Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الهلالية" سيرة أبدعتها المرأة سردا وغناها الرجال شعرا

أكثر من ثلثي قصصها جاء بأسماء نسوية وأبرزهن خضرة أم أبي زيد الهلالي

لوحة تمثل أجواء "السيرة الهلالية" (الهيئة العامة للكتاب)

ارتبطت المرأة بكثير من الفنون الشعبية التي أبدعتها مخيلتها بعيداً عن الرجال، والأمثلة حول ذلك كثيرة مثل "ألف ليلة وليلة"، وأغاني المناسبات في الأفراح والأتراح، والحجيج، والمهد، والأغاني التي تؤدى أثناء طقوس عمل المرأة، سواء الطحن بالرحى، وخض اللبن بالقِربة ومراحل صناعة الخبز.

وفي السير الشعبية العربية التي يصل عددها إلى عشر، بحسبما وصل إلينا، للمرأة دور كبير جداً في الأحداث، يعكس فاعليتها في المجتمع وصناعة التاريخ وقيادة الجيوش. فحتى عنترة الذي تصفه سيرته بأنه فارس "ألفي"، أي بإمكانه أن يقاتل ألف فارس وحده دون أن يُهزَم، يقف عاجزاً في بعض معاركه أمام سيدات تستمر مبارزته لهن لأيام، فلا ينجح في الانتصار عليهن سوى بالحيلة.

وهناك سيرة باسم امرأة تعرف بأنها أطول السير الشعبية على الإطلاق وتقع في 26 ألف صفحة موجودة في مكتبة برلين، وهي سيرة الأميرة ذات الهمة. ويظهر دور المرأة جلياً في السيرة الهلالية، وهو ما يثبته محمد حسن عبدالحافظ في كتابه "سيميائية السيرة الهلالية" (معهد الشارقة للتراث)، والذي يناقش هذه السيرة من منظور جديد عبر منهج حداثي، مقدماً رؤية تغاير ما هو شائع حولها. فما هو معروف عن السيرة الهلالية أنها فن خاص بالرجال، وقد تسيَّد المؤدون الرجال رواية السيرة الهلالية من دون أن يكون هناك مكان للمرأة في هذا المجال.

إلا أنه عكس هذا الشائع، فإن المرأة أيضاً كان لها دور في هذا المضمار، فقد روت امرأة السيرة الهلالية. وتدعى رتيبة فرغلي، وهي مولودة في قرية أبو تيج في محافظة أسيوط في صعيد مصر، وقام محمد حسن عبد الحافظ بتوثيق أدائها تصويراً وكتابة.

سيرة نسوية

يرى عبد الحافظ أن "سيرة بني هلال" هي حكاية من خلق النساء وإبداعهن كحال "ألف ليلة وليلة"، وتحتل النساء بطولة المشاهد المركزية فيها على نحو فريد لا نظير له في التراث العربي برمته، سوى ما هو موجود في حكايات "ألف ليلة وليلة". بينما اقتصر دور الرجال على حراسة "السيرة الهلالية" وروايتها وتأديتها على نحو أتاح لهم حرية صياغتها في أشكال شعرية بعيداً عن السرد النسوي، فقد كان معنى السيرة من خيال المرأة فيما احتكر الرجال ألفاظها على الطريقة التي تناسبهم. فقد قاموا بتحويل أشكال السردية النسوية للسيرة بما فيها من العديد- فن شعري خاص بنساء يرثين فيه المتوفى- إلى أشكال شعرية تتعلق بالرجال. فمنهم من روى السيرة على شكل حداء الإبل، أو عن طريق الزجل، أو عبر الموال بصورة المختلفة. فقد حول الشعراء مسار "السيرة الهلالية" من السرد القصصي الذي يشبه حكايات "ألف ليلة وليلة" إلى السرد الشعري.

وتحفل النصوص المدونة لـ"السيرة الهلالية" بشخصيات أنثوية لا تذكرها المرويات الشفهية التي سيطر عليها الرجال. فأكثر من ثلثي القصص الموجودة في السيرة المطبوعة جاءت بأسماء نسوية مثل: قصي الخضرا أم زيد، قصة شما وزهرة البان، قصة الملكة خرما، قصة زين الدار، قصة الست عدلا، قصة نرجس الروض، قصة الست لميا، قصة الملكة شمس...

ويشير عبد الحافظ إلى أن الرواة الشعبيين لـ"السيرة الهلالية" عبر حقبة طويلة عملوا على الإيهام بالسيطرة على خطاب السيرة. لكن الفحص المتأني يكشف أنهم لم ينجحوا سوى في إبداع منظومات متعددة من الأداء المتقن دون أن يعني ذلك طمس العلامات السردية المتصلة بحس النساء الذي أبدع هذه السيرة قبل أن يحتكرها الرجال لأنفسهم. فهيمنة الأداء الذكوري لم تستطع وأد حس المرأة وإبداعها السردي الذي أسهم في خلق جماليات السيرة الهلالية.

المرأة البطل

تحمل المرأة داخل السيرة دور البطولة بداية من خضرة أم "أبو زيد الهلالي" برحلتها إلى بلاد العلامات، حيث تتأزم الأمور معها حين تنجب ولداً أسود فتُتَهم في شرفها، فترحل عن القبيلة مع ولدها مطرودة، حتى تصل الأحداث إلى إثبات براءتها عودتها مكرمة مع ابنها الذي أصبح فارساً مغواراً، لتتسلم "الجازية" راية قيادة السيرة، بما أنه كان لها ثلث المشورة. فلا يقدم القوم على أمر من دون أخذ رأيها لما تتمتع به من حكمة. كما أنها الشخصية الوحيدة في "السيرة الهلالية" التي ترد حادثة موتها، سواء في النصوص المدوّنة أو في الخطابات الشفهية. وتحظى هذه الشخصية في كل روايات السيرة، سواء في مصر أو تونس أو ليبيا أو الجزائر أو موريتانيا، بمكانة كبيرة ومحبوبة من الجميع على عكس شخصيات أخرى. فدياب بن غانم هو بطل السيرة في بعض الروايات الشفهية في جنوب مصر، بينما أبو زيد هو البطل الضد، كما أن بطلها في تونس هو الزناتي خليفة، وفي مصر هو أبو زيد الهلالي....

ويرفض الكتاب فكرة القول بأن "سيد الضوي" هو آخر رواة السيرة الهلالية، في مصر، وفق ما روج له أحد كبار شعراء العامية، "حتى يربط السيرة الهلالية به شخصياً". فسيد الضوي يمكن وصفه بأنه آخر شعراء السيرة الهلالية في جيله. فهناك كثير من شعرائها الأحياء، بعضهم في العشرينيات من عمرهم. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى دور والدة سيد الضوي، الجنوبي النشأة، في تكوينه الفني وإجادته رواية "السيرة الهلالية" إذ كانت تحرص على التأكد باستمرار من حفظه لها، وتعنفه إذا أخطأ.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأسهمت وسائل التواصل الحديثة في توسيع دائرة جمهور "السيرة الهلالية"، كما أنها عملت على حفظها من الضياع أو الاندثار. وتختلف درجات تلقي السيرة الهلالية بحسب طبيعة كل وسيط تنقل عبره. فـ"السيرة الهلالية" هي من فنون الفُرجة؛ مثلها مثل المسرح، يكون التواصل فيها مباشراً مع الجمهور ويتشارك فيها الراوي مع مستمعيه عملية الإبداع. ورواتها هم شعراء ومغنون وموسيقيون وممثلون وراقصون، وبعضهم يحصل على درجة "ريس"، وهي تعني إتقان المؤدي لتلك الفنون في روايته للسيرة. لكن وسائل التواصل الحديثة مثل "يوتيوب"، عملت على إنعاش السيرة الهلالية وأصبحت طريقة التلقي لها مختلفة عبر التعليقات التي يدونها المشاهدون أسفل مقاطعها.

سيرة واقعية

وتعد "السيرة الهلالية" من أكثر السير الشعبية أو الأعمال الإبداعية الشعبية واقعية في أحداثها، وقد تكون العمل الشعبي الوحيد الذي لا ينتهي نهاية سعيدة لأبطاله كما هو معروف في الحكايات. فقد يلخصها المثل الشائع: "كأنك يا أبو زيد ما غزيت"؛ تلك المقولة التي يتلقاها الرواة بريبة شديدة. فالرواة يعملون طوال الوقت على جعل السيرة حية، لذا فإنهم بعد وفاة أبطالها "أبو زيد، ودياب بن غانم، والزناتي خليفة، وحسن بن سرحان"، يجعلون أبناء هؤلاء الأبطال يكملون المسيرة عبر ما يعرف بحلقة الأيتام التي ترعاها "الجازية".

وفي الختام، فإن كتاب "سيميائية السيرة الهلالية"، درس تلك السيرة كنص أدبي بواسطة نظرية حديثة نجح من خلالها في الخروج بنتائج جديدة حول السيرة، كان يصعب على المناهج التقليدية بلوغها. فقد تعامل عبد الحافظ مع السيرة بكونها من فنون الفرجة، ملاحظاً العلاقة بين الراوي والمتلقي، واتصالية الشفهي والمكتوب وما بعد المكتوب. كما عمل على دراسة السرد بأنواعه المختلفة مثل مناقشة سرديات "السيرة الهلالية" وأسئلة الجنوسة، والصراع بين الأنواع الشعرية داخلها، والطبيعة السردية للشخصيات النسوية. واعتبرها ضمن ما يعرف بالأدب الرحلي، كما سلط الضوء على التقنيات الأدبية للسيرة، وكيف وظف الخيال الشعبي الأحلام والطقوس في خدمة حبكة السيرة ككل.

المزيد من ثقافة