بروتوكول صحي، ونأمل في أن يعود النشاط السياحي والرحلات على المستوى العالمي، وسيكون له انعكاس إيجابي على السياحة التونسية ونحن كلنا ثقة بأن الحجوزات سترتفع شيئاً فشيئاً مع انقشاع هذه الجائحة.

2022 عام العودة الفعلية

وعبر الوزير عمار عن يقينه بأن عام 2021 سيكون عام العودة التدريجية للنشاط السياحي، في حين أن عام 2022 سيكون البداية الفعلية لعودة القطاع إلى سالف نشاطه، بالنظر إلى علاقات تونس المهنية الممتازة مع كبار متعهدي الرحلات في العالم.

إغلاق 90 في المئة من الفنادق أبوابها

في المقابل، لم تعرب درة ميلاد رئيسة الجامعة التونسية للفنادق عن تفاؤلها من واقع السياحة في تونس، واعتبرت أن القطاع يمر بأصعب فتراته وزادته الأزمة السياسية في البلاد تعقيداً، إضافة إلى مشكلاته الهيكلية السابقة لأزمة كورونا، وقالت إن القطاع  يسهم بشكل كبير جداً في تنشيط الحركة الاقتصادية في البلاد، لأنه محرك لأنشطة اقتصادية أخرى، لها به علاقة قوية، وهي الفلاحة، والصناعات الغذائية، والتقليدية، والنقل، وكثير من الحرف والمهن الصغرى، لذلك، فإن شلل النشاط الفندقي أثر بشكل مباشر في حركة الإنتاج الاقتصادي برمته، وهو أمر طبيعي بحكم أن مساهمة القطاع السياحي بالناتج  القومي الخام تقارب 14 في المئة.

ويعيش القطاع أزمة خانقة لم يعرفها في تاريخه منذ سنة وفق درة ميلاد، ما أدى الى أزمة خنقت القطاع تكاد تعصف بالاستقرار الاجتماعي، إذ بلغت نسبة الفنادق على المستوى الوطني التي أغلقت أبوابها 90 في المئة، بينما شهدت بعض المناطق السياحية نسب إغلاق بلغت 95 في المئة، أما الخمسة في المئة المتبقية، فهي لا تعمل بشكل عادي، وهي خالية تقريباً من الوافدين، وهذه النسب المفزعة تعطي فكرة عن حجم الخسائر التي يعيشها القطاع، فقد بلغت نسبة التراجع في عدد الليالي المقضاة 80 في المئة، ما أدى إلى  تراجع في نسبة المداخيل بالعملات الأجنبية تجاوز 64 في المئة عام 2021، بحسب تقديرات البنك المركزي التونسي.

دوامة الاقتراض

ونفت رئيسة الجامعة التونسية للفنادق ما تم تداوله حول تسريح العمال، وقالت إن ما حدث هو عدم انتداب عمال جدد، أما العدد الضئيل من العمال الذين تم تسريحهم فقد تم وفق رغبتهم، وانتقدت التعامل الحكومي مع الأزمة، وقالت، "أصحاب الفنادق بذلوا مجهوداً كبيراً للاستمرار، إلى جانب الالتزامات الاجتماعية والبنكية الأخرى من دون الحصول على تعويضات أو مساهمات حكومية، في وقت أصبحت كل ست عائلات من بين 10 عائلات يعمل عائلها في القطاع الفندقي مهددة بالانحدار إلى تحت خط الفقر".

شبح السنة السياحية البيضاء

وطالبت ميلاد بالمحافظة على القطاع المهدد بالانهيار، معتبرة أن الحكومة تركت أصحاب المؤسسات السياحية يواجهون مصيرهم بمفردهم، أمام المسؤولية الاجتماعية، ولم تجد غير تشجيعهم على الاقتراض، الأمر الذي سيؤدي بالجميع إلى الإفلاس، والحال أن الوضع ينبئ بسنة سياحية بيضاء أخرى، بينما لا تكفي الإجراءات الاجتماعية التي اتخذتها الحكومة، وينتهي أجلها في يونيو (حزيران) 2021، إلى جانب كونها لا تفي بالحاجة، وختمت متوقعة "ألا يكون الموسم الحالي أفضل من السابق"، ودعت  الحكومة إلى تمديد آجال الإجراءات الاجتماعية، وتوفير حلول عملية وملموسة من أجل دعم الاستثمار في القطاع السياحي.

خسائر وكالات الأسفار

وتجد وكالات الأسفار في تونس نفسها في قلب الأزمة، وكشف جابر بن عطوش، رئيس الجامعة التونسية لوكالات الأسفار والسياحة عن أن المؤسسات الناشطة في القطاع السياحي هي حالياً، على عتبة الإفلاس، باعتبار أن النشاط قد توقف بصفة شبه كلية، ولا توجد مداخيل لمواجهة المصاريف، كما يعاني قطاع وكالات الأسفار المختصة في السياحة الخارجية والعمرة من مشكلات كبرى وخصوصاً منها إرجاع أموال المسافرين، الذين ينتظرون منذ بداية الأزمة عودة النشاط من أجل استئناف رحلاتهم، وقد تراجع نشاط الوكالات لأكثر من 90 في المئة، كما تراجع  قطاع النقل الجوي منذ بداية الأزمة إلى يومنا هذا بنسبة تفوق 90 في المئة.

إغلاقات مستمرة

وأدت الخسائر المسجلة إلى إغلاق أكثر من 50 في المئة من وكالات الأسفار سواء بصفة كلية أو جزئية، وتقدر الجامعة هذه الخسائر بحوالى ملياري دينار تونسي (740 مليون دولار)، لأكثر من 1300 وكالة أسفار، علماً أنها تشغل أكثر من 20 ألف عامل وموظف، وتشمل هذه الخسائر أجرة الموظفين لمدة سنة أو أكثر، ومصارف التسيير والإيجار المالي والالتزامات المحمولة على الوكالات تجاه الدولة، من أعباء جبائية واجتماعية ومالية وخلاص الإيجارات.

تسريح أكثر من 45 في المئة من العاملين

ووقع تسريح أكثر من 45 في المئة من العمال بالوكالات، في حين سرّحت أكثر من 68 في المئة من وكالات الأسفار عدداً كبير من موظفيها، وهي نسبة مرشحة إلى التفاقم إذا لم يستأنف القطاع نشاطه، وقد يترتب عنه إفلاس ما تبقى من الوكالات التي استنفذت كل مواردها ومدخراتها المالية، والقروض التي تحصلت عليها، وقد تعصف بالقطاع إذا لم يعد النشاط السياحي في أقرب الآجال.

يذكر أن الدولة أسهمت بمنحة اجتماعية لفائدة العمال وقدرها 200 دينار شهرياً (74 دولاراً) لكل عامل، لمدة ستة أشهر من يناير (كانون الثاني) إلى يونيو 2021، شملت تقريباً 1200 عامل، وتحصلت 97 وكالة أسفار من جملة 1300 وكالة على قروض بمبلغ 22 مليار دينار تونسي (8.14 مليار دولار)، وفي المقابل، اعتمدت 50 في المئة من الوكالات على مواردها الذاتية، و27 في المئة، اعتمدت على قروض من البنوك أو بضمان الدولة، في حين استنفذت 23 في المئة من الوكالات احتياطاتها المالية.

التلقيح عماد العودة

ويرى جابر بن عطوش أن الحل الوحيد هو عودة النشاط إلى سالف عهده، وفي انتظار هذه العودة، يجب إعطاء الأولوية لتلقيح العاملين في هذا القطاع، ويتوجب أن تشمل أولوية التلقيح الناشطين بالنقل الجوي والعاملين في المطارات والنقل السياحي، والعاملين بالفنادق، والأدلاء السياحيين، والعاملين بالمطاعم السياحية، والصناعات التقليدية، ويبلغ عددهم قرابة 100 ألف شخص، كما طالب رئيس الجامعة سنّ التشريعات اللازمة لوقف التتبعات العدلية والجبائية وإعفاء هذه المؤسسات من تحمل الأعباء الاجتماعية والجبائية الى حين توقف هذه الجائحة.

البلدان المنافسة

واعتبر رئيس جامعة وكالات الأسفار، أن متعهدي الرحلات في العالم يقومون بالاختيار في الأسواق التقليدية، بالاعتماد على مدى توافر الأمن الصحي حالياً، وتمثل نسبة التلقيح أهم معيار لديها في هذه الأسواق، وهو ما تركز عليه البلدان المنافسة لتونس في البحر الأبيض المتوسط، لا سيما تركيا، ومصر، واليونان، وإسبانيا، ومالطا، والمغرب، وقد أولت هذه الدول العاملين بالقطاع السياحي الأولوية في التلقيح. الأمر الذي لم تنتهجه تونس.

لعبت الدبلوماسية دوراً مركزياً في استئناف الرحلات، وعلى الدبلوماسية التونسية أن تلعب دوراً مهماً في جذب الأسواق إلى الوجهة التونسية، خصوصاً السوق الروسية وأوروبا الشرقية.