Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ديوك إللنغتون الذي بعثته إدارة جون كنيدي إلى الشرقين الأدنى والأقصى

رحلة الأخذ والعطاء أنتجت انفتاحا واستلهامات موسيقية مدهشة

الموسيقي وعازف البيانو الأميركي ديوك إللنغتون  (أ ف ب)

في العام 1963، وفي عز العهد الانفتاحي على العالم الذي رسمه الرئيس جون كنيدي، أرسلت وزارة الخارجية الأميركية فرقة موسيقية ضخمة هي في الأساس فرقة ديوك إللنغتون لتقوم بجولة تتضمن عدداً غير محدد من الحفلات تقام في أكبر عدد ممكن من المدن الآسيوية، وكان من الواضح من اختيار إللنغتون وفرقته الضخمة والتي كانت تبدو الأكثر تعبيراً عن تلك الموسيقى، أن المسؤولين الأميركيين واثقون أن الشعوب التي سيجول الجاز بين ظهرانيها ستشعر بأنها قريبة منه إلى حد مدهش، الأمر الذي سيخلق نوعاً من التقارب بين الشعوب من طريق الموسيقى.

اغتيال كنيدي

والحقيقة أن الموسيقي الكبير انطلق في جولته بشكل يفوق في نجاحه ما كان متوقعاً لها. وهو لئن كان قد قطع الجولة لاحقاً في بيروت التي كانت بدأت منها، فإنه فعل ذلك بسبب حدث جلل لم يكن متوقعاً، اغتيال الرئيس كنيدي الذي تسبب في حداد عام استدعت الخارجية الأميركية الموسيقي وفرقته على إثره. غير أن ذلك القطع لم يحل بين إللنغتون وتحقيق كثير من النتائج من تلك الجولة، فعدد الحفلات والمدن التي أقيمت فيها كان أكبر كثيراً من عدد تلك التي حرمت منها، حيث إن الفرقة تمكنت من العزف في عشرات المدن، من دمشق إلى عمان فرام الله وكابول ونيودلهي وحيدر آباد وبانغالور وكلكوتا ومدراس ثم رجوعا إلى بغداد بعد مرور في طهران وآخر مميز في أصفهان وعبادان.

 في النهاية كانت جولة ندر أن تمكنت فرقة جاز من القيام بمثلها، بخاصة أن البلدان والمدن التي زارتها وعزفت فيها كانت في ذلك الحين منفتحة على العالم تواقة للنهل من ثقافاته، وحتى إيران كانت في ذلك الحين بلداً يموج بالثقافة والتقدم والانفتاح على الآخر سنوات، قبل أن يخيم الملالي بظلهم الثقيل على هذا البلد.

الوجه الآخر للميدالية

لكن هذا لم يكن سوى وجه واحد من الميدالية، أما الوجه الآخر فكان شيئاً آخر تماماً. كان الأخذ مقابل العطاء. ذلك أن إللنغتون راح وفي كل بلد يزوره يتعرف على الموسيقى والألحان المحلية. راح يكتشف إيقاعات جديدة تشبه إيقاعات الجاز لكنها تضيف إليها الكثير. وفي هذا السياق لا بد من أن نلاحظ الخطأ الكبير الذي سيقع فيه لاحقاً منظمو عمل إللنغتون حين جُمعت تلك التجديدات الموسيقية التي استلهمها الرجل بخاصة من العراق وسوريا وإيران والهند وأفغانستان، ليصدروها في البوم سيعتبر من أهم إبداعات إللنغتون في مراحله الأخيرة، مطلقين عليها عنوان "متتالية للشرق الأقصى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ففي رأي ريتشارد كوك وبرايان مورتون صاحبي الكتاب المرجعي في تاريخ موسيقى الجاز "دليل بنغوين للتسجيلات" (صفحة 405)، كان من الضروري أن يكون العنوان "متتالية للشرق الأدنى"، بالنظر إلى أن القسم الغالب من المقطوعات أتى على علاقة بهذه المنطقة من العالم بدءاً بالمقطوعة الرائعة المعنونة "جبل حريصا" (لبنان) وصولاً إلى التنويع على مدينة أصفهان التي خصها إللنغتون بواحد من أجمل ألحانه على الإطلاق، وصولاً إلى مقطوعات عدة عن الهند واستلهامات لا لبس فيها من الموسيقى الشامية والبغدادية.
وفي الإجمال من بين المقطوعات الـ 14 التي يتألف منها الألبوم، وبينها أربع تطويرات لمقطوعات سابقة في الألبوم نفسه، كان ثمة أربع مقطوعات للشرق الأقصى مقابل تسع للشرق الأدنى، غير أن الأهم من ذلك هو الخطوة التي أقدم عليها سيّد الجاز وملكه في ذلك الحين بخلق ذلك التفاعل المفاجئ بين عالمين موسيقيين لم يشك أحد قبل ذلك في إمكان التقائهما، انطلاقاً من جولة فنية وُظّفت لأهداف سياسية ولكن بالمعنى الشريف لكلمة سياسة!

في خانة الموسيقى الكبيرة

يوم مات ديوك إللنغتون عام 1974، بعد صدور ذلك الألبوم المفاجئ بثمانية أعوام (صدر عام 1966)، شعر أهل الموسـيقى وهواتها في العالم أجمع أن صرحاً من صروح الفن الموسيقي في القرن العشرين قد هوى، فالحال أن ديوك إللنغتون لم يكن مجرد عابر في فضاء موسيقى الجاز، بل كان واحداً من كبار الذين عرفوا كيف يعطونه وثائق حضوره في العالم وشهادات نبله، ولعل أهمية إللنغتون تزداد في نظرنا إن نحن أدركنا أن الرجل عمل، في ما عمل عــليه، على إخراج الجاز من بوتقة الجهد الفردي والفِرق صغيرة العدد، إلى رحابة التوزيع الموسيقي الكبير، بحيث إن قطعة الجاز بين يدي إللنغتون أضحت موسيقى أوركسترالية تعزفها عشرات الآلات الوترية والايقاعية وكأنها سيمفونية من السيمفونيات.
ومن هنا يمكن القول إنه لئن كان معظم رواد الجاز خلال الثلث الأول من القرن العشرين قد جهدوا من أجل إدخال العالم زمن موسيقى الجاز، وجذب الناس للاستماع إليه وتقبله كما هو في عفويته وبراءته معزوفاً من طريق عدد معين من الآلات، وإذا كان رواد الجاز السابقون على ديوك قد أعطوا مكاناً كبيراً للآلات منفردة، فيحلق عازف الترومبيت مبدعاً كما يحلو له (لويس آرمسترونغ مثلاً) وكذلك يفعل عازف الكلارينيت (سيدني بيشيت) أو عازف البيانو (كاونت بيسّي) أو عازف الغيتار (دجانكو)، هذا كي لا نذكر سوى أكبر الأسماء، فان ديوك إللنغتون اختار الدرب الأخرى، الدرب الأصعب، اختار إدخال الجاز نفسه في زمن العالم. كيف؟ بكل بساطة من طريق التعامل مع قطعة الجاز بوصفها قطعة موسيقية يجوز توزيعها على أوركسترا كبيرة ويجوز التعامل معها بوصفها عملاً جماعياً. في هذا المعنى نقول إن موسيقى الجاز ظلت قبل ديوك إللنغتون، وعلى الرغم من كبار مبدعيها الساحرين، تُعتبر موسيقى بدائية وبربرية، لا علاقة لها بالموسيقى الحقيقية، وهي إذا كانت تُحب فإنها تُحب لغرابتها وعفويتها، أما ديوك إللنغتون فقد رأى أن العكس أصح، بخاصة أن كبار الموسيقيين "الكلاسيكيين" من مبدعي بدايات هذا القرن، من أمثال ديبوسي ورافيل وميلو وسترافنسكي، كانوا التفتوا حقاً إلى موسيقى الجاز واهتموا بها، وانعكس هذا الاهتمام في بعض أعمالهم.

لعبة توزيع حقيقي

وكان هذا الواقع هو الذي قاد إللنغتون إلى تحويل لعبة الجاز من لعبة عزف إلى لعبة توزيع حقيقية، واليوم حين نصغي إلى مقطوعات السوينغ بخاصة التي ألّفها إللنغتون أو وزعها وهي من تأليف غيره، نجدنا أمام أعمال كبيرة يمكن بكل بساطة مقارنتها بأعمال سترافنسكي ورافيل.

ومن الطبيعي أن يكون أسلوب إللنغتون قد راق بعضهم وأثار حنق الآخر. وكان من بين أعضاء هذا الفريق الأخير موسيقيون رأوا أن قيمة الجاز تكمن في فرديته وعفويته، فإن فقدهما لم يعد ذا قيمة. غير أن أعمال إللنغتون والإقبال الشديد عليها، خصوصاً استخدام موسيقاه في بعض الافلام الكبيرة، واستعانة كبار المغنين به. كل هذا جعل عمل إللنغتون يبدو الأكثر صحة، وجعل موسيقى الجاز تصبح على يديه جزءاً من التراث الإنساني الكبير يتم التعامل معه لقيمته الفنية وليس فقط لغرابته وتمرده. وفي هذا الإطار كمنت المكانة التي حظي بها ديوك إللنغتون، وجعلت رحيله يُحسُ يوم رحل، بوصفه رحيل موسيقي كبير من موسيقيي زماننا هذا.

تكريم فرنسي لنهاية مجيدة

وفي النهاية كشهادة على هذا لا بد من أن نعود إلى ذلك المشهد الذي كان لافتاً حقاً حين وقف السفير الفرنسي في الولايات المتحدة ذات يوم من مايو (أيار) 1973 ليقول لديوك إللنغتون الذي كان من أوائل الفنانين الأفارقة الأميركيين الذين يُقلّدون واحداً من أرفع الأوسمة الفرنسية، "إنك بوصــفك عازف بيانو، وموزع موسيقى، وقائد أوركسترا ومؤلفاً، تعتبر صاحب نتاج غزير ومهم، لذلك فإننا عبر شخصك، نعمد اليوم إلى توجيه التحية إلى موسيقى الجاز، بسبب المكانة التي تشغلها هذه الموسيقى الأصيلة في مسار الموسيقى المعاصرة، وبسبب القيمة الانسانية المرتبطة بمساهمتها في الثقافة العالمية". الرجل ربع القامة الذي تلقى ذلك التكريم ابتسم في ذلك اليوم بحياء شديد، زاد من حدته أنه كان تعباً مريضاً في ذلك الوقت، هو الذي لن يعيش بعد ذلك سوى عام واحد، إذ قضى عام 1974، وكان بات في الـ 75 من عمره.

المزيد من ثقافة