Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل أصبح التداول السلمي للسلطة السودانية في خطر؟

الانقسام سيد الموقف والاحتقان السياسي في البلاد يهدد التحول الديمقراطي

"حال الاحتقان التي تشهدها الساحة السياسية تحول دون توفير المناخ السياسي الملائم لتحقيق النهضة والتأسيس لسيادة نظام الدولة" (اندبندنت عربية – حسن حامد)

يشهد الواقع السياسي في السودان حالاً من التنافر والاحتقان بين مختلف المكونات السياسية، فلم يعد هناك شركاء وحلفاء متناغمون، سواء داخل الحكومة الانتقالية أو خارجها، وأصبح الانقسام والتشظي، سيد الموقف بسبب التباعد في الرؤى والمواقف السياسية والاقتصادية، ما يجعل التداول السلمي للسلطة في خطر.

لكن، كيف ينظر المراقبون والسياسيون لهذا الواقع المتأزم، وما أسبابه، وتأثيره على عملية التحول الديمقراطي التي من المنتظر أن تتم نهاية الفترة الانتقالية؟

في هذا السياق، أوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة أفريقيا العالمية في الخرطوم، محمد خليفة صديق، أن "حال الاحتقان التي تشهدها الساحة السياسية في البلاد حالياً، تحول دون توفير المناخ السياسي الملائم لتحقيق النهضة والتأسيس لسيادة نظام الدولة، بما يمنع الفساد وطغيان المصالح الضيقة، ومن ثم حماية السيادة الوطنية ووحدة البلاد"، ونوه صديق إلى أن الواقع السياسي يعيش وضعاً يحول دون بلورة الإرادة الوطنية من خلال تحقيق التوافق الوجداني بتعلق السودانيين بغايات وطنية تعبر عن حلم سوداني، لافتاً إلى عدم وجود تكتل وطني متماسك داخلياً كسبيل لتحقيق المصالح الوطنية، يحمل رؤية ورسالة وقيم ومرتكزات وغايات وأهدافاً وسياسات، تسهم في تشكيل العقل الاستراتيجي المركزي للدولة، عبر تطوير آلية لرعاية المسار الاستراتيجي الذي يفضي إلى تحقيق الغايات الوطنية.

ورأى أن المطلوب لضمان التداول السلمي للسلطة المسعى الجاد لترسيخ الحكم الرشيد وسيادة النظام والقانون وبسط العدالة، بحيث لا يكون هناك من هو فوق القانون، وكذلك تحقيق استقرار إنسان السودان، بغض النظر عن دينه أو لونه أو عرقه، ما يؤدي إلى حفظ كرامة وعزة الإنسان، وأمنه الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، فضلاً عن إقامة العدل والمساواة بين أفراد المجتمع كافة من دون تمييز.

الشفافية والمحاسبة

أضاف أستاذ العلوم السياسية في جامعة أفريقيا العالمية في الخرطوم، "مطلوب أيضاً تحقيق مفهوم المواطنة والالتزام بالحقوق الدستورية للمواطن، وسن التشريعات، ووضع النظم الكفيلة بحماية حقوق المواطن وعلى رأسها العدل، وتأمين الحقوق الأساسية والحريات العامة، وضرورة اعتماد المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، إضافة إلى العدالة في الخدمة المدنية والعسكرية، في ما يتصل بالتعيين والتوظيف والترقي والمحاسبة والفصل وشروط الخدمة".

وأشار إلى أهمية دعم حقوق كل الجماعات الإثنية كي تعيش بسلام وتحتفي بتاريخها ولغتها وثقافتها، والعمل على ترقية سلوك الحكومة تجاه المواطن داخل وخارج السودان، وتقوية الولاء وتنمية روح العزة والانتماء، وتعزيز مفهوم الدولة كإطار للعمل السياسي، وبين أن من الضرورات التي تساعد في ترسيخ تداول السلطة سلمياً، الفصل الحقيقي بين سلطات الدولة من أجل سيادة القانون، وضمان استقلالية القضاء، وعدم تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية في عمل القضاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشدد صديق على أهمية قومية القوات المسلحة وقوات الشرطة، وجهاز الأمن والمخابرات الوطني كأجهزة تحمي الدولة ومصالحها الاستراتيجية، وأمن الإنسان السوداني في المقام الأول، ومنع تسخيرها لحماية مصالح ضيقة أو تنظيمات أو أفراد، وكذلك الحال بالنسبة للأجهزة الحكومية والخدمة المدنية بأن تكون قومية التوجه، وشدد أيضاً على أن التداول السلمي للسلطة يتطلب أيضاً تعزيز الشراكة بين السلطة العلمية والسلطة السياسية، بما يضمن صدور السياسات والخطط والقرارات بناءً على سند كافٍ من المعرفة والإبداع، ويوفر في الوقت نفسه المناخ المناسب الذي يمكن أصحاب المعرفة والخبرة من المشاركة، من دون تردد أو خوف من عقاب، ما يضمن بالتالي حشد القوة العلمية للدولة خلف المصالح الوطنية تخطيطاً وقراراً وتنظيماً وتوجيهاً ورقابة.

تحكم واختراق

من جانبه، أشار القيادي في الحزب الشيوعي السوداني صديق فاروق الشيخ، إلى أنه "إذا نظرنا إلى المشهد السياسي في البلاد، فمن المؤكد أن نسأل ما إذا كان بإمكان السلطة الانتقالية الحاكمة الآن أن تقودنا إلى التحول الديمقراطي؟ فالمتابع لما يجري في بلادنا سيكون على قناعة تامة بأن المكون العسكري هو الذي يتحكم في مركز القرار، فضلاً عما يحدث من خروقات للوثيقة الدستورية من وقت لآخر، ناهيك بالسياسات العوجاء المتبعة، لا سيما في الجانب الاقتصاد، فكلها مؤشرات لا تبشر بأن التداول السلمي للسلطة سيكون سهلاً ومتاحاً".

أضاف الشيخ، "في تقديرنا أن السلطة الحالية هي امتداد للرأسمالية الطفيلية التي نجحت في تمرير مخطط الهبوط الناعم من أجل توسيع القاعدة الاجتماعية لتشمل رموز المعارضة السياسية والمسلحة، في حين استبعدت القوى الفاعلة التي قادت الحراك الثوري ضد نظام الرئيس السابق عمر البشير وأطاحته في أبريل (نيسان) 2019، لذلك فإن الحكومة الانتقالية الحالية لن تمهد الطريق أمام عملية التحول الديمقراطي، بل تكرس لإنتاج الأزمة السياسية، بغض النظر عن الأيديولوجية التي تحملها، سواء كانت إسلامية أم علمانية".

وأكد أن ما يجري على الساحة السياسية لن يغير جوهر طبيعة السلطة والصراع في الدولة السودانية، بالتالي، من الصعوبة بمكان أن يحدث انتقال ديمقراطي في البلاد، لكن من المؤكد أن الأزمة ستتعمق، في ظل قيام دائرة صغيرة في السلطة مرتبطة بمصالح أجنبية إقليمية ودولية، بتغيير مشاريع القوانين، وتجيير السلطة لخدمة مصالحها، لافتاً إلى أن استمرار هذا الوضع بهذه الكيفية سيقود البلاد إلى انهيار اقتصادي وأمني.

وأوضح القيادي في الحزب الشيوعي السوداني أن هذه المرحلة تتطلب استيعاب الواقع الذي نعيشه حالياً، وهو أنه ليس هناك من تغيير حدث منذ الثورة الشعبية، فسياسات العهد السابق نفسها ما زالت موجودة، بالتالي لا بد من استبعاد المكون العسكري من معادلات الحكم في السلطة المدنية، وهو صراع لن يكون سهلاً، والعمل على تصحيح المسألة الدستورية بتنقية الوثيقة الحاكمة من العيوب، وإرجاع الحق للقوة الفاعلة في الثورة.

ميثاق وطني

في المقابل، قال القيادي في قوى الحرية والتغيير، بدوي موسى، "صحيح أن الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد، غير مريح بسبب توالي المشكلات والأزمات، فبعد سقوط نظام البشير كان هناك تفاؤل كبير بأن تسير الأوضاع إلى الأفضل، لكن لم تشهد الفترة الانتقالية منذ توقيع الوثيقة الدستورية بين المكونين المدني والعسكري في 17 أغسطس (آب) 2019، أي نوع من الاستقرار والتوافق حتى بين أحزاب الحاضنة السياسية (قوى الحرية والتغيير)، في وقت استمر فيه التشاكس وفقدان الثقة بين أطراف الحكم من العسكريين والمدنيين"، ونوه موسى بأن حال الاحتقان التي تسيطر حالياً على المشهد السياسي على المستويات كافة، سواء من جانب الأحزاب الحاكمة، أو أحزاب المعارضة، تمثل أكبر تهديد للتداول السلمي للسلطة، وهو أمر غير محمود، فمن المهم أن يكون الوصول إلى نظام حكم ديمقراطي مستدام هدف الجميع، وهذا لن يتحقق إلا بإيجاد ميثاق واتفاق وطني جامع يلتف حوله الجميع، لافتاً إلى أن الفترات الانتقالية دائماً ما تكون عقباتها كثيرة، وبخاصة أنها تأتي بعد أنظمة شمولية تكون قد عاثت فساداً ودماراً يصعب إصلاحه خلال سنة أو سنتين.

وأشار إلى أن العبور بالبلاد من مستنقع الخلافات إلى بر الأمان يحتاج إلى التسلح بالإرادة القوية بعيداً عن المصالح، وأن يكون استقرار الوطن هو الغاية، وهذا يستوجب من كل المكونات السياسية في جانبي الحكومة والمعارضة تقديم تنازلات من أجل إنجاز مهام الفترة الانتقالية المتمثلة في معالجة الوضع الاقتصادي، وتحقيق السلام الشامل، وإيجاد سياسة خارجية متوازنة بعيداً عن المحاور، وبناء جيش قومي بقدرات وإمكانات هائلة، فضلاً عن إجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة.

الفترة الانتقالية

وتدير الفترة الانتقالية في السودان شراكة بين المكون العسكري، وقوى الحرية والتغيير التي ساندت الثورة الشعبية التي اندلعت في ديسمبر (كانون الأول) 2018، ضد نظام البشير، وانضمت إليها لاحقاً ما عرفت بحركات الكفاح الثوري (المسلح)، بعد توقيعها اتفاق سلام مع الحكومة السودانية في عاصمة جنوب السودان (جوبا)، في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وأنهى حرباً أهلية نشبت في إقليم دارفور عام 2003، وفي منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، أدت إلى مقتل أكثر من 300 ألف شخص، وتشريد ونزوح أكثر من مليوني فرد.

وتعد مشاركة الحركات المسلحة تطوراً مهماً لجهة أنه أصبح للحكومة حالياً حاضنتان سياسيتان بدلاً من حاضنة واحدة، هما الجبهة الثورية التي تمثل الحركات المسلحة، وقوى الحرية والتغيير، وبموجب اتفاق السلام، أقرت السلطات السودانية تعديل الوثيقة الدستورية لتشمل تمديد المرحلة الانتقالية نحو 14 شهراً، وتضم هياكل السلطة في هذه الفترة الانتقالية ثلاثة مجالس، هي مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، والمجلس التشريعي، لكن الأخير لم يشكل بعد، لذلك فإن مجلسي السيادة والوزراء يجيزان القوانين والاتفاقيات في البلاد.

المزيد من تقارير