Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أولاد أحمد شاعر الالتزام ممزوجاً بحقائق النفس ومأساة الوجود

تونس تحتفل به في ذكرى رحيله الخامسة وقصائده دخلت الذاكرة الجماعية

الشاعر التونسي أولاد أحمد في الذكرى الخامسة لرحيله (صفحة الشاعر على فيسبوك)

لا شك في أن الأحداث السياسية والاجتماعية التي شهدتها تونس عام 2011، قد وشمت ذاكرة أدبها وتركت في جسده أثراً لا يمكن محوه أو التهوين من شأنه، غير أن الأدباء اختلفوا في تعاطيهم مع هذه الأحداث اختلافا بيناً، أغلبهم عاد إلى الأدب الملتزم ينفخ الروح في جسده الميت متدبراً حججاً شتى لتبرير استعادته، ونقصد بالأدب الملتزم الأدب الذي يستخدم لغة متعدية تحيل على الخارج النصي، ومنه تستمد شرعيتها وشعريتها، فإذا كان الأغلب الأعم من الكتاب والشعراء ارتدوا إلى هذا الأدب تحمساً واستئناساً بأشكال جاهزة للتعبير عن احتفائهم بالانتفاضة وتمجيدهم لرموزها، فإن القليل منهم قد سعى إلى أن يحول حدث الثورة إلى سؤال فني وإلى هاجس جمالي.

أغلب القصائد التي كتبت عقب هذه الأحداث كانت انفلاتاً تلقائياً للمشاعر، وتعبيراً مباشراً عن حماسة طارئة. لقد نسي شعراؤها في غمرة حماستهم أن الشعر ليس الانفعال وإنما هو تحويل الانفعال إلى شكل، أي إلى طريقة في القول مخصوصة، أي إلى كتابة على غير مثال سابق، فالفن مثل الحياة لا يتجلى على هيئة واحدة مرتين، كل تجل يأتي في شكل جديد ويذهب في شكل قديم.

من الشعراء الذين خرجوا على هذا النمط من الشعر الذي يتكئ على اللغة المتعدية الشاعر الصغير أولاد أحمد الذي تحل ذكرى رحيله الخامسة (2016) هذا الشهر، فكانت أناشيده أقرب القصائد إلى وجدان الجماعة تفصح عن رفضها لواقع قديم وتشوفها لواقع مختلف. قصائد محمد الصغير أولاد أحمد، بدت على انخراطها في تيار الشعر الملتزم ذات نبرة مخصوصة، فيها غضب وتوتر، وفيها أيضا تهكم وسخرية. صحيح أنها كانت شديدة الانهماك في الواقع، لكنها لم تكن تعبيراً عن حقائق الوقائع وحسب، بل كانت تعبيراً عن حقائق الواقع وقد امتزجت بحقائق النفس.

نقد الخلل

كان الإحساس بالخلل ينتاب كل شيء، إيقاعاً متواتراً في قصائد الصغير أولاد أحمد، لهذا تحولت الكتابة عنده إلى طريقة نقد للحياة ومحاولة لتقويم ما اختل من أمرها، فالشعر هنا ذو طبيعة "وظيفية"، فهو لا يكتفي بتأويل العالم وإنما يسعى إلى الفعل فيه، يلجم فوضاه ويعيد إليه توازنه المفقود.

هذه الطبيعة الوظيفية للشعر تقتضي الإبانة حتى يكون هذا الشعر قادراً على "إنهاض النفوس" إلى الفعل، على حد عبارة القرطاجني. والإبانة هي قرينة الوظيفة التعبيرية للشعر حيث تصبح اللغة وسيطاً شفافاً تبيّن عما تحمله وتخبر عنه، بسبب من هذا توقى هذا الشعر الاستعارات البعيدة والرموز الغامضة، واستدعى الصور المألوفة التي تفرض على المتقبل أن يحملها على ظاهرها فلا يعدل بها عنه.

لكن ينبغي أن نسارع إلى القول إن هذه الوظيفة المرجعية لا تنفي عن هذا الشعر وظيفته الإنشائية، وهي الوظيفة التي تؤمن له أدبيته وتخرجه مخرجاً فنياً، وبعبارة أخرى نقول إن علاقة هذا الشعر بالواقع ليست علاقة كنائية أي علاقة تجاور وإرداف، وإنما هي علاقة استعارية، أي علاقة تفاعل وحوار.

النص الكنائي يظل على علاقة وطيدة بالمرجع موصولاً به وصل تماس وترابط، أما النص الاستعاري فإنه ينفصل عن المرجع ليؤسس كيانه المستقل وهويته الخاصة، لكن أهم ما يمكن ملاحظته أن القصيدة التونسية قد جنحت مع الصغير أولاد أحمد إلى أسلوب السخرية، وهي سخرية لاذعة، سوداء، فيها قسوة ومرارة، وفيها جرأة وتحد. في قصائد هذا الشاعر طاولته سياط السخرية وهي سخرية حكيمة عاقلة، لم يعرفها الشعر التونسي الذي هو في الأغلب الأعم شعر صارم رصين. وتتجلى هذه السخرية أقوى ما تتجلى في قصيدته "الوصية": "إن وطنيتي/ ما أثقل إن في بداية هذه الجملة الرومانية/ محكوم عليك أن تنصب اسمها وترفع خبرها/ حتى وأنت تأكل/ حتى وأنت تقلع ضرسا/ حتى وأنت تصيح في الصحراء...".

لغة خاصة

ما برح الشاعر يولي الأداة كل عنايته ويعمل على خلق لغته المخصوصة، مستدركاً على تيار أدبي جعل الشعر، الذي هو في الأصل مفارق للواقع، مطابقاً له. مدونة أولاد أحمد أثبتت أن النص الشعري خطاب مستقل بنفسه غير مفتقر لغيره، له خصائصه المتميزة وآلياته الفاعلة وطرائقه في إنشاء الكلام مختلفة. ولا شك في أن الأحداث التي عرفتها تونس قد دفعت التونسيين إلى إعادة اكتشاف قصائد الصغير أولاد أحمد، بخاصة وأن الانتفاضة التونسية كانت في حاجة إلى صوت شعري يعبر عنها ويتغنى بقيمها. هكذا توج أولاد أحمد شاعر الثورة التونسية بلامنازع، وأصبحت قصائده تتردد في المنابر ووسائل الإعلام، فماهي هذه القصائد التي انتخبها التونسيون من مدونة محمد الصغير أولاد أحمد واحتفظت بها الذاكرة الجماعية؟

لعل أهم القصائد التي ترددت على الألسن من مدوّنته هي القصائد التي جرت مجرى الأناشيد في صياغة إيقاعها وتوزيع مقاطعها وأساليب كلامها، والنشيد قصيد الجماعة تخلع عليه، من أثر ترديد بعد ترديد، ضرباً من القداسة، فترتله كما ترتل صلاة، وتؤديه كما تؤدي شعيرة، ولعلنا نذهب إلى أن الصغير أولاد أحمد قد دخل من خلال النشيد الذاكرة الجماعية في تونس: "نحب البلاد كما لا يحب البلاد أحدْ/ صباحا مساء، وقبل الصباح، وبعد المساء ويوم الأحد/ ولو قتلونا كما قتلونا/ ولو شردونا كما شردونا/ لعدنا غزاة لهذا البلد".هذه القصيدة تنتمي إلى مجموعة أولاد أحمد الأولى "نشيد الأيام الستة"، وأعيد اكتشافها بعد أحداث 2011 لتصبح بمثابة نشيد الثورة التونسية ترددها الألسن في المناسبات الوطنية، كما احتفظت الذاكرة الجماعية بأبياته في الاحتفاء بالمرأة التونسية: "كتبتُ... كتبت فلم يبق حرفُ/ وصفت وصفت فلم يبق وصفُ/ أقول إذن باختصار وأمضي/ نساء بلادي نساء ونصفُ".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هكذا اختُزل أولاد أحمد في عدد محدود من القصائد، تماماً مثلما اختزل الشابي في الذاكرة الجماعية التونسية في بيتين من الشعر هما: "إذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر/ ولابد لليل أن ينجلي/ ولا بد للقيد أن ينكسر".

وهذا الاختزال أساء للشاعرين لأنه حجب عدداً كبيراً من النصوص أولى بالاهتمام والعناية، فلأولاد أحمد قصائد أخرى أكثر نضجاً على المستوى الفني والجمالي لم تحظ بالاهتمام، مع أنها تمثل كتابة فريدة لتاريخ الروح التونسية. فقصائده مثل "الوصية" و"هذا أنا" لم تكن مجرد وعاء لمعنى نثري سابق في الوجود، كما أنها لم تكن مجرد مرآة تعكس العالم الموضوعي أو تعيد استنساخه أو تحاكيه، بل كانت قصائد مركبة تجدل خيوطها صوراً ورموزاً عديدة متداخلة.

هذه القصائد تنهض على المفارقات، وعلاقات التماثل والتقابل، والحوار المستمر بين الصفات والخصائص النوعية المختلفة، وقد أسهم حوارها مع قصائد أخرى عربية واجنبية في تطوير نزعتها الدرامية، وذلك بما انطوت عليه من جدل بين أطراف متقابلة متفاعلة، مثل الحاضر والماضي، والذات والآخر، والأسطورة والتاريخ. وهذه القصائد هي التي تمثل في الواقع أولاد أحمد وتفصح عن عميق أسئلته، لكنها لم تحظ بالعناية التي تستحق فظلت متكتمة على نفسها وعلى أسئلتها.

المزيد من ثقافة