"داعش" يستدعي صقر قريش... ويبحث عن طوق نجاة في "بوركينا فاسو"

"البغدادي" يعود إلى القاعدة شكلاً ومضموناً... ويُسقط إيران من حساباته

أظهر فيديو بثه تنظيم داعش لزعيمه أبي بكر البغدادي تحولاً جديداً في استراتيجية التنظيم وملامح تصوره للمرحلة المقبلة بعد هزيمته في سوريا والعراق، إثر اجتياح آخر معاقله في مدينة باغوز، واقتياد آلاف من مقاتليه ونسائه وأطفاله إلى السجون والمخيمات.

وحاول البغدادي في ظهوره الثاني أن يبدو متماسكاً. وعلى الرغم من أهوال الاستئصال الذي مُني بها تنظيمه، فإن مضامين خطابه كشفت عن "قلة حيلة" لا يمكن إخفاؤها، فالرجل الذي كان بالأمس يحكم مدناً وأقاليم استراتيجية، يخرج هذه المرة ليطلب الغوث من ثلاث مجموعات تقطن أكثر دول العالم فقراً في مالي وبوركينا فاسو وسيرلانكا، ويتوسل إليها أن تأخذ بثأر أعدائه!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يكن البغدادي الذي استدعى كل قديم في التراث الفقهي من السبي والجزية والغزو، يأتي بجديد مبتكر هذه المرة، سوى أنه عاد أكثر انسجاماً في الرؤية والاستراتيجية مع تنظيم القاعدة، الذي استنسخه شكلاً ومضمونا في إطلالته الأخيرة، واستدعائه تجربة قديمة لصقر قريش، حين قلب البغدادي وجهته إلى الصحراء الكبرى بحثاً عن طوق نجاة لرجاله وتنظيمه، مثلما يعرف الكثيرون حتى قبل ظهوره ممن لا يعتبرون هزيمة داعش في منطقتها تعني نهاية خطر التنظيم.

بوكينا فاسو عوضاً عن بغداد

وإذا كان عبدالرحمن الداخل الذي لُقب بـ"صقر قريش"، هرب بعد انهيار حكم بني أمية في الشام إلى المغرب ثم الأندلس ليؤسس تاريخاً لا يزال يثير الفخر، فإن نهج البغدادي كان على النقيض. غير أن مقاتلي داعش الذين تدربوا على خوض حروب دموية حتى قبل انهيار التنظيم في الشرق الأوسط، لا بد أنهم سيبذلون قصارى الجهد في استعادة أمجاد خلافتهم المزعومة أيضاً على أي نحوٍ كانت، فإن كانت بغداد أو روما بعيدتا المنال، فلم لا تكون في بوركينا فاسو ومالي وتشاد والنيجر الهشة، وأخواتها؟ على طريقة امرئ القيس الشهيرة "إن لم تكن إبلاً فمعزى"، والجود من الموجود.

لكن لحسن حظ البغدادي، فإن مجاميع المتطرفين في الصحراء الكبرى من جمهورية مصر شرقاً إلى المملكة المغربية غرباً، ستحاول ما استطاعت أن تلبي نداءه، فهذا ما اعتادت أن تفعله حتى قبل أن يعلن ميلاد تنظيمه، خصوصاً في المنطقة الواقعة بين شمال مالي والنيجر وليبيا والجزائر وموريتانيا، حيث اكتسبت القاعدة وجماعات التهريب العابرة للقارة خبرة هنالك، مستفيدة من هشاشة الوضع الأمني، وخلو مساحات شاسعة في الصحراء من أي أثر للسلطة أو العيش والتنمية، وهو المناخ الذي تلقى فيه المجموعات خارج القانون ملاذاً مناسباً لإعادة تنظيم صفوفها والتدريب والحفاظ على أسرى دول يمكن مساومتها مالياً أو عسكرياً.

وكان الكاتب الليبي عبدالرحمن شلقم تساءل "هل ستكون منطقة الساحل والصحراء هي الأرض التي سيتجه إليها آلاف الإرهابيين الهاربين من العراق وسوريا؟ وهل ستكون مالي هي الرقة الأفريقية التي يعيد فيها «داعش» تأسيس دولته التي زالت في العراق وسوريا"؟

وأكد في مقالة نشرها قبل يومين من ظهور البغدادي أن "ما شهدته مالي في الأيام القريبة الماضية من مذابح مرعبة لا يمكن اختزاله في صِدام قبلي على خلفية خصومات قديمة موروثة، أو نزاع على مساحات المراعي وثارات قبلية. الدم في هذه الأرض ستتعدد ألوانه مثلما كان في أرض أطلق عليها الإرهابيون في المشرق العربي الدولة الإسلامية".

بينما يعتبر الناشط الصحافي حسين أغ عيسى أن "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي والتي يقودها الدبلوماسي المالي الأسبق إياد أغ غالي، تعلن مسؤوليتها عن هجوم غيري- نارا الذي وقع قبل أيام وسط مالي، وقالت بأنها أسرت اثنين من جنود الجيش وقتل أربعة من مقاتليها، مضيفة أن الهجوم جاء انتقاما لمجزرة أوغوساغو"، مشيراً في متابعاته اليومية وهو المتخصص في الحركات المسلحة في الساحل الأفريقي، إلى أن نشاط التنظيمات المسلحة تطوّر على نحوٍ لم يكن معهوداً منذ تدخل القوات الفرنسية في البلاد 2012.

وكان تنظيم داعش بزعامة عدنان أبو الوليد الصحراوي، الذي أثنى البغدادي على بيعته، أعلن تحالفه مع تحالف آخر تقوده جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة للقاعدة بزعامة أغ غالي لمنع انتشار القوة التابعة لدول الساحل الخمس (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد، موريتانيا) في المنطقة، إلى جانب القوة التابعة للأمم المتحدة وفرنسا في شمال مالي.

هل توفر طهران ملجأ لرجال داعش أيضاً؟

ومن الصحراء التي تحالفت فيها التنظيمات المسلحة، المنتمية لكل من داعش والقاعدة، يمكن فهم التحول الذي طرأ على خطاب داعش، الذي بدا وكأنه أصبح هو والقاعدة شيئاً واحداً، فهذا الرشاش إلى جانب البغدادي، والأناشيد تعود للتحريض بجرس القاعدة نفسه، وكذلك الاستراتيجية القائمة على عولمة الجهاد والدولة الافتراضية والخلايا المتعددة، أكثر من الاهتمام ببناء كيان دولة له مقر ثابت وأسلوب تقليدي في إدارة السلطة.

وكما تغفل القاعدة في خطاباتها واستهدافها إيران إثر التفاهم السائد بين الطرفين والمصالح المتبادلة، سرى البغدادي على النهج نفسه على الرغم من لعب إيران دوراً معترفاً به دولياً في محاربة التنظيم في العراق.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً لمعرفة الطريقة التي ستدير بها طهران هزيمة داعش قرب حدودها الجغرافية، إلا أن نهجها السابق في التعاون مع القاعدة يجعل تعاونها مع تنظيم البغدادي في بعض الملفات غير مستبعد، خصوصاً في جانب استضافة شخصيات أو رموز ذات قيمة يمكن المساومة بها في أي مفاوضات أو قرارات مع الغرب، إذ جربت القاعدة جدوى دبلوماسية الرعب مع دول عدة ونجحت أحياناً في تخفيف الضغط على مقاتليها وتحقيق بعض المكاسب، تمكنت بفضلها من استعادة بعض مقاتليها في إيران على سبيل المثال، وحمل ألمانيا على سحب جنودها من أفغانستان، على حد ما تزعم الوثائق التي تركها بن لادن.

سؤال التوقيت الحرج؟

وكان لافتاً في هذا الصدد، قراءة معظم المعلقين العرب توقيت ظهور البغدادي بعين الشك، ليس فقط من جانب الجمهور العام، ولكن أيضاً من الاختصاصيين والكتاب والمفكرين، إذ ربط رئيس تحرير الزميلة الشرق الأوسط غسان شربل، بين ظهور البغدادي وتهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز، قائلا "يوم شرق أوسطي بامتياز. بدأ بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز وانتهى بإطلالة البغدادي. الرجاء ربط حزام الأمان"، بينما اكتفى المفكر السعودي عبدالله الغذامي بإعادة تغريدة، تشير إلى مضمون مماثل، يؤكد أن "توقيت ظهوره (البغدادي) في هذا الوقت بالذات مع جدّية الإدارة الأميركية بتطبيق عقوباتها على إيران وموعد بداية تصفير تصدير نفطها، يجلب الريبة والشك. لمصلحة مَنْ يعمل البغدادي؟ هل للأميركان أم لإيران وحزب الله؟".

في العراق الأكثر احتكاكاً بالبغدادي وإيران، يسخر سفيان السامرائي من انتقائية الخطاب ووقته، مؤكداً أن "البغدادي المجرم ربيب الحرس الثوري الإيراني الإرهابي والمخابرات السورية يدعو لمهاجمة كل الدول العربية السنية والغربية إلا إيران، طبعا لأنه حريص كل الحرص، حيث مقر أوكار داعش وقيادتها في سراديب قم وطهران، سيعرف العالم هذه الحقيقة بعد أن يتم القبض على هذا الإرهابي قريبا". ولم تعلق وكالة فارس للأنباء التابعة لإيران حتى كتابة هذا السطور على إطلالة زعيم داعش.

 أما رجل الدين الشيعي محمد علي الحسيني المعروف بمناوأته لحزب الله وإيران، فكان أكثر صراحة، إذ قال "داعش صنيعة سجون المالكي، وإنتاج النظام الإيراني بالأدلة والاعترافات والوقائع. داعش استخدمته إيران في العراق وسوريا، وداعش الذي أخرجه "حزب الله" في باصات خضراء مكيفة. إيران وبعد قرب العقوبات الاقتصادية عليها تظهر من جديد ورقتها، البغدادي، لتـُـلوِّح به بوجه العرب. وصلت الرسالة".

 

 

المزيد من سياسة