Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المغرب يعتزم إصلاح نظامه الصحي جراء تداعيات كورونا

يرتكز على تثمين الموارد البشرية ومراجعة القوانين التي تفرض قيودا ومعوقات على استقدام أطباء أجانب

تدهور القطاع الطبي في المغرب يجبر الأطباء على مغادرة البلاد  (أ ف ب)

يشهد القطاع الصحي المغربي تدهوراً كبيراً خلال الأعوام الأخيرة، وتتعدد معوقاته التي أجبرت عدداً من العاملين به على الهجرة للعمل في الخارج، بينها ضعف التجهيزات، والميزانية الحكومية المخصصة للقطاع، الأمر الذي دعا العاهل المغربي خلال عام 2018 إلى ضرورة "إعادة النظر بشكل جذري في النظام الصحي الوطني الذي يعرف تفاوتات صارخة وضعفاً في التدبير".

وتعمل الحكومة المغربية حالياً على إعداد برنامج إصلاحي للنظام الصحي يركز على اعتماد "حكامة جديدة" لتطوير القطاع الصحي، في حين أكد متخصصون أن إصلاح النظام الصحي أصبح أمراً ضرورياً بالنظر للانتقال الديموغرافي؛ الذي يشير إلى أن واحداً من كل 10 مغاربة يزيد عمره حالياً على 60 عاماً، وسيتضاعف هذا الرقم ثلاث مرات في حدود عام 2050، معتبرين أن وجود عدد كبير من كبار السن والأمراض المزمنة يتطلب المزيد من الطلب على الرعاية الصحية والمزيد من النفقات.

أركان الإصلاح

وفي حديثه عن مكونات برنامج الإصلاح، أشار وزير الصحة المغربي خالد آيت الطالب، إلى أنه يرتكز على "تثمين الموارد البشرية، من خلال مراجعة القانون المتعلق بمزاولة مهنة الطب لرفع المعوقات والقيود التي يفرضها على مزاولة الأطباء الأجانب بالمغرب"، مؤكداً أن ذلك سيمكن من فتح الباب أمامهم لمزاولة المهنة وبالشروط نفسها التي يضمنها القانون لنظرائهم المغاربة، إضافة إلى "إحداث وظيفة عمومية صحية عبر مراجعة القانون- الإطار رقم 34.09 المتعلق بالمنظومة الصحية وعرض العلاجات لملاءمة تدبير الرأسمال البشري للقطاع الصحي مع خصوصيات المِهن الصحية، وتحسين جاذبية القطاع وتحفيز العنصر البشري، وإصلاح التكوين في المجال الصحي".

ويشير وزير الصحة إلى أن نظام الإصلاح يضم كذلك تأهيل العرض الصحي عبر تدعيم البعد الجهوي، وإحداث الخريطة الصحية الجهوية، وتنفيذ البرنامج الطبي الجهوي؛ وتأهيل المؤسسات الصحية واعتماد مقاربة جديدة لصيانة البنايات والمعدات الطبية، وإقرار إلزامية احترام مسلك العلاجات، وفتح رأسمال المصحات أمام المستثمرين الأجانب، إضافة إلى "اعتماد حكامة جديدة بالمنظومة الصحية تتوخى تقوية آليات التقنين وضبط عمل الفاعلين وتعزيز الحكامة الاستشفائية والتخطيط الترابي للعرض الصحي، من خلال إحداث هيئات جديدة للتدبير والحكامة بالقطاع الصحي".

الحماية الاجتماعية

وأطلق العاهل المغربي محمد السادس خلال أبريل (نيسان) الماضي نظام تعميم الحماية الاجتماعية للحد من الفقر، وأوضح وزير الاقتصاد والمالية المغربي محمد بنشعبون، في وقت سابق، أن الهدف من المشروع "هو رفع التأثير عن المواطنين دعم القدرة الشرائية للأسر، وحماية الفئات الهشة والفقيرة من مخاطر المرض والشيخوخة وفقدان مصدر الدخل".

وسيتم بحسب النظام الجديد تعميم التأمين الصحي الإجباري على المواطنين، وتعميم التعويضات العائلية، وتوسيع نظام التقاعد، إضافة إلى الاستفادة من التعويض عن فُقدان الوظيفة، الأمر الذي سيُكلف خزينة الدولة ما مجموعه 5.7 مليار دولار، كما يشمل النظام تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرضى خلال عامي 2021 و2022، عبر توسيع نطاق الاستفادة من هذا التأمين ليشمل الفئات الفقيرة المستفيدة من نظام المساعدة الطبية، وفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذين يمارسون نشاطاً خاصاً، حيث سيتمكن 22 مليون مستفيد إضافي من هذا التأمين الذي يغطي تكاليف العلاج والأدوية والاستشفاء.

من جانبه يعتبر رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة علي لطفي، أن "نجاح مظلة التامين الإجباري الأساسي عن المرضى المندرج في إطار تعميم الحماية الاجتماعية لجميع المواطنين، يتطلب القيام بإجراءات مواكبة ذات أهمية قصوى تتعلق أساساً بإصلاح المنظومة الصحية، التي تعرف وتعاني عدة اختلالات لها تأثير سلبي كبير في جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، وهذا ما دفع الأغلبية الساحقة للتوجه نحو القطاع الخاص رغم ارتفاع أسعار خدماته، وبسبب ضعف وتردي الخدمات الصحية بالمستشفيات العمومية أصبح القطاع العام يستقطب فقط الفقراء والمعوزين الذين ليست لهم القدرة على دفع نفقات التشخيص الراديو لوجي والمخبري البيولوجي بالمختبرات والعلاج بالمصحات الخاصة والأدوية لأسعارها المرتفعة".

ويشير لطفي إلى أن نظام الرعاية الصحية في المغرب كان ولا يزال يعاني أزمة مركبة وعدداً من المشاكل المزمنة؛ على مستوى تمويل المنظومة الصحية هناك ضعف التغطية الصحية والميزانية المخصصة سنوياً لقطاع الصحة التي ظلت في حدود 5 في المئة، أي نصف ما تطالب بها منظمة الصحة العالمية، معتبراً أن الدولة كانت تسعى فعلاً إلى تحقيق التنمية المستدامة، كما هو الأمر بالنسبة للموارد البشرية حيث ارتفعت الاحتياجات والمتطلبات إلى 96 ألف إطار صحي: أطباء وممرضين وقابلات وتقنيي الصحة بمختلف أصنافهم وتخصصاتهم، وبالتالي "فالتفكير في جلب أطباء من الخارج يبقى الحل الوحيد والأمثل في الظرف الحالي إلى أن تتمكن بلادنا في خلق كليات الطب والتمريض على أن يتم تعيينهم في المناطق التي تفتقر إليهم، ثم إن هناك مظاهر صارخة لعدم المساواة في الولوج لخدمات الرعاية الصحية، نظراً لوجود فجوة نوعية بين نظام الرعاية الصحية في القطاعين العام والخاص، وهناك تفاوت بين سكان المناطق الحضرية ونظيرتها القروية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 يضيف لطفي، "يبقى السؤال مطروحاً: كيف يمكن لقطاع الصحة العمومية تلبية حاجيات 22 مليون مستفيد مستقبلاً، أي 68 في المئة من المواطنين سيتوفرون على مظلة التأمين الصحي عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في ظل هشاشة وضعف هياكل المنظومة الصحية العمومية؟ فالمستشفيات العمومية جلها إن لم نقل كلها أصبحت مند مدة عاجزة على تلبية طلبات المرضى وتقديم خدمات صحية ذات جودة عالية، وغالباً ما تكون مهددة بالإفلاس بسبب غياب الإمكانيات أو سوء الحكامة والتدبير، وسيكون مرة أخرى القطاع الخاص هو الرابح من العملية، وهنا سنصبح أمام خصخصة غير معلنة لقطاع الصحة".

ويخلص لطفي إلى "كون نجاح مشروع تعميم نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض على جميع المواطنين يتطلب تطويراً وتأهيلاً حقيقياً للمنظومة الصحية الوطنية، بدءاً بتحديد إجراءات التمويل ومصادره القارة، وبتفعيل إجراءات الجهوية الصحية، وتحقيق صحة القرب وصحة المجال والعدالة الصحية عبر توفير الموارد البشرية الكافية وتوزيعها المجالي العادل، ومواكبة القانون- الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية الذي نص على ضرورة إصلاح المنظومة الصحية الوطنية وتأهيلها".

اقتراحات وتوصيات

 وأبدى متخصصون اقتراحات تهدف إلى ضمان إصلاح فعلي للقطاع الصحي، واعتبر الطبيب والباحث المغربي في السياسات والنظم الصحية الطيب حمضي، أن هناك حاجة ملحة لتعزيز وتقوية الموارد المالية والبشرية والتقنية، بالموازاة مع إصلاح المنظومة الصحية، والاهتمام بالمحددات الصحية الأخرى (التغذية، والسكن، ومستوى الدخل، والرياضة، والعمل)".

وأوصى حمضي بضرورة إنشاء مجلس أعلى للصحة من أجل ضمان رؤية استراتيجية وطنية تكون خلاصة نقاش مجتمعي ومتعدد القطاعات، سيمكن من تأطير البرامج المختلفة، وكذلك اعتماد الرعاية الأولية، وطب القرب والعائلة، والتربية الصحية والوقاية، باعتبار أن طب وصحة القرب هما العمود الفقري لأنظمة صحية فعالة ومنصفة، تجمع بين الفعالية والكفاءة والنجاعة، معتبراً أن المغرب الذي به 28 ألف طبيب، يحتاج إلى 32 ألف طبيب آخر، بحسب معايير منظمة الصحة العالمية، بينما يقيم نحو واحد من كل ثلاثة أطباء مغاربة بالخارج".

من جانبها تقترح الباحثة الأميركية المساعدة في معهد بروكينز-الدوحة، أنا جايكوبز في إحدى دراساتها إلى زيادة الإنفاق في المجال الصحي المغربي، مؤكدة أنه "على الرغم من أن الموارد المالية ليست كل شيء، لكنها نقطة انطلاق جيدة لبدء الإصلاحات، فعلى الحكومة زيادة الإنفاق العام والبحث عن المزيد من التمويلات الخارجية للاستثمار في مجال الرعاية الصحية وخدماتها"، مشيرة إلى أن مخطط الصحة 2025، الذي اعتمده المغرب، سلط الضوء على هذا الأمر من خلال اقتراح زيادة الإنفاق، ولكن في ظل أزمة كوفيد 19 يجب رفع هذه الميزانية بقدر أكبر.

 وأكدت الباحثة أنه "رغم زيادة الإنفاق الحكومي المغربي على الرعاية الصحية في السنوات الأخيرة، فإنه لا يزال منخفضاً مقارنة ببلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فاعتباراً من عام 2017، شكلت النفقات الصحية نحو 5 في المئة من الإنفاق الحكومي في المغرب، بينما كان المتوسط العالمي 10 في المئة".

كما أوصت جايكوبز بضرورة تحسين تقديم الخدمة الصحية، معتبرة أن "انعدام الثقة يعد أساس التحديات التي يعرفها القطاع الصحي في المغرب، فالرأي العام غير راضٍ عن الخدمات التي تقدمها مؤسسات الرعاية الصحية، ويعتقد أن أداء قطاع الصحة العمومية ضعيف، وبالتالي فأغلب المغاربة يلجأون في الغالب إلى القطاع الخاص، الذي لا يستطيع كثيرون تحمل تكاليفه".

المزيد من تقارير