المصالح التركية والإيرانية في العراق... أوجه الخلاف والتوافق

أنقرة تريد الدخول من بوابة الاقتصاد والمكون التركماني ومساعدة طهران في أزمتها بسبب العقوبات

وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو يستلم بندقية أستعملت في معركة الكوت من عشائر محافظة البصرة العراقية (تويتر وزير الخارجية التركي)

فتحت الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية التُركي مولود تشاويش أوغلو إلى العراق كل الملفات المُشتركة، بهدف الاستحواذ قدر المُستطاع على النفوذ في الداخل العراقي. ويبدو واضحاً الإحساس التُركي بأن الهيمنة الإيرانية الاستراتيجية على العراق، ستدخل مرحلة من التراجع الاستراتيجي، وأن على تُركيا، القوة الإقليمية الأكثر حيوية وزخماً، إشغال ذلك الفراغ الإيراني.

التوافق مع إيران

وتسعى الاستراتيجية التُركية إلى التوافق مع إيران، وليس الصِدام معها، فهي تعرف بأن طهران تستأمن جانب أنقرة أكثر من غيرها من القوى الإقليمية، وأن مواجهة إيران في الداخل العراقي يُمكن أن تأتي بنتائج عكسية مُضرة تماماً.

ففي الوقت الذي كان تشاويش أوغلو يقوم بزيارة إلى العراق، كان معاون وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي على رأس وفد يقوم بزيارة إلى أنقرة، صرح خلالها بأن البلَدين يوجهان مصاعب مُشتركة، وثمة ملفات مُشتركة كثيرة بينهُما يجب أن يُعالجاها سوية. ويُعرف عن الخارجية الإيرانية أنها تُرسل معاون وزير الخارجية عادة لتهيئة الأرضية لزيارة المسؤولين الرئيسيين، خصوصاً في المراحل التي تكون فيها إيران مُجبرة على اتخاذ قرارات وتحولات استراتيجية.

تعرف تُركيا بأن إيران في حاجة استثنائية إلى تُركيا اقتصادياً وسياسياً في الوقت الراهن. إذ بينما ستنتهي مُهلة الأذون الأميركية الخاصة للدول التي تتعامل مع قطاع النفط الإيراني، حتى بالنسبة إلى تُركيا، فإن الطرف الإيراني يرى نفسه مُحاصراً من كافة دول الجوار، بما في ذلك العراق نفسه. فتُركيا تستورد يومياً بحدود 150 ألف برميل نفطي من إيران، وتصل قيمة الصادرات السنوية إلى تُركيا من الغاز الطبيعي بحدود 10 مليار دولار، وتستورد إيران بالمقابل ما يقل عن ذلك من الطرف التُركي، أي أنها توفر حصة كبيرة من حاجتها إلى القطع الأجنبي من علاقتها التجارية مع تُركيا.

بهذا المعنى، فإن تُركيا هي الطرف الإقليمي الأكثر تعاوناً مع إيران. إن سياسياً عبر شبكة الملفات الإقليمية التي تجمع الطرفين، بالذات في مواجهة الاستراتيجية الأميركية العُليا في المنطقة، التي تدعم قوى محلية يعتبرها الطرفان الإيراني والتُركي عدواً مُشتركاً، أو عبر الدعم الاقتصادي، وتتعاون تُركيا مع الطرف الإيراني لأقصى حد، لتجاوز تفاصيل العقوبات الدولية عليها، وهو ما كشفته صفقة سبائك الذهب الشهيرة بين الدولتين العام الماضي.

تعرف تركيا بأن هذا التعاون سيتضاعف خلال الشهور والأعوام القادمة، لأجل ذلك تسعى إلى أن تستحصل من إيران على أكبر عائد مُمكن، خصوصاً من خاصرتها الرخوة العراق. وتريد تُركيا أن تستولي على شيء من النفوذ السياسي والاقتصادي في الداخل العراقي، وهو أمر حُرمت منه لسنوات طويلة، لأن إيران كانت تستحوذ تقريباً على كُل شيء في الداخل العراقي.

تمدد سياسي قدر المُستطاع

زيارة وزير الخارجية التُركي شملت كافة مناطق العراق تقريباً، وهو لم يكن مسعى لتحسين العلاقات الدبلوماسية، بل أداة للتوغل التُركي في مُختلف المناطق والحساسيات العراقية.

زيارة أوغلو للبصرة كانت استثنائية، خصوصاً أنه توافق مع محافظها ومجلس إداراتها على إعادة فتح القنصلية التُركية في المدينة في أقرب فرصة، المُغلقة مُنذ خمسة أعوام، مع وعود بفتح قنصلية تُركية جديدة في مدينتي كربلاء والنجف. كذلك لم يخف عن أوغلو الإشارة إلى الروابط الرمزية التي تجمع تُركيا بالعرب العراقيين "الشيعة"، فقد أشار إلى معركة الكوت الشهيرة التي جرت أثناء الحرب العالمية الأولى، التي قاتل فيها الجيش العثماني وقوى العشائر المحلية في جنوب العراق في مواجهة الجيش الإنجليزي، وهزماه في تلك الواقعة الشهيرة. حيث قال أوغلو بأن تُركيا تسعى إلى استعادة تلك العلاقة التاريخية الحميمية بين الطرفين.

في الوقت نفسه، فأن تُركيا تُريد أن تخلق توازناً في علاقاتها بين مختلف المناطق. فزيارة أوغلو لإقليم كُردستان جاءت في اليوم ذاته لزيارة البصرة. ووعد اوغلو المسؤولين الأكراد بإعادة العلاقات مع الإقليم إلى ما كانت عليه في العام 2014، أي قبل مرحلة تمدد تنظيم داعش الإرهابي، واستفتاء الاستقلال، الذي اعتبرته تُركيا كسراً للثقة بينهُما، ومساً بالأمن القومي التُركي.

المُلاحظ أن وزير الخارجية التُركي التقى، إضافة الى رئيس وزراء الإقليم نيجرفان بارزاني ونائبه قوباد طالباني، القيادي البارز في الاتحاد الوطني الكُردستاني، الحزب الذي كان على خلاف سياسي شديد مع تركيا الى وقتٍ قريب. هذا الخلاف وصل إلى مستوى منع الطائرات التُركية من الهبوط في مطار مدينة السُليمانية، معقل نفوذ الاتحاد الوطني الكُردستاني. فأنقرة تتهم "الاتحاد الوطني" بدعم حزب العُمال الكُردستاني وفتح مقرات سياسية له. كذلك تعرف تُركيا بأن الاتحاد الوطني هو الطرف الكُردي الأكثر قُرباً وعلاقة مع إيران، وأن خلق علاقة متينة مع الاتحاد الوطني أنما هو مزاحمة أخرى للنفوذ الإيراني.

فإقليم كردستان العراق حاجز جُغرافي وسياسي طبيعي بين تُركيا وباقي مناطق العراق.

وكما تتصرف إيران، على خلفية أن القوى السياسية العراقية الشيعية هي منصات ومراكز لنفوذها، تسعى تركيا إلى الأمر ذاته مع التُركمان العراقيين. فقد التقى أوغلو بالنواب التُركمان في البرلمان العراقي في اجتماع مُغلق في العاصمة بغداد، كذلك أجتمع مع القوى السياسية التُركية في إقليم كُردستان العراق في اجتماع مُغلق آخر. وطالب للتُركمان بدور سياسي أكبر في الإقليم، وأصدر تصريحات بشأن هوية كركوك، بعدما وعد بفتح قُنصلية في المدينة، أثارت رد فعل قومي من بعض القوى السياسية الكُردستانية.

الاقتصاد في سبيل النفوذ

ووعد وزير الخارجية برفع التبادل التجاري بين بِلاده والعراق إلى حدود الـ20 مليار دولار، أي بزيادة 25 في المئة خلال العامين الآتيين. وأكد أن التوافق مع إقليم كُردستان العراق على مسألة فتح معبر حدودي ثالث بين الطرفين، الأمر الذي سيزيد حيوية التبادل التجاري بين البلدين.

كذلك أعلن الرغبة بإنشاء شبكة نقل آمن عبر البلدين، لاستيراد البضائع بين منطقة الخليج ودول الاتحاد الأوربي، حيث ستحصل تُركيا جراء ذلك على عائدات ضخمة من تجارة الترانزيت هذه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على أن تُركيا تعرف أن ملف التبادل التجاري وتصدير المواد المُصنعة للعراق ليس استراتيجياً بمستوى ملفي النفط وإعادة الإعمار.

فتركيا تعتمد في 75 بالمئة من حاجاتها للطاقة على مصادر أجنبية، ومن المتوقع أن ترتفع تلك الحاجة إلى أكثر من 80 بالمئة خلال عامين، وهي في ظل العقوبات الأميركية على إيران لن تجد شريكاً في الطاقة مثل العراق، الذي يُمكن من طرف أن يوفر حاجاتها إلى الطاقة، وكذلك يمكن لأنقرة أن تُقنع العراق بزيادة صادراته عبر خطوط النفط التي تمر بتُركيا، وتؤمن عائدات مالية، من خلال أرباح الترانزيت. في الوقت نفسه فإن تُركيا تسعى إلى تعويض النقص الذي قد يصيب واردات العراق من الغاز الإيراني بخطوط من الغاز الروسي الذي يمر عبر تُركيا.

كذلك ستسعى تُركيا لأن تزيد من شبكة نفوذها ضمن ملف إعادة إعمار المناطق المُدمرة من العراق، ما ينعكس مُستقبلاً، استثماراً في الاقتصاد والسياسة، ويعزز تأثير قوتها الناعمة.

المزيد من الشرق الأوسط