Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا تنظر الفلسفة إلى عزلة كورونا وآثارها في وجدان الناس

الإعلام العالمي يصرّ على تصوير الانعزال باللون الأسود ويندّد بمساوئ الانقطاع

أجواء العزلة كما يستوحيها الرسام فادي اليازجي (صفحة الرسام على فيسبوك)

أشاد غير فيلسوف بفضائل الاعتزال، فآثر الانصراف إلى تأمّل الوجدان الذاتي على الالتهاء بمباهج الدنيا العابرة. لا بدّ، والحال هذه، من التمييز بين الخلوة الطوعية التي يختارها الإنسان لذاته بحرّية، والعزلة القسرية التي تفرضها نوائب الدهر. في ظل الجائحة العالمية، يستصعب الناس الاعتزال والاعتصام بالمنازل، ويتحسّرون على الأيام التي يطويها المرء بالرتابة والتضجّر والملل. كان الفيلسوف الرواقي الروماني سنكا Sénéque يحثّ الناس على تذوّق خيرات الخلوة الطوعية والافتتان بمباهجها. ولكنّه كان يدرك أن‏‏ الإنسان يسترهب الانفراد بذاته ومواجهة حقيقته. أنشأ يقول في كتابه "سكينة النفس": "هكذا، حين يحرم المرء من الإلهاءات التي يعثر عليها الناس المنهمكون بمشاغلهم، لا يطيق من بعد ذلك أن يلازم بيته، محجوراً بين جدران غرفته، مستصعباً أن يعاين نفسه متروكاً وحده لمصيره. من هنا مبعث الضجر، والتبرّم بالذات، وعاصفة النفس التي لا ترسو أبداً على استكانة، ذلك العجز القاتم عن تحمّل السلوان الذاتي [...]. من هنا أيضاً حال الذهن التي تفضي بالناس إلى استكراه أوقات الفراغ وإلى التشكّي من البطالة".

من الواضح أن التطوّع للاختلاء بالذات أمر شاقّ لا تستعذبه أغلب طبقات البشر. والحال أن الانغماس المطلق في الحشود اليومية يفقد الإنسان القدرة على إدراك خصوصية وجوده، وميزة حياته، وفرادة رسالته في الكون. يعتقد الفيلسوف الفرنسي باسكال أن‏‏ أصل الشرور يكمن في عجز الإنسان عن "الاستكانة الهنية في غرفة"، إذ أنه يستميت في إلهاء نفسه بضروب شتّى من المسرّات الفارغة، عوضاً عن أن يواجه الواقع المواجهة الصادقة. ذلك بأن‏‏ العزلة لا تفضي إلى العدم، بل إلى استيلاد عالم آخر كلّي الجدّة والاستثارة.

نظرات فلسفية متباينة

تتباين النظرات الفلسفية إلى الاعتزال وتختلف مذاهب الفلاسفة في هذا المبحث. يعتقد بعضهم، في إثر الفيلسوف الفرنسي دكارت يؤيده في جانب من جوّانيته العقلانية الفيلسوف الألماني هوسّرل، أن‏‏ الانكفاء عن العالم والتبصّر في الأنا المتفكّرة أفضل سبيل يهيئ الإنسان للفوز بالإدراك المستقيم المستند إلى عين الحقيقة. على الجهة المقابلة، يناصر بعضهم الآخر، ومنهم الفيلسوف الألماني هابرماس، مبدأ التواصل الذي ينشئ الحقيقة والمعنى، على قدر ما تنشط بين الناس العقلاء جدليات المناقشة الحرّة المنصفة وروابط الفعل التضامني السليم. وعليه، فأن‏‏ الذين يعاينون في التفكّر الذاتي تبلوراً صافياً للمعنى، وانبثاقاً مضموناً للحقيقة، يرتاحون إلى سياسة الخلوة الطوعية في زمن كورونا، في حين أن‏‏ الذين يشترطون التواصل والتباحث والتناقش سبيلاً إلى تكوّن المعنى تكوّناً تاريخياً يستكرهون العزلة التي تفرضها الجائحة. لا تستحسن الفلسفات التواصلية الانعزال، حتى لو كان طوعياً، في حين أن‏‏ الفلسفات الجوّانية تستعذب الاختلاء، حتى لو فرضته أحوال الزمان القاهرة. أما الكوفيد التاسع عشر، فيتحدّى المذهبين كليهما، إذ يرمي الإنسان في لجّة الانعطاب البنيوي السحيق.

من المفيد في هذا السياق أن يتذكّر المرء ما أتى به الفيلسوف الفرنسي ميشل فوكو حين اعتبر أن‏‏ أماكن الإغلاق والحجر واحتباس الناس ترسم خطوط الفصل بين السلطة والناس. ويضرب على ذلك مثال المجانين والمختلّين العقليين والبرص والمرضى المصابين باعتلالات جسيمة معدية، أولئك الذين كانوا يسرحون ويمرحون في ساحات القرون الوسطى. فما لبثت المجتمعات الغربية أن حشرتهم في منعزلات وبائية، وأغلقت عليهم في شبه دينونة إقصائية. فإذا بإنشاء مستشفى باريس العام في عام 1656 يحرم المجتمع الفرنسي ما ورد في أقاصيص الفيلسوف الطليعي إراسموس (Erasme) من هزليات المتندّرين، ومفاكهات الموهوبين، ودعابات الظرفاء. وقد كان من بينهم من نعته الناس بالخبل والجنون. في كتاب "عين السلطة"، يبين فوكو "منظورية" أو قلْ مكشوفية الأجساد والأفراد والأشياء، وقد حشر الجميع في مصحّات عقلية تمارس السلطة الاجتماعية عليها أقسى ألوان الرقابة والمعاقبة. وعليه، تحوّل المأوى في زمن الحداثة العقلانية من موضع للمعاينة والتشخيص والمعالجة إلى معقل للمحاكمة والدينونة.

الحجر الإكراهي

من السهل، والحال هذه، أن يقارن المرء وضعية إقصاء المرضى وحشرهم في المستشفيات في مستهلّ عصر الحداثة الأوروبية بوضعية الحجر الإكراهي الذي يتكبّده الناس في زمن الجائحة الكورونية. ومن ثم، لا بد لنا في زمن كورونا الضاغط من السؤال هل يستطيع الناس أن يحوّلوا عزلتهم القسرية إلى خلوة طوعية؟ هل يستطيعون أن يتجنّبوا الآثار السلبية التي ستخلّفها العزلة الكورونية على نفسيتهم وداخلهم ووجدانهم ووعيهم ومداركهم؟ يترصّد الفيلسوف الفرنسي مارسل كونش ثلاثة أصناف من العزلة. الأولى نفوز بها حين نبتعد عن ضجيج العالم وهيجان الناس حتى ندخل في صميم وجداننا الذاتي نتأمّل في كنوزه وآياته؛ أنها عزلة المتصوّفين الروحانيين المتزهّدين الذين ينكفئون عن العالم، ويحبسون على أنفسهم في صومعات عباداتهم الروحية.

تنشط العزلة الثانية في مسلك المبدعين الذين يضطرّون إلى الابتعاد والانكفاء والتفرّغ الكلّي من أجل ابتكار أنماط أصيلة من التعبير الفنّي عن معاني الوجود. أما العزلة الثالثة، فهي التي يختبرها الإنسان الذي يفقد حبيبه بالموت والغياب الأبدي، فينتبذ مكاناً قصياً وينزوي في زاوية الوجود يتحسّر على انسلاخ قطبه الكياني الآخر، واندثار العلاقة الوجودية الحميمة التي كانت تزين حياته بأبهى أسباب المنعة والانتعاش والازدهار. ثمّة تباين أساسي بين أصناف العزلة هذه يستجليه المرء في مقدار الألم الذي ينتاب المتوحّد المنفرد المنعزل. فالعزلة الأولى يصاحبها مقدار لطيف من الألم يحسّه المرء حين يقارن هناءه الداخلي بسعادة المعاشرة الطيبة، في حين أن‏‏ العزلة الثانية هي خير عظيم يجتنيه المختلي الذي يضحّي بالمخالطات اليومية في سبيل تعزيز نشاطه الإبداعي، بحيث يغدو الألم وجعاً يرضى به المبدع، لا سيما حين يعاين ثمرة جهاده وجمال إبداعه. أما العزلة الثالثة، فيعتريها المقدار الأقصى من الألم الذي يعتصر فؤاد المفجوع بفقدان الشريك الحبيب، فيقطّع أحشاءه حزناً ولهفاً.

الخلوة في الإنسان، قبل أن تكون في الناس. فالمجتمعات المعاصرة خلطت الناس بعضها ببعض خلطاً غريباً عجيباً حتى أن‏‏ الناظر يخيل إليه أن‏‏ المؤانسة على أشدّها بين سكّان الأرض. والحال أن‏‏ كثافة التواصل الحضوري والافتراضي أظهرت في العمق المحجوب مأساة العزلة التي يعانيها الإنسان المعاصر. في هيجان المدن المكتظّة والأحياء السكنية المتخمة، يحيا الإنسان في وحدته وانعزاله وغفْليته لا يعبأ به نظراؤه وجيرانه. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى التحليل الثاقب الذي ساقه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر حين حلّل تلاشي الأصالة الإنسانية في مجاهل الحشود المغفّلة وما تفعله وما تقوله. إذا كان الآخرون هم من يقرّر لي أصالتي الذاتية، فأن‏‏ الضمير "هم" das Man يصبح المستبدّ الأوّل والأخير بوجودي كلّه. ما من سبيل إلى الانعتاق من سلطة هؤلاء "الهم" إلّا بالإعراض عن مغريات التماهي مع الجموع الغفل التي لا اسم لها ولا هوية ولا فرادة ولا أصالة.

وحشة وانقطاع

غير أن‏‏ الإعلام العالمي يصرّ على تصوير الوحدة والعزلة والاختلاء والانفراد تصويراً قاتماً يندّد بمساوئ الوحشة والانقطاع، في حين أن‏‏ الإنسان لا يستطيع أن يعي عمق كيانه ويدرك دفين طاقاته ويختبر محض حرّيته، فينمو فهماً ونضجاً وإبداعاً، إلّا حين يعود إلى ذاته ويغوص في أعماق وجدانه. ذلك بأن‏‏ الخلوة الطوعية لا تروم تمجيد الذات وعبادتها، ولا تتقصّد أن تجافي الآخرين أو تحتقرهم أو تعاديهم، بل تسعى إلى الانعتاق من قيودهم وضغوطهم وأحكامهم حتى تتيح للإنسان أن يتدبّر وجوده بحرّية سليمة. فالذات الإنسانية لا تبلغ النضج المنشود إلّا حين تختبر اختباراً صحيحاً أنها سيدة قرارها ومسؤولة عن وجودها، وأنها تفرح فرحاً صادقاً بفعلها المنبثق من عمق اقتناعها. الذات المختلية هي وحدها تضطلع بمسؤولية إخفاقاتها ونجاحاتها، فلا تلوم الآخرين ولا تتذرّع بالغيريات المشاكسة، والأوضاع المعاكسة، والأحوال المحبطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حين ينعم الإنسان بوحدته المتأمّلة الغارقة في استجلاء أسرار الذات وأحجيات الكون، لا يبحث عن استرضاء الآخرين وإغوائهم، ولا يضطرب لتصوّراتهم الخاطئة وأحكامهم الظالمة، بل ينعتق من أسر اللحظة الآنية، ويضع نفسه في موضع السعي إلى المطلق، لا في موضع التقيد بالعمومي النافل. العزلة الطوعية مراس تقشّفي وبحث استشرافي يزين الوجود الإنساني بباقة من الانبثاقات الملهمة والفتوحات المغنية. في الخلوة المبهجة يختبر الإنسان لذّة التحصّن في قلعة الغربة والفرادة والامتناع. ذلك بأن‏‏ سرّية الذات تتحصّن في أسوار الرعاية والتصوّن حين يعكف الإنسان على الاعتناء الحصيف بوجدانه. ما من كرامة تساوي كرامة الذات المتحصّنة، المتأمّلة، المتفكّرة، المعتصمة برضوان الحياة المنبجسة من أعماقها. مثل هذه الذات تستوجب أرفع آيات الاحترام والتقدير.

ترسم الحكمة البوذية أن‏‏ الإنسان يولد وحيداً، ويحيا وحيداً، ويموت وحيداً. ولكنّه أيضاً ينعم بصحبة النظراء الذين يشاركونه في مشقّات الحياة ومباهجها. ليست العزلة إقصاءً للآخرين، بل تبصّر في تخير أفضل الخلّان والندماء. لذلك لا بدّ للناس من أن يسألوا أنفسهم عن عواقب العزلة القسرية التي ولّدتها الجائحة وعن الآثار التي ستتركها في عمق الذات الإنسانية. فالإنسان حيوان اجتماعي ينمو وينضج من جرّاء اضطلاعه النبيه بالاختلاف الناشب في عمق الطبيعة الإنسانية. بيد أن‏‏ الفطنة تقتضي اليوم أن نحوّل عزلتنا القسرية إلى خلوة طوعية نستجلي بها مكنونات الأصالة المرسومة في عمق وجداننا حتى نعود فنطلّ على العالم إطلالة الناضج المكتنز القادر على المجالسة الأنيقة، والمخالقة اللطيفة، والمعاشرة البنّاءة.

المزيد من ثقافة