Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين صور ملفيل حكاية المقاومة الفرنسية بلغة هوليوودية

رواية "صمت البحر" تحول مقاوم النازيين إلى سينمائي أميركي في باريس

مشهد من فيلم "صمت البحر" (موقع الفيلم)

للوهلة الأولى قد لا يبدو الأمر منطقياً بأي حال من الأحوال: لا يبدو منطقياً أن ننظر إلى الفيلم الفرنسي المعتبر "فيلم المقاومة بامتياز"، "صمت البحر" على أنه فيلم يتبع أساليب السينما الأميركية ولا علاقة للغته السينمائية بلغة "الوطن الفرنسي الأم". ومع ذلك سيكون علينا أن نعيد النظر في حكمنا على الفيلم حين يقول لنا مخرجه جان بيار ملفيل، إنه لم يكن سينمائياً حتى وإن فكر في أن يتحول إلى سينمائي حين وقع بالصدفة على نسخة من الطبعة الأولى من رواية "فيركور" في عام 1943 حين كان لاجئاً في لندن هرباً من النازيين المحتلين فرنسا وكان قبل ذلك من مقاوميهم الشرسين. عندها حين قرأ ذلك الشاب الرواية رأى أول ما رأى فيها، بعداً بصرياً مدهشاً تلاقى مع نظرته هو كهاو للسينما الأميركية، فقال لنفسه، حين أعود إلى فرنسا سأجعل من نفسي سينمائياً، ولو لمجرد أن أؤفلم "صمت البحر"... على الطريقة الأميركية. وبالفعل حين عاد الشاب المقاوم إلى فرنسا بعد ما هُزم النازيون وأعوانهم من الفرنسيين كان أول ما اشتغل عليه الانطلاق لأفلمة تلك الرواية التي سيقول لمن يسأله إن موضوعها المقاوم والإنساني لم يكن هو ما اجتذبه إليها. بل جذبه لغتها وشكلها المكتوبان على الطريقة الأميركية. يومها لم يأخذ أحد كلامه على محمل الجد وحتى حين أنجز الفيلم وعُرض، بل أجمعوا على أن الفيلم فيلم المقاومة بامتياز كما كانت حال رواية "فيركور"، الكاتب الفرنسي المقاوم التي كتبها خلال الحرب جاعلاً منها نصاً إنسانياً استثنائياً.

في صفوف الجيش الإنجليزي

والحال أن الأفلام الكثيرة التي سيحققها ذلك الشاب تحت اسم جان بيار ملفيل طوال السنوات والعقود التالية سوف تعزز صدقية ما يقول، بل ستفسر كيف أنه وهو في إنجلترا لم ينضم لمحاربة الألمان إلى الجيش الفرنسي بزعامة ديغول، بل إلى... الجيش الإنجليزي، وذلك بالتحديد كجزء من هواه الأنغلو – ساكسوني الذي سوف يطبع سينماه حتى رحيله. ومع ذلك كان جان بيار ملفيل سينمائياً فرنسياً، إن لم يكن بأشكاله ولغته السينمائية، فبالتأكيد بأجواء أفلامه ما جعله واحداً من أكبر وأنجح السينمائيين الفرنسيين، ناهيك عن كونه صلة وصل السينما الفرنسية بتلك الهوليوودية. وكل هذا من دون أن يكون ملفيل في الأصل سينمائياً ومن دون أن يبدأ مساره بدراسة السينما أو حتى بخوض مهنها المختلفة كما يحدث عادة. ملفيل إن لم يكن قد طلع كسينمائي من العدم، فإنه طلع مما تلمسه من أبعاد أميركية في تلك الرواية التي قرأها صدفة في لندن فغيرت مسار حياته. وحولها في عام 1949 إلى واحد من أفضل الأفلام الفرنسية.

تربية سينمائية

وبالتالي، فإن ذلك الشاب المقاوم الذي سيعرفه هواة السينما وأهلها لاحقاً باسم جان - بيار ملفيل، سيعرف دائماً بأنه الأكثر أميركية بين كافة مخرجي السينما الفرنسية. وكانت أميركيته من الحضور بحيث إن نقاد ومخرجي "الموجة الجديدة" الفرنسية في الستينيات خصوه باحترام شديد هم الذين كان دأبهم واختصاصهم أن يعيدوا اكتشاف روائع السينما الأميركية. لكن أميركية جان - بيار ملفيل لم تقف عند ذلك الحد. فهو، أيضاً، خاض حياة تشبه، وإلى حد كبير، حياة كبار الأدباء والسينمائيين الأميركيين: علم نفسه بنفسه، وخاض في العديد من المهن قبل أن يبدأ في تحقيق أحلامه السينمائية، وهو إضافة إلى ذلك اختار لنفسه اسم ملفيل تيمناً بالكاتب الأميركي هرمان ملفيل، علماً أن اسمه الأصلي كان جان - بيار غرومباخ. فإذا أضفنا إلى ذلك أنه منذ كان في السابعة من عمره كان يلهو بتصوير شرائط صامتة قصيرة. وأنه في صباه حين أراد أن يضع لائحة بأحب مخرجي السينما إلى نفسه، ضمت لائحته ثلاثة وعشرين مخرجاً كانوا جميعاً أميركيين، ستتضح الصورة أكثر. من هنا، لم يكن غريباً أن تتسم الأفلام العديدة التي حققها جان - بيار ملفيل منذ 1949، وحتى رحيله عام 1973 بسمات أميركية واضحة، من ناحية الموضوع كما من ناحية الشكل، وبخاصة من ناحية كونها أفلاماً ذكورية أولاً وأخيراً. فالحال أن سينما ملفيل هي سينما رجال، الرجال هم أبطالها وهم ضحاياها، أما النساء فيلعبن فيها أدواراً ثانوية للغاية.

البداية حياة مهرج

ولد جان - بيار غرومباخ (الذي سيتخذ اسم ملفيل بعد زمن طويل) في 1917 في باريس. وتعلم فن السينما بمفرده عن طريق كاميرا اشتراها له أبوه الثري. وحين صار صبياً كان يمضي جل وقته في صالات السينما يشاهد ويعيد مشاهدة كل فيلم أميركي يعرض في باريس. حين اندلعت الحرب العالمية الثانية خاضها الشاب في قوات الفرسان الفرنسية، ثم انضم إلى الجيش الإنجليزي قبل أن يعود إلى فرنسا ويخوض المقاومة تحت اسم "ملفيل" الذي التصق به منذ ذلك الحين. وحين انتهت الحرب وعاد الشاب إلى باريس عاهد نفسه أن يصبح مخرجاً سينمائياً، وأسس شركة إنتاج خاصة به، وبنى لنفسه أستوديو واشترى كل المعدات اللازمة التي تمكنه من أن يصبح "مخرجاً أميركياً". أما الفيلم الأول الذي جرب عبره مواهبه كنوع من التمرين قبل خوض تجربته الكبرى في "صمت البحر"، فكان فيلماً قصيراً عنوانه "24 ساعة من حياة مهرج" حققه في 1946، وفيه تتجمع كل العناصر التي ستطبع سينما جان - بيار ملفيل منذ ذلك الحين: المدينة في الليل، عالم الذكور، الشخصيات الغامضة القلقة التي تعبر الشاشة من دون هدف واضح، النهايات المبهمة.

معلم أميركي في فرنسا

أثبت ذلك الفيلم لملفيل أن اختياره العمل السينمائي لم يكن تطفلاً وهكذا راح يعد العدة لتحقيق حلمه القديم: نقل "صمت البحر" إلى الشاشة. وهو بالفعل حقق المشروع في 1949 وكان النجاح كبيراً. كبيراً إلى درجة أن جان كوكتو عهد إلى ملفيل بتحقيق مسرحية "الأبناء الرهيبون" في فيلم سينمائي، حقق هو الآخر حين عُرض في عام 1950 نجاحاً كبيراً. وهكذا خلال فيلمين فقط ارتبط اسم ملفيل باسمين من أشهر الأسماء الفرنسية آنذاك: فيركور وجان كوكتو، ولم يكن بحاجة لأكثر من ذلك حتى يصبح معلماً من معالم السينما الفرنسية في ذلك الحين. ولقد أتت الأفلام العشرة التالية التي حققها خلال عقدين من الزمن لتؤكد مكانته، وليتبدى من خلالها واحداً من قلة من المخرجين الفرنسيين عرفت كيف توائم بين النجاح الفني والنجاح التجاري، ومن أبرز تلك الأفلام "عندما ستقرأ هذه الرسالة" (1953)، "بوب المقامر" (1956)، "رجلان في مانهاتن" (1959)، وهو فيلم يعبق بالرائحة الأميركية النيويوركية مباشرة، "ليون موران قسيساً" (1961)، "النفس الثاني" (1966)، "الساموراي" (1967)، "الدائرة الحمراء" (1970)، و"شرطي" (1972)، ومما يذكر أن ملفيل قد أعطى كلاً من جان - بول بلموندو وآلان ديلون، نجمي السينما الفرنسية في أيامه، بعض أجمل أدوارهما وأكثرها حركة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعيداً عن السينما الفرنسية المسرحية

أما بالنسبة إلى "صمت البحر" فيبقى واحداً من أجمل أفلام ملفيل وأكثرها شاعرية، وكان في إمكاننا أن نقول إنه كان أيضاً أكثرها فرنسية، لولا أن المخرج نفسه ظل طوال حياته وفي الحوارات التي تجري معه يصر على أن الفيلم المأخوذ عن رواية "فيركور"، فيلم أميركي خالص اشتغل عليه منذ بدء معالجته للسيناريو وصولاً إلى علاقة الحوار بالأحداث فيه مروراً بتركيزه على جوانية الممثلين، ليس انطلاقاً من النزعة الحوارية المسرحية التي هيمنت دائماً على السينما الفرنسية، وعلى الأقل حتى ولادة "الموجة الجديدة" على أيدي "مبدعين "متأمركين" بدورهم مثل تروفو وغودار وشابرول"، بل انطلاقاً مما أدركه السينمائي الشاب من الأساليب الأدائية التي كانت متبعة في "استوديو الممثل" الأميركي...

المزيد من ثقافة