Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تشاد تدخل فصلا جديدا من الصراع على السلطة

ابن رئيس البلاد المقتول شكل مجلساً انتقالياً برئاسته بعد وفاة والده المفاجئ

فاجأ خبر مقتل رئيس دولة تشاد إدريس ديبي المتابعين على الرغم من توقع اندلاع أحداث مسلحة بعد إعادة انتخابه رئيساً للمرة السادسة. وفي حين اختلفت الآراء في من يقف وراء العملية، يبقى الشعب التشادي أول من يدفع ثمن فوضى الصراع على السلطة.

نجل الراحل رئيساً للدولة؟

وفي ظهور غير معتاد، أشار القائد الأعلى للقوات المسلحة، محمد إدريس ديبي، رئيس المجلس العسكري الانتقالي الذي تأسس بعد وفاة والده إدريس ديبي إتنو، إلى أنه سيتولى مهام رئيس جمهورية تشاد، بحسب الميثاق الانتقالي الذي يلغي العمل بالدستور السابق، كما تم تعيين 15 جنرالاً آخرين قريبين جداً من الرئيس الراحل في المجلس الانتقالي المسؤول عن تسيير المرحلة المقبلة إلى غاية إجراء انتخابات حرة وديمقراطية.

وخلال فترة 18 شهراً الانتقالية، يرأس النجل محمد إدريس ديبي، بصفته رئيس الدولة، مجلس الوزراء ولجان الدفاع الوطني العليا، كما يقوم بإقرار القوانين التي يعتمدها أعضاء المجلس الانتقالي البالغ عددهم 69، والمعينين مباشرة من قبله، مع إعفاء أفراد الجيش المكلفين في الحكومة الانتقالية من أي وظيفة عسكرية.

واتخذ المجلس جملة من القرارات بدأها بتعليق العمل بالدستور وحل الجمعية الوطنية (البرلمان)، وأعلن الحداد لمدة 14 يوماً، وأغلق الحدود البرية والجوية حتى إشعار آخر، وفرض حظر تجول ليلي، وأوضح أن مراسم تشييع جثمان ديبي ستجري غداً الجمعة في العاصمة نجامينا.

طمأنة الخارج

في غضون ذلك، التقى نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي الجنرال جايمادوم تيرينا، بممثلي السلك الدبلوماسي والبعثات الأممية في تشاد، وأبلغها عدم نية الجيش التمسك بالسلطة، وقال إن قوات الدفاع والأمن لا ترغب في الاحتفاظ بالحكم، وأن المجلس سيسلم السلطة إلى المدنيين، وينظم انتخابات حرة وديمقراطية في مدة أقصاها 18 شهراً، بحسب ميثاق المجلس، مضيفاً أن "الحرب التي خاضها مشير تشاد، وضحى بحياته فيها، لم تنته بعد".

وشدد على أن الأوضاع ما زالت خطرة في ظل التهديدات المتكررة والهجمات الإرهابية، وختم أنه "من أجل الدفاع عن تشاد، والعمل حتى تهدأ الأمور وتتحسن الأوضاع، فإن قوات الدفاع والأمن أخذت زمام المبادرة، وتحملت المسؤولية أمام التاريخ".

تهديد 

ولاحت بوادر صراع عنيف على السلطة بعد تهديد المتمردين بخلع رئيس المجلس الانتقالي، وهم على بعد مسافة قصيرة من العاصمة نجامينا، وقالوا في بيان حمل شعار "جبهة التغيير والوفاق"، إن "تشاد ليست مملكة، ولا يمكن أن يكون هناك انتقال للسلطة بين الأسر الحاكمة في بلادنا".

وتختلف الآراء حول من يقف وراء الاغتيال، بين اتهام المتمردين وبين من أقحم فرنسا، حيث قال المتحدث العسكري باسم الجيش التشادي، إن الرئيس لقي حتفه خلال زيارة للخطوط الأمامية للمعركة ضد الجماعة المتمردة المتمركزة بجنوب ليبيا، على الرغم من أنهم عبروا الحدود إلى بلدهم تشاد يوم الانتخابات الرئاسية في 11 أبريل (نيسان) الجاري.

المفارقة

وفي السياق، يعتقد أستاذ العلاقات الدولية والباحث في الشؤون الأفريقية مبروك كاهي، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن الغموض لا يزال يكتنف الوضع باعتبار أن إعلان مقتل الرئيس جاء من جهة واحدة وهي المؤسسة العسكرية وليس مؤسسة الرئاسة، و"هنا المفارقة"، مشيراً إلى أن حركات التمرد لم تهدأ قرابة عقد من الزمن، لكن في السنتين الأخيرتين تصاعدت الضغوط من قبل معارضين مستفيدين من الوضع الهش في ليبيا، ومن جماعة "بوكوحرام" من الشرق، ومن بعض القبائل الشرقية المتاخمة لحدود دارفور. 

ويقول إن الأزمة اشتدت عندما قرر ديبي الانسحاب من التحالف العسكري الذي تقوده فرنسا تحت تبرير محاربة الإرهاب في الساحل، "وهو القرار الذي أغضب باريس على اعتبار أن تشاد تشارك بأكبر تشكيل عسكري".

ويضيف كاهي أن معارضة الشمال ترفع مطالب تنموية والعدالة بين الشمال المهمش والجنوب المستحوذ على الثروة، وهي ترفض القبضة الحديدية التي كان يحكم بها ديبي تشاد، وكذا تمكين أفراد قبيلته من السلطة والجيش، كما تتهمه بجعل البلاد دولة وظيفية تنفذ الأجندات الغربية، مستفيداً من الدعم الفرنسي وبعض القوى الأجنبية.

بلد نفطي وفقر مدقع 

لم تنقطع المواجهات بين النظام والمتمردين منذ استيلاء الرئيس الراحل على السلطة عام 1990، وأهمها ما وقع في فبراير (شباط) 2008 حين وصلوا إلى أبواب القصر الرئاسي قبل صدهم بدعم فرنسي، والآخر الذي وقع أوائل عام 2019، أثناء محاولتهم التوغل نحو العاصمة نجامينا، قبل تعرضهم لضربات جوية فرنسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويبلغ عدد سكان تشاد البلد النفطي الفقير، 16 مليون نسمة، يمثل المسلمون 53 في المئة منهم، و35 في المئة من المسيحيين، ويقيم على أراضيها أكثر من 450 ألف لاجئ فروا من دارفور، وبينما يؤمن النفط الذي تنتجه البلاد منذ عام 2003 ما يقارب 40 في المئة من إجمالي الناتج الداخلي وأكثر من 60 في المئة من عائدات الدولة، يعيش نحو 42 في المئة من السكان تحت عتبة الفقر، كما يموت فيها طفل من كل 5 قبل عامه الخامس، وفق البنك الدولي.

اقتسام مقدرات البلاد

ويرى أستاذ العلوم السياسية المهتم بالشؤون الأفريقية، عبد الوهاب حفيان، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن الميليشيات المعارضة التي تعيش على حواشي العاصمة نجامينا، لطالما خاضت معارك كر وفر مع النظام، بخاصة بعد صفقة "إش دو زويي" التي انتهت بالإفراج عن رهائن فرنسيين مقابل دحر القوات الفرنسية للميليشيات إلى خارج أطراف العاصمة.

وقال إن الميليشيات المعارضة التي تنتمي لقبائل "التبو" المهمشة تتجه إلى أن تكون مدعومة من فرنسا لتلعب دوراً جديداً من خلالها، بعد أن أصبحت دول الجوار منكفئة على نفسها حالياً، مشيراً إلى أن هذه المعارضة تطالب بأن تكون شريكة في اقتسام مقدرات البلد مع القبائل الموالية لديبي.

نسف النهج المؤسسي

من جانبه، يعتبر الباحث النيجري في الشؤون الاستراتيجية المتخصص في الأمن الأفريقي، إدريس أيات، أن الأجواء السياسية المشحونة في تشاد، ناتجة من تمرد "جبهة الوفاق من أجل التغيير في تشاد"، بقيادة الدكتور محمد مهدي علي، المنتمي لإثنية "القرعان" المتمركزة شمال البلاد، وقد اندلع يوم 11 أبريل 2021 غداة الانتخابات الرئاسية.

وقال إنه في ظلّ امتزاج التمرد بالاستياء السياسي للقوى الشعبية، استغلت المعارضة المسلحة الظروف وزحفت من الجنوب الليبي حيث استقرت، إلى شمال تشاد في إقليم "تيبستي" ثم إقليم "كانم" غرب البلاد، لكن الجيش التشادي بقيادة الرئيس السابق إدريس ديبي، سعى إلى إخضاع الإقليمين لسيادة الدولة مجدداً، ما أفضى إلى معركة دامية في إقليم "كانم" مساء السبت ونهار الأحد تاريخ 17- 18 أبريل 2021، حيث أصيب الرئيس بجرح بليغ توفي على إثره. 

ويواصل أيات، أنه بينما تنص المادة 81 من الدستور التشادي على أن يكون رئيس البرلمان خليفة رئيس البلاد في حالة الوفاة أو مرض يفقده الأهلية، إلا أن النجل محمد ديبي، شكل مجلساً عسكرياً انتقالياً ناسفاً بذلك النهج المؤسسي لانتقال السلطة، مضيفاً أن تحييد رئيس البرلمان هارون كابادي، المنحدر من الجنوب وإثنية "سارا"، يرجع لأنه جنوبي، "إذ نجد حساسية لدى الشماليين تجاه حكم الجنوبي لما عانوه تحت حكم الرئيس فرانسوا توومبالباي من اضطهاد سياسي واجتماعي"، وأيضاً لكونه لا ينتمي لإثنية ديبي "الزغاوة" المتشبثة بمقاليد السلطة.

المزيد من تقارير