وفيات مريبة في سجون تركيا... وملف أردوغان الحقوقي موضع مساءلة

الزنازين تكتظ بمئات الآلاف... والسلطات: "لم تعد تكفي ونخطط لبناء 193 سجناً جديداً"... ومنظمات دولية ترصد "حالات وفاة غامضة"... و"الانتحار" حجة تركيا الجاهزة

يواجه أردوغان وحكومته انتقادات مستمرة في حقوق الإنسان (رويترز)

رغم مرور نحو أكثر من 33 شهراً على محاولة الانقلاب الفاشلة بتركيا في منتصف يوليو (تموز) 2016، تواصل السلطات التركية تصعيد حملاتها بين الحين والآخر، لاعتقال الآلاف من قطاعات مختلفة داخل البلاد بدعوى تورطهم في محاولة الانقلاب وصلتهم بفتح الله غولن، المعارض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمقيم في الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يلاقي انتقادات دوليَّة وحقوقيَّة مستمرة، تتجاهلها أنقرة.

وخلال الساعات الأخيرة، سلَّط مقتل الفلسطيني، الذي كان معتقلاً لدى تركيا، زكي يوسف مبارك، الذي قالت السلطات التركية إنه "انتحر شنقاً"، بعد أيام من اتهامه بالتجسس لصالح دولة الإمارات، على حد دعواها، وهو ما نفاه جملة وتفصيلاً شقيقه "زكريا"، قائلاً في تصريحات سابقة إلى "إندبندنت عربية"، إن أخاه "تمت تصفيته من دون أي محاكمة"، يعود مرة أخرى للواجهة أوضاع مئات الآلاف من المعتقلين "سياسياً" في تركيا، الذين تجاوز عددهم ربع مليون شخص، وفق تقديرات رسمية، وسط دعاوى تركية جديدة ببناء عشرات السجون، لاكتظاظ القديمة بالمعتقلين.

مئات الآلاف في السجون التركية
وفق أرقام رسمية تركية، ومنظمات حقوقية دولية، فإن عدد المعتقلين في السجون التركية، جراء الحملة التي شنتها الحكومة منذ الانقلاب "الفاشل" في يوليو (تموز) 2016، تجاوز الربع مليون شخص، ونقل مركز "ستوكهولم للحريات" (مقره السويد) إحصاءات صادرة عن وزارة العدل التركية، قالت فيها إن 260,144 شخص معتقلون في مختلف أنحاء البلاد، مشيراً إلى أن السجون التركية البالغ عددها 385 تشهد اكتظاظاً كبيراً.

وأواخر مارس (آذار) الماضي، أعلنت وزارة العدل التركية أنه يوجد في البلاد 385 سجناً ومركز توقيف، لكنها لم تعد تكفي بسبب اكتظاظها الشديد بالنزلاء، إذ تشير الإحصاءات الرسميَّة إلى أن هناك "حمولة زائدة" تقدر بعشرات الآلاف من النزلاء، مما يؤدي إلى تقلص المساحة المخصصة لكل سجين.

وأدين، خلال الفترة الماضية، ما مجموعه 44,930 شخص بعقوبات بالسجن بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، من بينهم 31,442 سجين سياسي متهمون بالانتماء إلى حركة غولن، إذ تتهم أنقرة الحركة، التي يقودها فتح الله غولن، بتدبير محاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس أردوغان، وهو ما ينفيه باستمرار غولن. وحسب مركز "ستوكهولم للحريات"، فإن تركيا باتت ثالث أكبر دولة في أوروبا من حيث عدد السجناء مقارنة بالسكان.

193 سجناً جديداً
ومع الاعتراف الرسمي في تركيا باكتظاظ السجون بالمعتقلين، أعلنت المديرية العامة للسجون ومراكز الاحتجاز التابعة لوزارة العدل التركية، أواخر الشهر الماضي، أنه تم التخطيط لبناء 193 سجناً جديداً خلال خمس سنوات.

وجاء إعلان مصلحة السجون رداً على المذكرة الاستفهامية، التي تقدم بها نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، محرم أركاك، إلى وزارة العدل، وتساءل خلالها عن عدد مشروعات السجون، التي تم الشروع في بنائها خلال السنوات الخمس الأخيرة، والسجون التي سيتم إنشاؤها حديثاً.

وذكرت مديرية السجون، في ردها، وفق ما نقلته صحيفة "حرييت" التركية، اعتباراً من السابع عشر من ديسمبر عام 2018 بلغ عدد السجون في تركيا 389 سجناً بطاقة استيعابية تبلغ 211 ألفاً و838 سجيناً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضافت أنه من المخطط إنشاء 193 سجناً جديداً خلال الخمس سنوات القادمة بهدف مواجهة الزيادة في عدد السجناء.

وأفادت المصلحة، أنه من بين هذه السجون 126 سجناً في مرحلة الإنشاء، و23 سجناً في مرحلة المناقصة، و35 سجناً في مرحلة المشروع، و9 سجون في مرحلة التخطيط.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى، التي تعلن فيها أنقرة عزمها بناء سجون جديدة، ففي سبتمبر (أيلول) 2016، أعلنت وزارة العدل التركية، عزمها بناء 174 سجناً جديداً في البلاد بسبب نقص الأماكن في السجون على خلفية الاعتقالات الجماعية بعد محاولة انقلاب.

انتهاكات مستمرة في السجون التركية
في الوقت الذي حذَّر فيه ناشطون ومنظمات حقوقية من الأوضاع الصحية المتدهورة للسجناء في بعض السجون التركية المكتظة بالنزلاء، كشف تقرير أصدره مركز "ستوكهولم للحريات" في 24 أبريل (نيسان) الجاري، عن عدد من التجاوزات غير القانونية، التي يعاني منها السجناء في تركيا، من بينها منعهم من إجراء أي نوع من الاتصال مع أسرهم أو أصدقائهم أو محاميهم.

وقال تقرير المركز، "لمدة 565 يوماً، منعت السلطات التركية الأعضاء المشتبه في انتمائهم إلى حركة غولن، من إجراء الاتصالات بمختلف أشكالها، بما فيها الرسائل البريدية"، مضيفاً أنه "تم تسجيل هذه المعطيات في سجن سيليفري بمدينة إسطنبول".

وأشار المركز إلى وثائق تفيد بأن "كبير المدعين العامين في إسطنبول أمر إدارة السجن يوم 12 أغسطس (آب) 2016 بحظر قنوات الاتصال، بما فيها رسائل البريد والفاكس بين أعضاء حركة غولن وأفراد أسرهم وأصدقائهم ومحاميهم"، وهو ما دفع العشرات من السجناء إلى تقديم شكاوى يرفضون فيها هذا الإجراء، الذي وصفوه بـ"غير القانوني"، والصادر من دون "أي مبرر".

كما سلط "مركز ستوكهولم للحريات" في أحد تقاريره، الذي حمل عنوان "حالات وفاة مريبة وانتحار في تركيا"، الضوء على تنامي أعداد "الوفيات الغامضة" في السجون ومراكز الاحتجاز التركية، بسبب التعذيب.

وقال المركز إن 120 حالة وفاة وانتحار مشبوهة على الأقل سجلت بين المعتقلين في تركيا خلال العامين الأخيرين، إذ صنفت السلطات التركية تلك الحالات على أنها "انتحار"، من دون تحقيقات مستقلة. وهو ما حاولت "إندبندنت عربية" التواصل مع مسؤولين أتراك، للرد بشأنه، لكن من دون استجابة.

أطفال في السجون
حسب تقرير جمعية حقوق الإنسان التركية في تقريرها لعام 2018، فإن السجون التركية تضم 743 طفلاً، بجانب أمهاتهم، فيما اعتبر تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، أن وجود معتقلات قبل الوضع بفترة قصيرة أو بعده مثير للقلق.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ذكر تقرير لصحيفة "زمان" التركية، المعارضة، أن هناك عدداً من المعتقلات السيدات في السجون التركية، ويرافقهن أطفالهن، الذين لم يتجاوز أعمارهم العام والعامين، مشيرة إلى حالة سيدة تدعى زليخة محمد عقيل، التي اعتقلت وزوجها محمد عقيل كاراداش، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، بتهمة تقديم الدعاية والدعم لتنظيم "حزب العمال الكردستاني" والانتماء إليه، ودخلت الأم مع طفلتها إلى السجن، بينما لم تتجاوز عامها الأول.

الانتقادات الدوليَّة تتواصل
وفي الوقت الذى تتواصل فيه الانتقادات الدولية والحقوقية لاستمرار أنقرة تصعيد حملاتها لاعتقال الآلاف في تركيا، تواصل السلطات التركية من جهتها حملاتها، من دون "الالتفات إلى الانتقادات".

وانتقدت دولٌ غربية عدة، والاتحاد الأوروبي، الإجراءات السياسية والقانونية التي اتخذتها الحكومة التركية ضد معارضيها عقب محاولة الانقلاب، وحثتها على احترام مبادئ الديموقراطية وسيادة القانون.

وأمس شجبت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا وأوروبا قيام الأمن التركي، بما سمَّته "تعذيب" المعتقل الفلسطيني زكي يوسف مبارك، حتى الموت، عقب اتهامه بالتجسس من دون تقديم أي أدلة من قبل السلطات التركية.

وطالبت المنظمة المقرر الأممي الخاص بالتعذيب بإرسال لجنة لفحص جثة المعتقل، داعية إلى عدم دفن جثة المتوفى من دون إجراء تشريح محايد من قبل الأمم المتحدة.

وقبل أسابيع، قالت منظمة العفو الدولية ومنظمة "صحافيون بلا حدود"، و8 جماعات تركية معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، في بيان مشترك، إن "حملة القمع المتصاعدة وتجريم جمعيات المجتمع المدني في تركيا يجب أن تنتهي"، وهو ما تزامن مع إعلان الممثلة الأعلى للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية للاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، إن "اتهام سجناء أتراك من دون أدلة يطرح تساؤلات بشأن احترام القضاء التركي المعايير الدولية والأوروبية".

وقالت موغيريني أيضاً، إن "الأحكام المتواصلة  ضد الصحافيين والإعلاميين في تركيا تناقض مبادئ حرية التعبير والإعلام، التي هي حجر أساس أي مجتمع ديموقراطي". كما أكدت أن "اعتقال صحافيين وبرلمانيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وجامعيين، غالباً من دون اتهامات لممارسة الحق الشخصي والمهني في حرية التعبير، لا يتطابق مع واجبات تركيا".

وحسب تقرير عام 2018، للجنة حماية الصحافيين من مقرها في نيويورك، والصادر أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فإن تركيا تحتل المرتبة الأولى في العالم من حيث سجن الصحافيين والإعلاميين، وذلك بواقع أكثر من 68 صحفياً، من بين 251 صحفياً معتقلين حول العالم. إذ تتهمهم السلطات بـ"ممارسة أنشطة معادية للدولة"، والانضمام إلى "جماعات إرهابية".

ووقّعت تركيا على المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، وهي عضو في مجلس أوروبا، إلا أن ما تقوم به تركيا تجاه الصحافيين والمعارضين، يعد من وجهة نظر المؤسسات الأوروبية انتهاكاً للمعاهدة.

وتواجه تركيا احتمالات إنهاء مفاوضات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، المجمدة أصلاً؛ بسبب مخالفاتها المعايير الأوروبية وسجلها في مجال حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، فضلاً عن الملف المتعلق برفض أوروبا التعديلات الدستورية، التي قادت إلى الانتقال إلى النظام الرئاسي في تركيا بدلاً عن النظام البرلماني.

المزيد من سياسة