Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استمرار حرب تبادل الطرد الدبلوماسي الأوروبي – الأميركي مع موسكو

سفير واشنطن يغادر موسكو بناء على "توصيتها" وتشيكيا تقرر طرد 78 دبلوماسياً روسياً

حدة التوتر التي خيّمت على الأوساط الدبلوماسية في العاصمة الروسية ما زالت عند سخونتها (أ ف ب)

لم تكد وتيرة التصعيد بين موسكو وواشنطن تخفت، في أعقاب اعلان الرئيس الأميركي جو بايدن عن عقوبات بلاده ضد موسكو بما فيها طرد 10 دبلوماسيين من السفارة الروسية في واشنطن، ورد موسكو على نحو مماثل، حتى اشتعلت الكثير من الأزمات الجديدة على ذات الصعيد، وشملت كلاً من أوكرانيا وبولندا وتشيكيا، في ظل تضامن بلدان شرق أوروبا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

مسلك دبلوماسي

وكانت السلطات الروسية سلكت "مسلكاً دبلوماسياً" رفع من حدة ردها على الولايات المتحدة، حين بادرت إلى استدعاء سفيرها في واشنطن بحجة "التشاور"، في ذات الوقت الذي استدعت فيه السفير الأميركي جون سوليفان إلى الكرملين وليس إلى الخارجية الروسية، لتُوصِيه "بالسفر الى واشنطن أيضاً للتشاور" وهو ما يعني عمليا اتخاذ قرار "طرده"، وإن لم تفصح صراحةً عن ذلك.

وعلى الرغم من أن السفير الأميركي تململ كثيراً أمام هذا الطلب الذي أبلغه إياه يوري اوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي للشؤون الخارجية، وحاول عدم تعجل السفر وإرجاء موعد رحيله لما يقرب من الشهر، إلا أنه نزل عند إرادة موسكو وغادر مقر عمله قاصداً واشنطن في يوم الخميس 22 أبريل (نيسان) الحالي، وهو ما حرصت موسكو على تغطيته إعلامياً على نحو يؤكد ما صاحب الأمر من "شبهات وتفاسير".

في المقابل، حاول الجانب الأميركي التهوين من أبعاد تلك الخطوة بالتأكيد المستمر على أن "مغادرة السفير الأميركي لموسكو لن تطول كثيراً وهو سيعود قريباً إلى مقر عمله". أما الجنرال أناتولي انطونوف، السفير الروسي في واشنطن فقررت موسكو الإبقاء عليه في روسيا منذ وصلها في 21 مارس (آذار) الماضي، "من أجل المزيد من التشاور"، على حد تعبير السلطات الروسية.

كما أن حدة التوتر التي خيّمت على الأوساط الدبلوماسية في العاصمة الروسية، ظلت عند سخونتها على وقع اشتعال أزمة القبض على القنصل العام لأوكرانيا في سان بطرسبورغ بتهمة التجسس، لدى تسلمه "قاعدة بيانات" قالت أجهزة الاستخبارات الروسية إنها من صميم أسرار أجهزتها الأمنية، وهو ما أعقبه إعلان بولندا قرارها طرد ثلاثة دبلوماسيين روس، الأمر الذي ردت عليه موسكو بالمثل.

وكانت روسيا تبادلت مع بولندا وألمانيا والسويد في نهاية العام الماضي، طرد ثلاثة من الدبلوماسيين، على خلفية مشاركة دبلوماسيين من تلك الدول الثلاث في التظاهرات غير المرخص لها تأييداً للمعارض الروسي ألكسي نافالني. 

مشاركة تشيكية

ولم تتوقف الحرب الدبلوماسية عند هذا الحد، إذ سرعان ما أعلنت السلطات التشيكية عن طرد 18 دبلوماسياً روسيا من براغ بحجة توافر أدلة دامغة لديها على انتماء عدد كبير منهم إلى أجهزة المخابرات الروسية، وكذلك الاستخبارات العسكرية.

وفيما قالت السلطات التشيكية بتورط دبلوماسيين روس من عناصر المخابرات العسكرية الروسية في حادث تفجير مستودع للذخيرة في شرقي تشيكيا، كشفت عن معلومات تقول بوجود شبهات تحوم حول روسيَين تتطابق المعلومات بشأنهما مع بيانات تقول أجهزة المخابرات الغربية إنها تتعلق بعميلَين روسيَين من المتورطين في حادث "تسميم" ضابط المخابرات الروسية السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا عام 2018.

ولم يمض الكثير من الوقت حتى أعلن رئيس الحكومة التشيكية أندريه بابيتش إلغاء زيارته الرسمية المقررة إلى موسكو. وتتوالى الخطى صوب مزيد من التصعيد، حيث أعلنت سلطات العاصمة التشيكية عن مطالبتها السفارة الروسية في براغ بتسليم مساحات كبيرة من الأراضي الملحقة بالسفارة كانت ضمتها إلى الأراضي المجاورة لها منذ أحداث "ربيع براغ" في عام 1968، واتخذتها ساحة لمخيماتها، وحدات روسية شاركت في غزو العاصمة التشيكية إبان تلك الاحداث.

وبالمثل، أعلنت الخارجية الروسية عن احتمالات ان تتخذ من جانبها خطوات مماثلة، تتعلق بالعديد من المقار التابعة للسفارة التشيكية في قلب العاصمة الروسية. 

فهل من رشيد يوقف كرة الثلج التي تواصل تدحرجها على نحو غير مسبوق في علاقات البلدين؟ 

سؤال يتردد على شفاه الكثيرين في العاصمة الروسية، ويعيد إلى الأذهان ما سبق واتخذته واشنطن وحلفاؤها ضد الدبلوماسية الروسية قبيل انتهاء فترة الولاية الثانية للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وهو ما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رد عليه في يوليو (تموز) 2017 بطرد 755 دبلوماسياً أميركياً.

وإذا كانت موسكو اتخذت قراراتها هذه المرة رداً على العقوبات الأخيرة التي أعلنها الرئيس الأميركي جو بايدن، على نحو يتسم أكثر بالهدوء، فإنها تنحو منحىً مغايراً في ما يتعلق بما تتخذه من قرارات رداً على السلطات التشيكية، وإن كانت بادرت بإعلانها عن طرد 20 دبلوماسياً تشيكياً من موسكو باعتبارهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم، إلى جانب منع مواطنيها من العمل في أي من الممثليات الدبلوماسية التشيكية في روسيا، مستهدفةً عملياً وقف ماكينة العمل في هذه المؤسسات.

ومن هنا كان إعلان السلطات التشيكية عن نواياها طرد 60 دبلوماسياً روسياً من براغ، تطبيقاً لمبدأ مساواة تعداد العاملين في كل من السفارتين التشيكية في موسكو والروسية في براغ. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعقد يان ياماتشيك نائب رئيس وزراء التشيك، وزير الداخلية مؤتمراً صحافياً قال فيه إن "الحكومة التشيكية تنوي ترفع السرية عن الوثيقة الخاصة بتورط الأجهزة الأمنية الخاصة في تفجير مستودع الذخيرة شرقي تشيكيا"، مؤكداً في الوقت ذاته أن السلطات التشيكية لن تزود روسيا بكل المعلومات المتعلقة بالتحقيق "لأسباب تتعلق بالأمن القومي".

ومن جانبه أعلن مجلس الشيوخ في تشيكيا أن ما قامت به المخابرات العسكرية الروسية على حد تأكيد السلطات التشيكية، من تخريب وتفجيرات في شرقي تشيكيا هو "عمل من أعمال إرهاب الدولة ضد دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فهو ضد الاتحاد الأوروبي بأكمله"، فيما طلب رفع الأمر إلى مجلس الأمن الدولي ومناقشته في كل مؤسسات حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، إلى جانب طلب التعويضات المناسبة من روسيا واستبعادها من العطاءات الخاصة ببناء محطات الطاقة النووية والبنية التحتية الحيوية الأخرى.

أما ياكوب كولجانك وزير الخارجية التشيكي الجديد، فطالب بإعادة جميع الدبلوماسيين الذين أعلنتهم السلطات الروسية أشخاصاً غير مرغوب فيها إلى مقار عملهم في موسكو، واعتبر ذلك شرطاً تقوم تشيكيا في حال عدم تنفيذه بطرد 60 آخرين من أعضاء السفارة الروسية، بما يفي بتساوي عددهم مع عدد أعضاء السفارة التشيكية في موسكو. وذلك ما سخرت موسكو منه وأدانته رافضةً "مثل هذه الأساليب". 

تضامن دول البلطيك

وفيما تتواصل الضربات والضربات المضادة بين كل من موسكو وبراغ، دون أن تتضح بعد آفاق ما يمكن أن يمضي إليه كل من الطرفين، تعلن بلدان البلطيق وعدد من بلدان شرق أوروبا عن مواقفها من هذه الأزمة. فبينما أعلنت رئيسة سلوفاكيا سوزانا تشابوتوفا عن أن بلادها تتابع بالكثير من الاهتمام ما تقوم به الأجهزة الأمنية الأجنبية من أعمال في المنطقة، وصفتها بالتخريبية، أعربت كل من ليتوانيا وبولندا عن دعمهما للإجراءات التي تتخذها جمهورية التشيك لطرد موظفي السفارة الروسية. 

ومن جانبها أعلنت الولايات المتحدة عن دعمها لما اتخذته تشيكيا من قرارات وصفتها بأنها "إجراءات حازمة رداً على الإجراءات الروسية التي تهدد سلامة الأراضي أو أمن الطاقة أو البنية التحتية الحيوية لحلفاء واشنطن وشركائها". وفيما كشفت عدد من بلدان البلطيق عن أنها تفكر في ما يمكن أن تتخذه من قرارات في هذا الصدد، أعلن توماس هادريك إلفيس الرئيس السابق لإستونيا عن اقتراحه منع المواطنين الروس مؤقتاً من دخول دول الاتحاد الأوروبي. اما المفوضية الأوروبية فأعلنت تضامنها الكامل مع موقف جمهورية التشيك بشأن طرد الدبلوماسيين الروس.

ومن اللافت في هذا الصدد أن كل ما جرى ويجري على صعيد رفع وتيرة "المواجهات الدبلوماسية"، جاء مواكباً، وفي أعقاب ما يجرى من تصعيد للموقف على الحدود الروسية - الأوكرانية، وما جرى ويجري من اتصالات ثنائية ومتعددة الأطراف الإقليمية والدولية. وكانت موسكو أعلنت عن مناورات واسعة النطاق في حوض البحر الأسود يشارك فيها عدد من أهم سفن الأسطول الروسي وأسراب المقاتلات والمنظومات الصاروخية التابعة للمنطقة العسكرية الجنوبية، المتاخمة للحدود مع كل من اوكرانيا وجورجيا. 

وتوقف المراقبون تحديداً عند ما أعلنته السلطات الروسية حول حظر الرحلات الجوية فوق أجزاء من شبه جزيرة القرم والبحر الأسود. وذلك في وقت مواكب للقاء الذي جرى بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والبيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو وحرصت وسائل الإعلام الروسية على تغطيته إعلامياً بشكل ملفت، ولا سيما في ما يتعلق بإبراز ما قاله الرئيس بوتين تأكيداً لارتياحه لما أحرزه الجانبان من تقدم على صعيد "بناء الدولة الاتحادية" بين روسيا وبيلاروس.

وتلك كلها مؤشرات عميقة المغزى واضحة الدلالات، وثمة مَن يقول إنها تتضمن ما تريد موسكو أن ترسله من رسائل إلى خصومها وأصدقائها على حد سواء، في مثل هذا التوقيت بكل ما يتسم به من اضطراب وتوتر.

المزيد من تقارير