Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كريس ماركر في مئويته... وحدة عضوية بين الصورة والحياة

كاميرا مشاكسة لإعلان الصداقة ورصد تحركات الشبيبة

كريس ماركر (يسار) عام 1954 (غيتي)

ينظر بشكل عام إلى الفيلم الوثائقي، أو الفيلم التسجيلي بحسب ما يفضل البعض، باعتباره الأخ الفقير للفيلم السينمائي الروائي، ومع هذا اعتاد محبو السينما، النخبويون أولاً، ولكن قطاعاً عريضاً من محبي السينما بشكل عام، فيما بعد، ولا سيما في العقود الأخيرة، على النظر إلى السينما الوثائقية باعتبارها فناً حقيقياً مميزاً له خصوصياته، كما له تحفه التي تراكمت على مر الأزمنة لتشكل متناً سينمائياً إبداعياً قائماً في ذاته. والحقيقة أن هذا الواقع "الجديد" قد ترسخ بفضل اندماج خلاق حدث بين السينما الوثائقية والسينما الروائية في أعمال عدد من سينمائيين كبار عثروا على الصيغة الذهبية التي تجمع النوعين (غودار بين آخرين)، ولكن خاصة بفضل عدد قد يكون محدوداً من سينمائيين وثائقيين عرفوا، على خطى الأخوين لوميار وروبرت فلاهرتي، ثم المدرسة الإنجليزية بقيادة غرير غارسون، ناهيك بعدد لا بأس به من الطليعيين الأميركيين، عرفوا كيف ينتجون متناً وثائقياً فريداً في مبناه ونتاجاته. ولا شك أن كريس ماركر، الفرنسي كان واحداً من هؤلاء، بل ربما في مقدمة الجيل الأوسط منهم. وهنا لا بأس من التوقف باستفاضة عند ماركر لمناسبة الذكرى المئوية الأولى لولادته.

المبدع الشامل

ففي مثل هذه الأيام قبل مئة عام يوماً بيوم ولد السينمائي كريس ماركر ليموت بعد ذلك بواحد وتسعين عاماً. وإذا كان اسم ماركر غير معروف للجمهور العريض، ولا حتى بكونه صاحب الفكرة الأساسية التي بني عليها واحد من أشهر أفلام الخيال العلمي "12 قرداً"، فإنه معروف لغلاة السينمائيين والمثقفين في العالم أجمع. والحقيقة حتى وإن كان يمكننا، في اختصار، التحدث عن كريس ماركر بوصفه واحداً من كبار السينمائيين في العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فإن هذا التوصيف لن يعدو كونه مُجتزَأً، ذلك أن ماركر كان مبدعاً شاملاً ووفير الإبداع في مجالات شديدة التنوع بحيث أننا لو شئنا، فقط، تعداد إنجازاته طوال ما يزيد على سبعة عقود في المجالات كافة التي أبدع فيها، سنحتاج إلى ما لا يقل عن صفحات عديدة. ومع هذا سيكون منطقياً أن نتوقف عند الأبرز بين تلك النشاطات.
كان كريس ماركر سينمائياً وكاتباً ورجل تلفزة من الصنف المميز، والذي أضاف إلى الشاشة الصغيرة كثيراً وأكثر مما يمكنها الزعم أنها أضافت إليه. وكان كاتباً ومصوراً فوتوغرافياً ورساماً وفنان "تجهيز" عرف كيف يستفيد من إمكانات هذا الفن الجديد و"الما بعد حداثي" كي يقدم تطبيقات عملية في مضمار المزج بين الفنون والآداب.

دور ومكان للصداقة

كان ماركر مناضلاً سياسياً وسوريالياً وواقعياً، ومناصراً للقضايا العادلة الكبرى في العالم. وكان ماركسياً وناقداً للستالينية في الوقت نفسه... ومؤمناً بفعل الصداقة الذي جعله يحقق أعمالاً شديدة الأهمية – انتهت بأن تعرض في التلفزة غالباً – عن مبدعين فنانين كانوا أو صاروا أصدقاء له؛ فمن "عزلة مغني الأعماق" عن الفنان إيف مونتان و"ألف كاف" عن المخرج الياباني الكبير أكيرا كوروساوا، إلى الشريط عن سيمون سينيوريه ("ذكريات إلى سيمون") إلى "قبر ألكساندر" عن المخرج الروسي ألكساندر مدفكين، وصولاً إلى فيلمه الفريد عن أندريه تاركوفسكي بعنوان "يوم من حياة أندريه أرسينيفتش"، عرف ماركر كيف يجعل السينمائي والفنان نفسه مادة غنية للسينما حتى وإن صنعت أصلاً للتلفزيون. وقد يكون في وسعنا هنا أن نقول إن كريس ماركر كان، إلى جانب روبرتو روسليني، واحداً من كبار فناني السينما الذين أدركوا باكراً أهمية التلفزيون في حياة الفن السابع وبقائه. وهذا ما عبر عنه في أعماله وفي تصريحاته أيضاً

ومن هنا حين الحديث عن ماركر لا ينبغي أبداً أن ننسى للحظة أنه كان أولاً وأخيراً رجل سينما، ولكن سينما من نوع خاص جداً، بالتالي من نوع شديد الشمولية. أما خصوصيته، فإنها كانت هي ما جعل سينماه تسمى سينما "الفيلم/ الدراسة"، في تزامن في هذا مع كبار من سينمائيي النوع ارتبط اسمه باسمهم ليعتبروا من ورثة جيل الكبار ممن أشرنا إليهم، وربما أيضاً جان فيغو، الشرعيين، ونعني بهم جوريس آيفنز، وفردريك وايزمان، وحتى ريمون ديباردون بين آخرين، وكلهم مبدعون سينمائيون جمعهم معاً استخدام جمالي مميز للصورة المتحركة في مواضيع إنساسية متقدمة تقول الزمن الراهن بقوة تعبيرية جعلت للسينما التوثيقية في أحيان كثيرة، مكانة تفوق مكانة السينما الروائية العظيمة في العالم، بل تمزج في شكل خلاق بين الصنفين في بوتقة اقل ما يقال عنها إنها عصية على أي تصنيف.

عصيان على التصنيف
وكريس ماركر كان على أية حال عصياً على أي تصنيف، وهو الذي ولد عام 1921 في نوايي سور سين، غير بعيد من باريس، وبدأ حياته المهنية وهو في بداية عشرينياته، رحالةً وكاتباً ومناضلاً سياسياً ومقاتلاً في صفوف المقاومة ضد النازية، ثم مناصراً للحزب الشيوعي الفرنسي، لكن على طريقة مجلة "إسبري" اليسارية الشخصانية تحت رعاية الفيلسوف إيمانويل مونييه. وبعد الحرب، وإذ شعر ماركر (وكان اسمه في ذلك الحين لا يزال كريستيان فرانسوا بوش فيلنوف)، أن في وسعه الآن أن يبحث عن آفاق تعبير جديدة، التقى الآن رينيه الذي كان يحضر بداياته السينمائية غير بعيد من أجواء النقد الفرنسي الجديد الذي كان يتحلق من حول شيخ النقاد السينمائيين في ذلك الحين، أندريه بازان. وعاون كريس ماركر، رينيه الذي بات صديقاً له في تحقيق فيلمه "التماثيل تموت أيضاً"، بعد أن عمل لفترة في أحضان اليونسكو عبر أفلام تعليمية. ومن ذلك التعاون الأول مع الآن رينيه سيولد على الفور السينمائي الذي سيكونه ماركر خلال أكثر من نصف قرن تالٍ، ولكن بالتزامن مع ولادته كروائي، إذ إنه كان قد نشر رواية له عنوانها "القلب النقي" مع جملة أشعار كتبها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

امتشاق الكاميرا المناضلة
ومنذ ذلك الحين لم يتوقف ماركر عن الإنتاج، ولم يخب لديه فضول راح يقوده في دروب بدت دائماً من غير نهاية، ومن غير حدود. فهو كان دائماً في الصف الأول من الأحداث، السياسية وغير السياسية، يصور، يؤفلم، يكتب، يرسم... وكذلك يشارك في الصخب السياسي. في اختصار، هنا يمكن القول إنه كان دائماً نموذجاً مبدعاً راقياً وطليعياً لما كان الفيلسوف الإيطالي أنطونيو يطلق عليه اسم "المثقف العضوي". ومن هنا نرى ماركر بين المثقفين الفرنسيين المعارضين للحرب الفرنسية في الجزائر، ثم نراه في عام 1956 بين المعترضين بقوة على المعتدين على مصر في وقت كان فيه يحقق شرائط عن أوضاع ونضالات الطبقة العاملة. وهو، إذ اندلعت ثورة الشبيبة في مايو (أيار) 1968، الفرنسية والأوروبية في شكل عام، رأيناه "يمتشق" كاميراه ويصور، وغالباً هنا بالتعاون مع مجموعات عمل نضالي/ فني على النمط اليساري الذي ساد آنذاك. غير أنه كان خلال تلك السنوات قد كون لنفسه رصيداً كبيراً، ولا سيما عبر سفرات آسيوية (كوريا الشمالية، وفيتنام، والصين...) وأفريقية، كان يعود منها دائماً بأفلام تراكم مزيداً من الأعمال السينمائية التي تضيء على هموم العالم. ومن هنا، حين راح في الستينيات يتعاون مع مجموعات عمل نضالي/ فني، مثل "سلون"، ثم "إيسكرا"، كان من الواضح أن ثقله النوعي يعتبر رفداً أساسياً لتلك المجموعات. والحقيقة أنه هو نفسه سيعود إلى التعبير عن تلك المرحلة كلها في واحد من أهم وأجمل أفلامه، هو "عمق الهواء أحمر" (1979)، الذي يعتبر أشبه بمحصلة توليفية لعمليه السياسي والفني، ولكن أيضاً لمسيرة جيل كامل من أصحاب الفكر التقدمي واليساري الفرنسي.

الرجل وزمنه
غير أن "عمق الهواء أحمر" ليس مأثرة ماركر السينمائية الكبرى الوحيدة بالطبع، بل يمكننا هنا أن نضع لائحة في عشرات الأسماء، لكننا سنكتفي ببضعة عناوين فقط، على سبيل المثال خالطين بين شرائط وأعمال تجهيزية، على الطريقة التي كان ماركر يفضلها؛ فمن "بدون شمس"، و"حين تشكل القرن"، مروراً بـ"فيلم صامت"، و"ليلى تهاجم"، و"مختار في كوسوفو"، و"20 ساعة في المعسكرات"، إلى عشرات غيرها من العناوين، تراكم على مدى تاريخ هذا المبدع متن سينمائي/ كتابي/ تصويري/ تجهيزي يمكن اعتباره قريناً صلباً للزمن الذي أبدع فيه.

المزيد من ثقافة