Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جان - بول وسيمون في صخب حياتهما على الشاشة الصغيرة

  فيلمان للتلفزة عن "عاشقين" لا يريدان الرحيل عن عالمنا  

سيمون وجان بول على الشاشة الصغيرة في مقهى "فلور" الباريسي (موقع الفيلم)

عام 2006، أنتجت التلفزة الفرنسية وعرضت فيلمان روائيان يتحدث كل منهما على طريقته عن فصول من حياة أشهر كاتبين ومثقفين فرنسيين في القرن العشرين: جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار.

وبهذين العملين الضخمين اللذين بلغت ساعات عرضهما معاً ما يصل إلى أربع ساعات ونصف الساعة، أثبتت الشاشة الصغيرة يومها أن في إمكانها أن تكون ذكية وتبتعد عن التفاهات المعتادة. ولقد قال كثر يومها أنه كان من شأن سارتر وبوفوار أن يطربا لمجرد أن تكون الفكرة قد نُفّذت بصرف النظر عما أثاره العملان من سجالات صاخبة.

"منذ البداية، لم يكن هدفنا تصوير حياة سارتر، ولا إعطاء درس تلفزيوني عنه لمتفرجي هذه الأيام، حتى إن كان واضحاً أن النتيجة ستكون كذلك". قائل هذا الكلام هو الكاتب الفرنسي أنطوان بورنييه الذي كان واحداً من كاتبين عرفا سارتر حقاً - ثانيهما هو ميشال كونتا - وتعاونا معاً، لكتابة سيناريو عنه حوّله السويسري كلود غوريتا إلى العمل الأول الذي نتحدث عنه، وهو فيلم تلفزيوني في حلقتين، عنوانه "زمن الأهواء"، يحاول أن يتتبع مجريات حياة الفيلسوف والكاتب الفرنسي الشهير، بين عام 1958، الذي وقف فيه بقوة ضد الحرب الفرنسية في الجزائر، ما عرّضه للاضطهاد، وعام 1964، الذي أعلن فيه رفضه جائزة "نوبل" الأدبية.

ونعرف أن تلك السنوات كانت عاصفة في حياة جان - بول سارتر، الذي يقوم بدوره في فيلم غوريتا، الممثل دينيس بوداليدس، فيما تؤدي الممثلة الجديدة آن ألفارو دور سيمون دي بوفوار.

في الحي اللاتيني مباشرة

هذا الفيلم الذي أنتجته القناة الثانية في التلفزة الفرنسية، صُوّر القسم الباريسي منه في الصيف السابق، ثم تلا ذلك تصوير مشاهد في هافانا وروما والبندقية، ثم موسكو وهي كلها مدن زارها سارتر ودي بوفوار خلال تلك السنوات.
أما المشاهد الباريسية، فالتُقطت جميعاً في"الحي اللاتيني"، لا سيما إلى جوار جامعة السوربون التي شهدت جزءًا أساسياً من مجد سارتر وتفاعل الطلاب والشبان معه خلال تلك الحقبة.
هذا الفيلم بشقَّيْه يركز أساساً على الجانب المسيّس من حياة سارتر، تمهيداً لتأثيره في ثورات الطلاب التي ستندلع لاحقاً، عام 1968.

ومع هذا، فإن العلاقة المضطربة، التي جعلها الإعلام مثالية بين سارتر ودي بوفوار لن تغيب عن الفيلم، بكل طلعاتها ونزلاتها، خصوصاً أن الكاتبين كانا قريبين من أن يكونا ثنائياً في ذلك الحين.

ومن هنا، كان لا بد من أن يثير هذا الفيلم عواصف سجال كبيرة، وانتقادات، إلا من قبل الذين لن تعجبهم، مبدئياً، فكرة أن يُقدَّم فيلم عن سنوات مجد سارتر، عبر التلفزة التي لم يستسِغها هو إطلاقاً.

سجالات صاخبة

في المقابل، بدأ العمل الثاني الذي تحدث هو الآخرعن حقبة أخرى من حياة سارتر، بإثارة السجالات حتى قبل أن يعرف أحد عنه شيئاً. وهذا الفيلم حمل عنوان "عاشقا مقهى فلور" وكان من إخراج إيلان دوران كوهين... وصوّر بدوره في الحي اللاتيني، تحديداً في مقهى "فلور" الذي كان سارتر ودي بوفوار يرتادانه يومياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

بل يقال إن لقاءهما الأول، كعاشقين، كان فيه. المهم أن الفيلم يهتم، خصوصاً، بالسنوات الأولى من علاقات الكاتبين، ليحوّلها إلى سنوات حب وعاطفة تتّسم بشيء من الرومانطيقية. والحال أن هذا، بالذات، ما أزعج كثراً من الذين يعرفون الكاتبين، لا سيما المؤلفة آن كوهين - سولال، التي نشرت قبل سنوات، سيرة ضخمة لسارتر، اعتبرها كثر موثقة ونهائية. وعندما اطّلعت المؤلفة على مشروع "عاشقا مقهى فلور"، أبدت غضبها، قائلة "الحقيقة إن ما يزعجني في الأمر، هو أن الشريط يعتمد، للحديث عن العلاقة بين الاثنين، على الصورة المثالية الكاذبة التي وصفت بها سيمون علاقتهما".

 

عاشقان في مقهى

فهل نحن حقاً، كما حلا للفيلم أن يقول، أمام أجمل حكاية حب في القرن العشرين بين أديبين مفكرين؟ أم هي كما يقول البعض الآخر قصة علاقة قامت على العقل، فكانت أقرب إلى أن تكون تواطؤاً بين مثقفين، أكثر منها "حكاية رومانسية جميلة"؟ ليس من السهل على أحد أن يحدد أو يأتي بالإجابة الحاسمة. ولا حتى فيلم هذا المساء التلفزيوني الذي تعرضه القناة الثالثة الفرنسية التي أنتجته بنفسها وحُقق العام الفائت، ضمن إطار اهتمام تلفزيوني فرنسي مفاجئ بجان بول سارتر، أشرنا إليه في حينه.

إذاً، خلال ثلاث أمسيات عام 2006، عاش جمهور التلفزيون، النخبوي على أية حال، مع سارتر ودي بوفوار، ولكن بخاصة من خلال تلك العلاقة الغريبة بينهما التي دامت منذ لقائهما الأول في الحي اللاتيني في باريس، وحتى رحيل سارتر عام 1980، ومن ثم رحيل سيمون عام 1985. والحال أن ما يحاول الفيلم الثاني بشكل خاص أن يقوله، هو أن العلاقة بين قطبَي الفكر الوجودي"اليساري" إنما كانت علاقة بُنيت على عقد ولذا دامت العلاقة على الرغم من أن كلاً منهما عاش خلالها، علاقات مع آخرين.

ومهما يكن، فإن ما عايشه المشاهد في الفيلم هو السنوات العشرون الأول فقط من العلاقة، إذ إن وقت الفيلم لا يتّسع بالتأكيد لكل تلك العقود التي دامتها.

 

 

ومن ثم أن الجزء العاصف من علاقة جان - بول بسيمون كان خلال النصف الأول من عمر هذه العلاقة، إذ بعد ذلك، هدأت العواصف وهدأ العاشقان وتضاءلت فرص توجيه الأنظار إلى الخارج: صارا أشبه بعجوزين في أغنية حنين قد ينشدها جاك بريل.

بل أكثر من هذا: تحوّل التواطؤ العاطفي والإنساني بينهما إلى تواطؤ سياسي. وخاضا معاً، ثم كل منهما بمفرده وعلى سجيّته، نضالاً فكرياً سياسياً فيما كان العالم يتبدّل وباريس، نفسها تتبدّل وكذلك الحي اللاتيني، وحده مقهى "فلور" الذي اشتهر بكونه المقر "الدائم" لهما، ومكان التقائهما برفاقهما واندلاع السجالات الصاخبة لم يتبدّل في خضم ذلك كله. ومقهى "فلور"، هو، على أية حال، الذي أعار اسمه إلى عنوان الفيلم، "عاشقا مقهى فلور".

ولادات أدبية

غير أن الفيلم لا يطاول فقط العلاقة بين سارتر ودي بوفوار، خلال أعوام الشباب تلك، بل يطلّ - في شكل أساسي أيضاً - على ظروف ولادة عدد من الكتب التي وضعها كل منهما خلال تلك المرحلة.

ويكشف عن أن الاثنين نادراً ما كانا يشتغلان معاً، فكرياً وأدبياً. ففي إطار "العقد" المبرم، عرفياً بينهما، كان لكل منهما عالمه الفكري وأفكاره الخاصة... من دون أن يعني هذا أن العالمين لم يلتقيا، دائماً تقريباً.

ولعل من أكثر الأمثلة فائدة وإثارة للدهشة في هذا الإطار، أن الفيلم يكشف عن كيف أن كتاباً مثل "الجنس الآخر" الذي كان ويبقى أهم كتاب وضعته سيمون دي بوفوار، بل - حتى - أهم كتاب عن القضية النسوية في القرن العشرين، لم يكُن - من ناحيته - وليد فكر عقلاني - سيكولوجي - فلسفي كما يُخيّل إلى معظم الذين قرأوه، بل وليد مرحلة شديدة العاطفية كانت هي في خلفية انبعاثه، حتى إن كانت صياغته أتت في نهاية الأمر علمية – تحريضية.

 

المتغيرة والثابت

مهما يكن، فإن النقاد الذين شاهدوا هذا الفيلم التلفزيوني، أجمعوا على أنه من الناحية المهنية أتى ناجحاً، لا سيما بالنسبة إلى آنا موغلاليس التي أدت بقسط كبير من القدرة على التعبير، حالات سيمون دي بوفوار المتغيرة على مدى السنين مقابل الثبات الظاهر لمزاجية سارتر. غير أن المتفرجين، من ناحية أخرى، أبدوا بعض خيبة الأمل، إزاء اختصارات للأفكار والمواقف عزوها، من ناحية إلى ضعف في السيناريو ومن ناحية ثانية إلى تعسف الزمن التلفزيوني، الذي لا يتناسب مع حياة وأفكار أناس من طراز سارتر لا تكفي لعرض أفكاره ساعات وساعات، ولا من طراز دي بوفوار، التي عاشت حياة مليئة حتى التخمة. غير أن العملين كشفا عن كم أن في إمكان التلفزيون أن يعثر لنفسه وجمهوره على آفاق جديدة وعلى ذكاء متقد يعبّر عنه.

وفي يقيننا أن كل محاولة من هذا النوع كان لا بأس من استقبالها بترحاب.

المزيد من سينما