Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كآبة الأطفال واقع تحمله شاشات "سناب شات" ومواقع السوشيال ميديا

العائلة مطالبة بالعمل على استبدال الشاشات بالحب والارتباط العاطفي 

ثمة دراسات متكاثرة عن التأثيرات النفسية السلبية للشاشات الرقمية في التطور العاطفي والعقلي للأطفال (أ ف ب)

في الآونة الأخيرة، اهتم جمهور عربي واسع بنقاش مسألة العلاقة بين "سناب شات" وحدوث الكآبة لدى الأطفال. وصعد ذلك النقاش بعد تناقل وسائل الإعلام مصطلح "كآبة سناب شات" Snapchat Depression، مع الإشارة إلى أنها وردت حديثاً في دراسات غربية عدة.

ربما يهزّ البعض رأسه مستغرباً، لكن يجب أخذ الموضوع بجدية كبيرة ومناسبة لمدى حساسيته. صحيح أن زمن "وباء الأخبار الكاذبة" ولّد نوعاً من خلط القمح مع الزؤان، لكن المسألة لها أهميتها الفعلية. والأرجح أن هناك جمهوراً عربياً واسعاً لم يتقبل حتى الآن مفهوم المرض النفسي، بل إن وصمة المرض النفسي ما زالت من المشكلات الأساسية في علاجه عربياً. واستطراداً، تبدو مسألة القول بحدوث كآبة لدى الأطفال، ثم نسبتها إلى أحد وسائط التواصل الاجتماعي كـ"سناب شات"، كأنها خبر يأتي من كوكب آخر!

قبل الحديث مباشرة عن كآبة الأطفال المتصلة بـ"سناب شات" وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، ربما يجدر الرجوع خطوة إلى الوراء، والحديث عن ظاهرة جرى رصدها بوضوح لدى جمهور الـ"سوشيال ميديا".

توضيحاً، يتعلق الأمر باضطراب نفسي حديث سار إلى الانتشار بالترافق في صفوف الجمهور الواسع، بمن في ذلك الشباب واليافعون والأطفال، لا يتردد الأطباء في تسميته "سناب شات ديسمورفيا" Snapchat Dysmorphia. ويعني المصطلح حرفياً التألم من الشكل الخارجي بسبب "سناب شات". ويعني ذلك رفض صورة الجمال الجسدي الذاتي، وعدم تقبّله نفسياً والشعور بمعاناة مؤلمة بسبب ذلك.

ويشير المصطلح أيضاً إلى الإصرار على عدم الرضا عن شكل الجسم، خصوصاً الوجه، في صور الـ"سيلفي" وغيرها، مع الإلحاح على إدخال تعديلات عليها كي تصبح الصورة "جميلة". ينطبق ذلك على الشباب والإناث واليافعين، لكنه يشمل الأطفال أيضاً. وربما الأهم بالنسبة إلى الطفل، أن تكون صورته المتداولة على "سناب شات"، جميلة في أعين العائلة والأصدقاء، وأن يحصل بواسطتها على "مكافأة" أو بالأحرى إرضاء وإشباع نفسي، سواء كان في الوعي المباشر أو في اللاوعي المتغلغل في أعماق النفس.

أعراض اكتئاب الطفل ومسألة الارتباط العاطفي

يعتبر الإشباع والطمأنينة أمرين أساسيين في نفسية الطفل، بل يتفاعل معهما عاطفياً باعتبارهما جزءًا من حب المحيط له، خصوصاً الأم والأب ومن تكون علاقته العاطفية معه قوية كالعم أو الخال. ومع "سناب شات"، يحدث تنافس مضمر بين الطفل وصور أقرانه ومن هم في عمره، تصل إلى خليوي الطفل أو أبويه والأفراد الذين يتعلق بهم. واستطراداً، يشكّل أولئك الأخيرون "الحلقة العاطفية" للطفل، وتشمل الأبوين، أو من هم في منزلتهم عاطفياً بالنسبة إلى الطفل، الذين يجسّدون الأساس أو النموذج الذي يُبنى عليه مجمل التركيب العاطفي والنفسي للطفل. 

واستكمالاً، لا يهم أن تكون تلك الصور المنافسة من المحيط القريب للطفل. وحتى لو جاءت صورة من "آخر الدنيا"، فسيتنبّه الطفل إلى ردود أفعال تلك "الحلقة العاطفية" التي يوليها الأهمية القصوى. 

الأرجح أن كثيراً من الأهل لا يتنبّهون إلى تلك المسألة. ولعلها تفاقمت أيضاً مع إغلاقات كورونا، إذ يؤدي الوجود المستمر لأفراد العائلة مع بعضهم بعضاً، إلى زيادة الشحنة العاطفية في علاقاتهم، سواء كانت سلبية أو أيجابية. ويتفاعل كل حدث باستمرار، بل يرتبط بتفاصيل الحياة اليومية ومكوناتها. 

وبقول آخر، ثمة دائرة مغلقة تتغذى باستمرار من الوجود القريب والمستمر بين أفراد العائلة. وفي المنحى الإيجابي، ربما تعزز تلك الدائرة المغلقة المشاعر الإيجابية بصورة مذهلة، كأن يعوّض الأب عن غيابه التقليدي أو تجد الأم وقتاً أطول لمشاركة الطفل في ألعابه وقصصه وحكاياته وأفكاره. وإذا سارت الأمور عكس ذلك، تصبح كل نظرة ونبرة وطلب ونهي، كناية عن تذكير بالشحنات السلبية في العلاقات العاطفية بين أفراد الأسرة.

إذاً، إنها مرّة أخرى ما يعرفه علم النفس جيداً، عن الحاجة المذهلة للطفل إلى الحب والإشباع العاطفي، خصوصاً من الأبوين [مع مكانة خاصة معروفة للأم]، وكذلك من "الحلقة العاطفية" المحيطة به. وبمسمّيات علم النفس، توصف علاقة الطفل مع الوالدين بأنها "ارتباط" عاطفي [تكراراً، مع خصوصية عالية تحوزها الأم]، وهي النواة التي تستند إليها عواطف الحب والمحبة والتعاطف والحميمية وسواها.

ومنذ خمسينيات القرن العشرين، لم يعُد ذلك المستوى العاطفي النوعي من العلاقات في العائلة، مجرد تفكير وإدراك من قبل المتخصصين في الطفولة وعوالمها النفسية، بل دخل في دائرة البحوث العلمية وإحصاءاتها، تحديداً مع عمل الاختصاصي النفسي الأميركي الشهير جون بولبي. وآنذاك وضع بولبي مؤلفاً مشهوراً بعنوان "الحرمان العاطفي الأمومي" Maternal Deprivation. وثمة أعمال كثيرة في ذلك المضمار، ربما أشهرها لدى الجمهور العربي هو مؤلف الدكتور سبوك عن تربية الأطفال. 

وتتصل تلك الأمور بالكآبة بطريقة ربما لا تبدو بديهية. ومنذ أعمال بولبي، الذي استند كثيراً إلى مقولات مدرسة التحليل النفسي التي أرساها سيغموند فرويد، يعرف المتخصصون النفسيون جيداً أن الحرمان العاطفي لدى الطفل يشكّل عنصراً أساسياً في ظهور الكآبة لدى الكبار. 

ومع تعمّق البحوث في رصد الكآبة ومجرياتها وعلاقاتها مع الأوضاع العاطفية للطفل، خصوصاً أعمال المحللة النفسية الشهيرة ميلاني كلاين التي اهتمت أساساً بالبنية العاطفية لدى الأنثى، وتبيّن لها في سياق ذلك أن الأطفال أنفسهم ليسوا بعيدين من معاناة الكآبة أيضاً. وفي تلك الأعمال، جرى التشديد على الدور الكبير للأب في البناء العاطفي الأساسي للطفل، حتى إلى حدود أبعد مما ذهب إليه فرويد وتلامذته.

ربما يؤشر إلى ذلك بوضوح أنه في تسعينيات القرن العشرين، وضع أحد أبرز المتخصصين في الكآبة وعلاجها آنذاك، بل إنه مبتكر أسلوب العلاج النفسي السلوكي - المعرفي، هو الاختصاصي البريطاني مايكل روتر، كتاباً عن الكآبة حمل عنواناً فائق الدلالة هو "زيارة جديدة إلى الحرمان الأمومي" Maternal Deprivation Revisited. ومن الواضح مدى عمق العلاقة بين عملَي بولبي وروتر، مع التشديد على أن روتر ابتعد كثيراً عن مجموعة كبيرة من أفكار فرويد، بل مجمل مقاربة مدرسة التحليل النفسي، مركّزاً على دور البُعد السلوكي والمعرفي، إضافة إلى العناصر البيولوجية المباشرة المتعلقة بالدماغ والجينات ونمط الحياة اليومية وغيرها. تالياً، بات كتاب "زيارة جديدة إلى الحرمان الأمومي" معتبراً من المراجع الأساسية في الطب النفسي المعاصر، فثمة ملمحين ربما تجدر استعادتهما في هذه السطور. 

أولاً، يعتبر كتاب روتر من أوائل المؤلفات التي تحدثت بوضوح عن الكآبة عن الأطفال أنفسهم. ورصدت أعراضها لديهم التي تشمل الانطواء القوي والابتعاد عن المشاركة في الفعاليات اليومية التي تجلب له في العادة المرح أو الضحك والحدّة في المزاج وتكرار نوبات الصراخ وسهولة الانفعال العاطفي ونوبات من البكاء قد تحدث من دون سبب واضح أو يكون مسببها الظاهر أقل من حدّتها واستعمال كلمات مؤذية حتى تجاه الأبوين والميل إلى أذى الذات كشدّ الشعر وضرب الرأس بالجدار أو إحداث جروح في الجسم أو غيرها. وتشمل كآبة الأطفال أعراضاً جسدية أشهرها التبوّل الليلي ("سلس البول") والإعراض عن الأكل أو الإفراط فيه أو الشكوى المستمرة من آلام يتضح لاحقاً أن لا أساس بدنياً واضحاً لها، أو تكرار نوبات القيء وأحياناً تعمّدها وغيرها.

 وثانياً، وصف روتر ما يمكن تسميته بالمواصفات التي يفترض أن تحوزها علاقة الارتباط العاطفي عند الطفل، خصوصاً مع الأم/ الأب كي تكون العلاقة مشبعة نفسياً للطفل، وتزوّده بأساس يمكّنه من مواجهة الاضطرابات التي تحدث في مراحل تالية من العمر، خصوصاً تخفيف حدتها كي لا تتحوّل إلى كآبة مرضية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن المستطاع سرد تلك المواصفات على النحو التالي، مع ملاحظة أن الأم تكون هي في الغالب موضع الارتباط العاطفي، ويشاركها الأب بصورة قوية. وأحياناً، يكون هناك أشخاص يؤدون تلك الأدوار في العائلة أو يقتربون من ذلك.

1- أن تكون علاقة دافئة، وتؤدي إلى ارتباط بين الطفل والأم/ الأب، يكون ملموساً ومدركاً من الأبوين، ويتحدث عنه الطفل صراحة.
2- تمتد علاقة الارتباط في العلاقات الاخرى، بل في معظم تفاصيل الحياة اليومية، فتكون مرجعاً معلناً لها.
3- يتّسم الارتباط بتعبير واضح من الطفل خصوصاً، بأنه قريب من الأم/ الأب. ويتصل أيضاً بسلوك يدل على التعلق بذلك الارتباط وإعطائه أولوية على ما عداه.
4- يتوجب أن تحس الأم/ الأب بأنها قادرة على التقاط حتى أبسط التعبيرات العاطفية للطفل. ويفترض بها التجاوب معها.
5- ثمة دور كبير لكثافة التواصل مع الطفل، بما في ذلك كمية الوقت التي تخصص للتفاعل معه.
6- يحدث تبدد أو انخفاض في مشاعر القلق والخوف لدى الطفل بفضل الارتباط العاطفي مع الأم/ الأب.
7- يكون ملحوظاً أن الطفل يلجأ إلى الأم/ الأب للحصول على الراحة وتلبية الحاجات المختلفة. 

ما الخطأ الذي يحدث مع "سناب شات"؟

في تسعينيات القرن العشرين، انتشر اضطراب نفسي مشابه لمشكلتي "سناب شات ديسمورفيا" و"كآبة سناب شات"، تمثّل في معاناة رفض شكل الجسد، خصوصاً عند الإناث (وليس حصرياً عندهن). وآنذاك، أرجع المتخصصون السبب إلى انتشار الإعجاب بصور أجساد عارضات الأزياء (كلوديا شيفر، ناعومي كامبل، سيندي كراوفورد...)، والسعي لامتلاك أجساد شبيهة بأجسادهن. ورافق ذلك انتشار مرض الـ"آنوريكسيا نرفوزا" Anorexia Nervosa الشهير الذي كانت الراحلة الليدي ديانا من أشهر من أُصبن به.

حاضراً، هناك انفجار مذهل في صور الوجه والجسد، فتنتشر بشكل ذريع على مواقع الـ"سوشيال ميديا"، خصوصاً تلك التي تُركّز على تبادل الصور كموقع "سناب شات". ويكفي القول إن ما يزيد على 210 ملايين صورة "سناب"، وفق تعبير هواة ذلك الموقع، يجري تبادلها على "سناب شات" يومياً في 2020. وفي الفصل الثاني من 2019، قبل انتشار كورونا، وصل عدد صور الـ"سناب" إلى 3.5 مليار صورة.

وخارج دائرة الأطفال، ثمة ظاهرة ليست بعيدة الصلة، إذ بات أطباء عيادات التجميل ومستشفياته أخيراً يتداولون مصطلح "سناب شات ديسمورفيا"، في الإشارة إلى أفراد صاروا لا يتحمّلون الفارق بين صورة الوجه في "السيلفي"، وبين شكل الوجه بعد إدخال "تعديلات" مرغوبة عليه، بواسطة برامج تعديل الصور الرقمية المنتشرة في الهواتف الذكية.  

واستطراداً، خضعت ظاهرة "سناب شات ديسمورفيا" إلى تدقيق علمي عبر الدراسة التي أنجزتها مجموعة من الاختصاصيين في جامعة بوسطن الأميركية ترأستها البروفيسورة نيلام فاتشي، في "مجلة جمعية الأطباء الأميركيين" أخيراً. 

وبيّنت أن "شفتين أكثر امتلاءً، وعيوناً بحدقات أكثر اتّساعاً، وأنفاً أصغر" هي الثلاثية التي تطلبها أكثرية المهجوسين بشكل الوجه في "السيلفي"! وتنتشر تلك الظاهرة في الشريحة العمرية بين 20 و40 سنة. وتشمل التدخلات المطلوبة عمليات تجميل متنوعة، واستعمال الحقن بالـ"بوتوكس" وسواها، مع ملاحظة أن المظهر هو الهدف من تلك التدخلات.

إبحث عن إدمان الشاشات!

في منحى فائق الغرابة، أشارت الدراسة عينها إلى بحث أجراه متخصصون أميركيون في جامعتي "روتجرز" و"ستانفورد" الأميركيتين عن صور "السيلفي"، إذ وثّق البحث أن التقاط صور "السيلفي" يجري غالباً بواسطة كاميرا بعيدة من الوجه قرابة ثلاثين سنتيمتراً، فتكون الصور غير دقيقة تماماً، بل يظهر فيها الأنف أكبر بـ30 في المئة مما هو عليه فعليّاً، سواء عند الكبار أو الصغار. 

وفي سياق أكثر ارتباطاً بكآبة "سناب شات"، وجدت دراسة أجرتها "معاهد الصحة الوطنية" في الولايات المتحدة أخيراً، أن الصغار الذين يقضون كثيراً من الوقت يحدّقون في شاشات التلفزيون أو الكمبيوتر، ربما يشعرون بقدر أكبر من الاكتئاب بالمقارنة مع من يمتنعون عن ذلك نهائياً. واستطراداً، يكون الأطفال الذين يشاهدون التلفزيون أو يستخدمون الكمبيوتر باعتدال، هم الأكثر سعادة. 

وتالياً، يوصي كثير من أطباء الأطفال أن يحدّ الآباء من الوقت المسموح فيه لأطفالهم بمشاهدة التلفزيون أو استخدام الكمبيوتر أو الهاتف المحمول، كي يبقى محصوراً ضمن أقل من ساعتين يومياً. ويلاحظ أيضاً أن الإفراط في التحديق بالشاشات يتصل بالسمنة ومشكلات صحية أخرى، وكذلك  يعتقد أنه يعيق النمو المعرفي عند الأطفال.

واستكمالاً، في الدراسة المشار إليها آنفاً، حلل الباحثون بيانات دراسات سابقة تضم أكثر من 125 ألف مشارك، ووجدوا أدلة على أن تقليص وقت التحديق في شاشة التلفزيون أو الكمبيوتر أو الهاتف المحمول يعود بالفائدة على الأطفال والمراهقين، إذ تبيّن أن الصغار الذين يقضون خمس ساعات على الأقل يومياً يحملقون في الشاشات أكثر عرضة للإصابة باكتئاب مرضي بـ80 في المئة بالمقارنة مع أقرانهم ممن لا يشاهدون التلفزيون أو يستخدمون الكمبيوتر.

وعلى الرغم من ذلك، لم يظهر سوى اختلاف بسيط في مخاطر الإصابة بالاكئتاب بين الأطفال من الذين لا يشاهدون التلفزيون أو الكمبيوتر، وبين من يحملقون في الشاشات نحو ساعتين يومياً. ويعني ذلك أن طول مدة التحديق في شاشات الكمبيوتر والخليوي يتصل بمدى خطورة الإصابة بالكآبة المرضية عند الأطفال.

إذاً، إنها رسالة الاعتدال مجدداً، والتفاعل المطلوب بين العائلة والطفل، فلا تحرمه من الكمبيوتر والخليوي، لكنها تتابعه من كثب، ولا تتركه في قبضة الشاشات طوال الوقت!

وكذلك وجدت الدراسة أن الصلة بين التحديق في الشاشات وبين الاكتئاب لم تكن ذات دلالة إحصائية إلا لدى الأطفال دون 14 سنة.

ولم تكن هناك صلة في ما يبدو بين الاكتئاب والمراهقين الأكبر سناً. ولعل ذلك يؤشر إلى تدخّل عناصر أخرى كالقدرات الفكرية والنمو العقلي والمعرفي. ويجدر تذكّر أن أطفال اليوم يتفاعلون مع الشاشات منذ أيامهم الأولى، بل ربما تفاعل آبائهم مع الكمبيوتر والخليوي في وقت مبكر من مراهقتهم.

والأرجح أن ثمة متغيرات في المجتمعات المعاصرة تقتضي التنبه إلى تأثيراتها.

وبشكل عام يبدو أن التعرّض لفترات قليلة للشاشات أمر طيب. فبالمقارنة مع الأطفال الذين لا يشاهدون التلفزيون أو يستخدمون الكمبيوتر على الإطلاق، فإن الأطفال ممن يشاهدون التليفزيون نصف ساعة يومياً كانوا أقل عرضة بـ8 في المئة للإصابة بالاكتئاب، بينما الأطفال الذين يسمح لهم بمشاهدة التلفزيون ساعة يومياً بدوا أقل عرضة لإصابة بتلك المعاناة بنحو 12 في المئة. 

ويصعب اختتام النقاش عن كآبة "سناب شات" عند الأطفال، من دون إعطاء لمحة عن مصطلح التعوّد، بعد أن تبيّن وجود علاقة موثّقة بين كآبة الأطفال والتعلّق بالشاشات والتعوّد على الاستمرار في التحديق بها. وهناك وصمة تمييز تجاه من ينظر إليه باعتباره يعاني من تعوّد [مصطلح ملطف عن الإدمان]، فيما يجدر النظر إلى التعوّد باعتباره مرضاً نفسياً- عصبيّاً له أعراض، كبقية الاضطرابات والأمراض النفسية- العصبية.

ووفق معلومات مختصة عن ظاهرة التعوّد في الموقع الإلكتروني لـ"منظمة الصحة العالمية"، تشمل تلك الظاهرة الأعراض التالية:

1- الشوق الشديد إلى موضوع التعوّد والتوق إليه.
2- مع استمرار العلاقة بموضوع التعوّد، يتزايد المقدار الكمي لذلك الموضوع، بل تزيد القدرة جسدياً ونفسياً على تحمّله بصورة متزايدة منها.
3- عند التوقف عن موضوع التعوّد، تظهر اضطرابات عصبية ونفسية متنوعة. ويسمّى ذلك أحياناً "أعراض الانسحاب". ويشمل ذلك نوبات عصبية وصراخ وبكاء لدى الطفل، عندما تنخفض المدة التي يسمح له فيها بالتحديق في شاشات الكمبيوتر والخليوي.
4- غالباً تجري العودة إلى موضوع التعوّد بوصفها "علاجاً" للأعراض الانسحابية. ويتوقف الطفل عن الصراخ عندما يعاد إليه الخليوي. وفي المقابل، يعتبر ذلك دليلاً على أنه بدأ يدخل في أسر قبضة الشاشات!
5- مع استمرار التعوّد على التحديق في الشاشات، تترسخ تلك العادة بل تصبح أمراً يتكرر كأنه روتين لا مفر منه، بل تصبح مطلباً في حد ذاتها، بغض النظر عما تستخدم فيه.
6- تطغى عادة التناول وضرورة الوصول إلى موضوع التعوّد، على حياة الطفل المصاب بظاهرة التعوّد، بل يعطيها أولوية مطلقة على كل شيء آخر. في ذلك الملمح، تبرز أهمية الارتباط العاطفي الإيجابي بين الطفل والأم/ الأب، إذ يستطيع أن يكون بديلاً عن التحديق بشاشات الخليوي والكمبيوتر.
7- إذا حدث أن خرج الطفل من تعوّد الشاشات لفترة ما، ثم عاد إليها بصورة منضبطة وضمن ما يكون مقبولاً من الأم/ الأب الطفل، فسرعان ما يعود إلى التحديق بالشاشات لمدة ساعات على غرار ما كان يفعل قبل خروجه من ذلك التعوّد.