دمشق تحتفي بيوم الرقص العالمي مستعيدة ذكرى المخرج القتيل لاوند هاجو

"وهج" عرض جماعي يستوحي الفنون الحركية

مع كل ربيع تعود حادثة اغتيال المخرج ومصمم الرقص أو الكوريغراف السوري لاوند هاجو(1977- 2008) إلى الذاكرة الفنية، فالراقص السوري الذي انتزع يوماً للاحتفال بيوم الرقص العالمي في التاسع والعشرين من أبريل (نيسان ) من كل عام، حرص على تكريس هذه المناسبة في المشهد الثقافي لبلاده. حدث هذا قبل أن يُقتل صاحب "تمرّد العقل" في العام2005 ويُحرق جثمانه بعد التنكيل به وتشويهه، وسجلت الجريمة ضد مجهول!

هاجو الذي كان اختار "رماد" اسماً لفرقته الراقصة التي أسسها مطلع الألفية الثالثة إيماناً منه بجعل الرقص وخصوصاً فن "المسرح الجسدي" في مقدمة الفنون التي تواجه القوى الراديكالية في مجتمعه، كان قدّم مع فنان الديكور الراحل نعمان جود( 1940- 2017) عروضاً نالت أهم الجوائز في المهرجانات العربية والدولية، لتتوالى بعدها المبادرات التي ظهرت على المسارح السورية، محتفيةً بالرقص على أنه من أهم بذور الحداثة المسرحية في بلاد مازال جزء كبير من شعبها يعتبر الجسد مكاناً محرّماً، وموضعاً لطهرانية تسهر على حراستها وصيانتها لوائح الشرف الذي لا يسلم "حتى يراق على جوانبه الدمُ"!

طلاب وأساتذة قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية آثروا هذا العام تقديم عرضهم الاحتفالي في هذه المناسبة تحت عنوان "وهج" (مسرح دار الأوبرا) الذي حشد قرابة خمسين راقصاً وراقصة على خشبة القاعة الكبرى لأوبرا دمشق، وقد أشرف عليه وأخرجه الكوريغراف معتز ملاطية ليه، مستعيناً بخبرة حور ملص ونغم معلّا ونورس عثمان وأنجيلا الدبس، ليقدم توليفة من رقصات الشعوب ورقص الصالونات، إضافةً إلى لوحات من الرقص المعاصر والحديث ورقص الباليه والدبكات الشعبية.

تنويع فني ربما اعتاده القائمون على إحياء هذه المناسبة، فمن تمارين الطلاب وتدريباتهم العملية يتم توضيب عرض يقدم لمرة واحدة وأخيرة، معتمداً أسلوب "النِمرة" تلو "النِمرة" عوضاً عن العمل على عرض مستقل يكون الاشتغال فيه على جمل من الحركة والرقص السوري، الذي يعتبر كنزاً من الممارسات الثقافية التي عبّرت عنه جماعات الأرياف والمدن في البلاد، مصدّرةً طقوس العرس والجنازة والحصاد في أنساق من الرقص الذي أنتجه العمل، بحيث يغيب هذا عن مجمل المقترحات التي اشتغل عليها أساتذة قسم الرقص وطلابه منذ تأسيسه قبل واحدٍ وعشرين عاماً، لتحل بدلاً عنه أنماط الرقص الكلاسيكي والجاز والمعاصر. ففي الوقت الذي يحتفي الراقصون السوريون بالتانغو والأفرو- جاز والسالسا والفلامينكو، يقدم الرقص الشعبي السوري بشكل وظيفي وعلى صعيد التنويع لا أكثر.

وهذا فهم يعكس احتقار الثقافة الشعبية التي هي في بلدان عدة نبع لجمل حركية وراقصة، ومصدر إلهام لمصممي الرقص في العالم الذين استلهموا رقصات شعوبهم، وقدموها في ما بعد في ورش رقص دولية، كما كان الحال مع البنغالي أكرم خان، أو

كريمة منصور التي كتبت هذا العام كلمة يوم الرقص المعاصر، الكوريغراف والراقصة المصرية التي أسست "مركز القاهرة للرقص المعاصر"، كانت هي أيضاً استلهمت من الرقص الفرعوني القديم أشكالاً لعروضها، لكن هذا لم يحدث في سورية التي لا يزال مصممو الرقص فيها -على ندرتهم- غارقين في اجترار أشكال هجينة من الحركة، أو تقليدها ومحاكاتها بطرق تميل إلى الاستعراض، بدلاً من النبش في قاموس الرقص المحلي، الذي لو تم أخذه على محمل الجِد، لأنتج عشرات العروض ذات الهوية الجديدة والفريدة في دنيا المسرح الجسدي.

يبقى الجهد المضني الذي يبذله اليوم مسرحيو الرقص علامة فارقة في الريبرتوار الوطني، والذي خسر على مدى سنوات الحرب الثماني الماضية خيرة مصمميه وراقصيه، حيث غادر العديد منهم إلى خارج البلاد، فيما تبدد شمل العديد من الفِرق الراقصة، والتي كان أبرزها: "تنوين" لمي سعيفان، و"سما" لعلاء كريميد، و"محور" لراسم عبد الله، و"إنانا" لجهاد مفلح، و"أورنينا" لناصر إبراهيم.

تجمعات كابد بعضها مشقات العمل في المنفى، فيما توقف مهرجان الرقص المعاصر في العاصمة السورية بعد انعقاد دورتين منه، وذلك بمشاركة أهم مصممي الرقص في العالم من أمثال: الألمانيتين ساشا فالتس وهنريتا هورن، والهولندية جوليا موريدو، والفرنسي جوزيف نادج. أسماء كان بعضها قد شارك في ورش تدريبية مع طلاب قسم الرقص السوري، في حين يبدو من الصعوبة اليوم استرداد ذاك الزمن الجميل، باستثناء تدوير تمارين الطلاب والتعويل عليها لترميم جمهور هذا الفن، الذي يجد اليوم صعوبة في دراسة رقص الموشحات والسماح والدلعونا والسحجة

الديرية، وسواها من الأنماط الشعبية الكثيفة في جملتها الحركية، وطقسيتها المغايرة للرقص العولمي المعمم على مسارح الكوكب، تحت مسميات: رقص معاصر!

المزيد من ثقافة