Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سعيد من لم يمر بأرتساخ" حكايات الحرب تفجر بكاء ضحايا النزاعات

تحدث عديد من اللاجئين لـ"اندبندنت عربية" عن ناغورنو قرة باغ وشعور فقدان البيت والأرض والعائلة

محررة "اندبندنت عربية" خلال لقاء مديرة نزل بلور الذي خصصته للاجئين (اندبندنت عربية)

تاريخ من الدماء لم ينته بعد، فمن جيل إلى جيل يتواصل نزيف الأرواح ثمناً للعرق والأرض، فما بين الإبادة الجماعية على يد العثمانيين قبل أكثر من مئة عام، وعمليات تهجير وقتل جديدة في إقليم ناغورنو قره باغ، شبه المستقل الواقع بين أرمينيا وأذربيجان، قاست الأجيال المتعاقبة من الشعب الأرمني الحرب والألم والدماء علي يد جيرانهم.

في 27 سبتمبر (أيلول) 2020، اندلعت حرب دموية في ناغورنو قرة باغ كجزء من نزاع دام عقوداً على المنطقة التي يسيطر عليها سكانها الأرمن. ففي العشرينيات من القرن الماضي، أصبحت أرمينيا وأذربيجان جزءاً من الاتحاد السوفياتي الذي أعطى السيطرة على الإقليم للسلطات الأذربيجانية على الرغم من الغالبية العرقية الأرمينية. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي في أواخر الثمانينيات، صوّت البرلمان الإقليمي لناغورنو قرة باغ رسمياً لتصبح جزءاً من أرمينيا.

لم تتوقف التوترات والصدامات العسكرية التي وقعت بين الحين والآخر منذ ذلك الوقت، فكان الصدام الأكبر في النصف الأول من التسعينيات عندما استطاعت القوات الأرمينية السيطرة على الإقليم وانتهى الأمر باتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة روسية في عام 1994. والصيف الماضي، وقعت مناوشات عدة بين الطرفين، أسفرت عن قتال عسكري واسع في سبتمبر عندما هاجمت أذربيجان المنطقة لاستعادة السيطرة عليها.

بعد ستة أسابيع من القتال العنيف الذي قُتل خلاله آلاف المدنيين والجنود، ونزح عدد أكبر من السكان، تم عقد اتفاق سلام بوساطة روسية، احتفظت أذربيجان بموجبه بمناطق قرة باغ التي احتلتها أثناء الحرب الأخيرة، ووافقت أرمينيا على الانسحاب من عدة مناطق أخرى، مع وجود عسكري روسي وتركي على الحدود.

 

 

فيما تعذر الوصول إلى ناغورنو قره باغ أو "أرتساخ" كما يفضل سكانها تسميتها، بسبب الأوضاع الأمنية المضطربة في الإقليم بعد حرب دموية.

التقت "اندبندنت عربية" ببعض العائلات اللاجئة في العاصمة الأرمينية يريفان، لتستمع إلى شهادات مأساة جديدة في بقعة أخرى من العالم تشهد نزاعاً ودماءً جراء الأطماع والطموحات السياسية للجيران من جهة، وجراء الكراهية التي يغذيها الخطاب المتطرف من جهة أخرى.

كمد وبكاء

أمر واحد جمع بين الضحايا الذين اضطروا للفرار من الهجمات الجوية الأذرية المدعومة من تركيا، جميعهم يحتشد بداخلهم كمد يشل ألسنتهم عن قص ما بداخلهم من مرارة وألم، لم يستطع البعض التحدث وآخرون اكتفوا بالبكاء، طلب البعض عدم تصويره رافضين شحذ تعاطف الآخرين، فما بداخلهم من عزة نفس، كان أقوى من صرخة آلام فقدان العائلة والأرض والبيت.

بكلمات متقطعة وصوت يرتجف وذاكرة تتصدع بآلام فقدان الابن والأحفاد والبيت والأرض، روت الجدة نوشيك (67 سنة) الكابوس الذي ابتلع حياتها الأولى الهادئة التي طالما امتلأت بالضحك والدفء، تنعم بحضن الابن والأحفاد في منزل كبير من ثلاثة طوابق وبستان زهور ومزرعة لحيواناتهم.

بين ليلة وضحاها اضطرت الجدة للفرار مع ما تبقى من أفراد عائلتها بعد أن رأوا طائرات الجيش الأذري تقصف المستشفيات والمدارس والمنازل المحيطة، فما كان أمامهم سوى مغادرة بيتهم تاركين خلفهم أرضاً وتاريخاً تمتد جذوره لقرون طويلة حيث عاش أجدادها في قرة باغ.

تقول الجدة "رأينا الانفجار قرب منزلنا، لذلك قررنا المغادرة. لدينا ابنة صغيرة واضطررنا إلى الفرار بها خارج المنطقة بعد أن ذهب والدها وإخوتها إلى الحرب" مضيفة "تركنا كل شيء حتى ملابسنا".

أحد الأقارب اصطحب العائلة في سيارته إلى قرية بعيدة على الحدود حيث تسكن عائلة الأم، معتقداً أنها أكثر أماناً، لكنهم سمعوا أصوات الانفجارات، حيث استمرت الضربات الجوية الأذربيجانية في قصف القرى الأرمينية، فقرروا المغادرة إلى يريفان، بحسب الجدة.

وتوضح نوشيك "كانوا يقصفون ليس فقط أماكن عسكرية بل مدارس. حدث ذلك في مدرسة يوم الأحد، ولحسن الحظ لم يكن هناك طلاب لأنه يوم عطلة. قصفوا المستشفيات والمنازل واستهدفوا كل شيء".

كانت نوشيك تعيش مع زوجها وابنها وزوجته وأحفادها الأربعة، حيث احتفلوا جميعاً ليلة الأحد السادس والعشرين من سبتمبر 2020 بعيد ميلاد حفيدها الأصغر ماهير، الذي أتم الثامنة عشرة من عمره، لكن في الصباح الباكر من الاثنين 27 سبتمبر تلقوا اتصالاً هاتفياً لاستدعاء الابن الأكبر فاسجي (23 سنة)، للعودة إلى خدمته في الجيش، ولم تمر أيام حتى تم استدعاء أخيه دافيد للتجنيد.

تطوع الأب جاريجين (48 سنة)، لينضم إلى الصفوف بعد اشتداد الحرب وقصف القرى الأرمينية ووجود قوات من المرتزقة، الذين دفعت بهم تركيا، للعمل لحساب الجيش الأذري، وهو ما أكدته التقارير الحقوقية وتصريحات المسؤولين الأميركيين. قُتل الأبناء والأب جميعهم في 14 أكتوبر (تشرين الأول) في قصف على منطقة "فيزولي" التي تبعد عن قريتهم حوالى ٨ كيلومترات.

ليليت

رفضت فنيرا (42 سنة) زوجة جاريجين، الحديث إذ ظلت صامتة تبكي في كتمان، تُلقي بعض التوضيحات على حديث الجدة ثم تعود للبكاء.

وفي ركن بعيد جلس الجد إيديك (72 سنة)، لم ينطق بكلمة، اكتفى فقط بالبكاء وإلقاء نظرات خاطفة على صور ابنه وحفيديه، حيث خصصوا لهم طاولة ووروداً أشبه بالنصب التذكاري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبينما الجدة تروي مأساة العائلة، كانت الحفيدة الصغرى ليليت (13 سنة)، تراقب بعينيها الواسعتين وجوه أمها وجدتها وجدها، تنظر إليهم تارة وللأرض تارة أخرى، عندما سألتها عن اسمها ردت بصوت منخفض يكاد لا يُسمع، مع ابتسامة رقيقة تمتزج بجرح لا يناسب عمرها الصغير.

 

لا تشعر ليليت بالانتماء إلى يريفان، فمنذ نعومة أظافرها لم تعرف سوى قرة باغ، تريد العودة إلى مدرستها وزميلاتها هناك، بينما لا تعرف مصيرهم وعما ألم بهم، فربما هناك قصة أكثر مأسوية لدى إحداهن.

تعيش الأسرة حالياً في منزل صغير تدفع الحكومة الأرمينية إيجاره، كما تعيش على مساعدات الحكومة. تتذكر الجدة، التي كانت تعمل محاسبة قبل تقاعدها منذ سنوات، منزلهما الكبير في حدروت وحيواناتهم ومزرعتهم.

تقول "نعلم أن الأذربيجانيين أحرقوا كل شيء لأنهم يقولون إن فراشنا حرام. لم نتخيل مدى قسوة جيراننا، فقد اعتدنا أن نسمع عن شهداء ماتوا في الإبادة الجماعية، والآن نشعر بنفس الشيء على جلدنا. وكأن مصير الأرمن دماء، رأى كل جيل من الشعب الأرمني الحرب والمذابح من جيراننا".

سعيد من لم يمر على أرتساخ

وتضيف "أحب قريتي لأن طبيعتها لا تقارن بشئ... سعيد الشخص الذي لم يكن بأرتساخ". بينما هناك مؤسسات خيرية تقدم مساعدات للاجئين، لكن نوشيك تشعر بالإهانة في الأمر وتقول، "ذهبت مرة، شعرت أنني متشردة، هذا صعب جداً".

تظهر مآسي الحرب على الوجوه التي تبدو أكبر كثيراً من عمرها الحقيقي، فهناك من يصف الألم الذي يلازمه في تفاصيل يومه وفي نومه، وثمة من ظهر الألم في صمتهم. ففي نزل على أطراف يريفان، التقيت عائلات أخرى من اللاجئين ممن لديهم بعض القصص المأساوية الأخرى.

10 عائلات تقيم في نزل "بلور" المملوك لهيرمين، وهي شرطية من يريفان فتحت أبواب فندقها البسيط الذي ورثته عن جدها، مجاناً لـ 130 لاجئاً بعد قصف قراهم.

بعض اللاجئين متقدمون في السن، والبعض الآخر مصاب بمرض عضال، أغلبهم جاء من قرى شوشي وحدروت وأسكيران. مع انتهاء الحرب باتفاق سلام، عاد البعض إلى قراهم التي تسيطر عليها القوات الأرمينية في قرة باغ، بينما فقد آخرون منازلهم إلى الأبد بسبب استمرار وقوع قراهم تحت سيطرة الأذربيجانيين.

تجلس الجدة السبعينية غريتا من حدروت، بابتسامة رقيقة ووجه عجوز ذي ملامح هادئة، قصت لحظات الرعب والخوف وسط حرب قاسية.

تقول "اختبأنا وجيراننا لمدة أربعة أيام في قبو منزلنا مع القليل من الطعام، حيث قصفت القوات الأذربيجانية كل شيء، حتى تم إجلاؤنا... غادرنا من دون أي شيء، تركنا المنزل والحيوانات والملابس وحتى الوثائق الشخصية"، مضيفة "رأيت منزلي يحترق في مقطع فيديو على فيسبوك".

وبكلمات بسيطة لخص فاسكين (55 سنة)، الذي كان يرتدي قناعاً طبياً يختبئ خلفه وجه مكمد، مما عاشه. متوجهاً لي بالحديث باللغة الأرمينية قال "ماذا أقول، هل أحكي لك عن الموت!". يعاني فاسكين من سرطان الدم ويحتاج إلى علاج شهري كلفته 200 ألف درام (385 دولاراً)، لكنه فقد ممتلكاته ودخله بعد أن نزح من قريته. وتقدم الحكومة الأرمينية مساعدات شهرية وبعض العلاج، إلا أنها لا تقدم الأدوية الرئيسة باهظة الثمن.

جلست بجانبه بارتير (55 سنة)، تبكي في صمت آبية أن تتحدث، ومن ثم علمت من مديرة الفندق أنها فقدت في الحرب شقيقيها، ويرقد نجلها الوحيد في غيبوبة منذ أشهر جراء إصابة في الدماغ، ليس ذلك فحسب، فزوجها فقد القدرة على المشي نتيجة إصابة أيضاً في الحرب.

أحلام لن تبدأ

لم تكن ليليت الطفلة الوحيدة التي التقيتها، فالجانب الأضعف في النزاعات هم الأطفال ممن يُفطمون مبكراً على قسوة الحياة، يبلغون قبل أوانهم، يختبرون مرارة الفراق مبكراً، يستيقظون قبل أن يبدأوا أحلامهم ليجدوا كابوساً واقعياً، ففي نزل بلور استقبلنا صبي في الخامسة عشرة من عمره، هادئ "يرتدي" ابتسامة بسيطة يكتم بها ما بداخله، تصفه هيرمان بالفتى المرح وتقول "عندما جاء زافين إلى هنا، كان مدللاً للغاية ولا يطيع الأوامر، لكنه سرعان ما تحول إلى شخص آخر يساعد جميع الناس، وينزل إلى السوق يومياً ليلبي احتياجات الكبار في البيت، لقد رأى معاناتهم ويحاول إسعادهم"، مشيرة إلى أنه فتى ذكياً مجتهداً يحب مدرسته.

يقول زافين "أريد العودة إلى منزلي في قرة باغ، أحب يريفان، ولكنني أريد بيتي". ووفقاً لشهادات الضحايا، هناك آلاف العائلات النازحة مع الأطفال، بعضهم فقد أطفاله في الحرب. وقصت أناهيت (41 سنة)، الآثار النفسية للعنف على ابن أخيها ذي السنوات الأربع، "عندما اختبأنا في القبو، كان ابن أخي هايك خائفاً، وأغمض عينيه وقال إنه لن يخرج أبداً. الآن يتذكر كل شيء، أحياناً يتذكر ألعابه بينما يقول إنه لا يستطيع العودة لإحضارها لأن الناس يقتلون أي شخص يذهب إلى هناك".

 

 

في المقابل، تحاول هيرمين التخفيف على ضيوفها من خلال الأنشطة اليومية، "نزرع بعض الزهور والخضروات، ونطهو معاً، ونقيم حفلات الشواء وعديداً من الأنشطة الأخرى حتى يشعروا بأنهم في المنزل. الآن نحن عائلة واحدة كبيرة ". تعتمد هيرمين على التبرعات لمساعدة ضيوفها الذين لا يستطيعون دفع ثمن إقامتهم بعد أن فقدوا كل شيء في الحرب.

قضية قرة باغ

يعود الجدل بشأن تبعية إقليم ناغورنو قرة باغ إلى وقت مبكر من القرن العشرين، ففي 4 يوليو (تموز) 1921 عقد المكتب القوقازي للحزب الشيوعي الروسي في العاصمة الجورجية تبيليسي اجتماعاً تم فيه اعتماد ناغورنو قرة باغ جزءاً لا يتجزأ من أراضي جمهورية أرمينيا الاشتراكية.

لكن بإملاء من موسكو ومشاركة مباشرة من ستالين في اليوم التالي، أعيد النظر في القرار واتخذ آخر جديد تم بموجبه اعتبار ناغورنو قرة باغ منطقة ذات حكم ذاتي تتبع جمهورية أذربيجان السوفياتية. وهو ما تعتبره أرمينيا اختراقاً واضحاً للمواثيق الدولية من قِبل مجموعة بلشفية بزعامة ستالين من دون أي صلاحيات قانونية، قررت نقل أراضي دولة لتصبح تابعة لأخرى حديثة الإنشاء أطلق عليها في عام 1918 اسم أذربيجان.

ومراراً وجه الشعب الأرميني في أرتساخ (ناغورنو قرة باغ) طلبات إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي، ناشدهم فيها بضم ناغورنو قرة باغ إلى جمهورية أرمينيا الاشتراكية السوفياتية، وهو ما تعتبره أذربيجان تمرداً انفصالياً.

وفي عام 1966 اتخذت أمانة اللجنة المركزية قراراً يقضي بتفويض اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرميني واللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأذربيجاني بمناقشة المشكلة بشكل مشترك.

وفي عام 1977 عندما تم نقاش المشروع الجديد لدستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية عاد مجدداً طرح القضية، لكن المشكلة بقيت من دون حل حتى سقوط الاتحاد السوفياتي، واندلعت الاشتباكات بين الطرفين. 

في سياق متصل، كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان، في أكتوبر  الماضي، عن وصول مزيد من جثث سوريين موالين لأنقرة قُتلوا في معارك ناغورنو قره باغ أثناء مشاركتهم في المعارك إلى جانب القوات الأذربيجانية.

وفيما أكدت دول عدة، بينها روسيا وفرنسا، وصول أجانب للقتال في قره باغ، نفت تركيا مراراً مزاعم إرسالها سوريين لدعم أذربيجان في المعارك. وأوضح متحدث باسم وزارة الدفاع التركية، آنذاك، أن بلاده "لا تقوم بتجنيد مسلحين أو نقلهم إلى أي مكان في العالم".

وخلال الحرب، تبادل الجانب الأرمني والأذري اتهامات بارتكاب جرائم وقصف مناطق للمدنيين. وأفاد تقرير لمنظمة العفو الدولية بارتكاب الجانبين انتهاكات، وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية عن هوية جنود أذربيجانيين في فيديوهات تظهر عملية قطع رأس شخصين. ويتعلق الأمر بعجوزين أرمنيين، جينادي بيتروسيان (69 سنة) ويوري أرسيان (82 سنة)، أسرهم الجنود في القرى التي سيطر عليها الجيش الأذربيجاني.